حوار وترجمة: محمد الشاربي
ألبيرتو مونتانير فروتوس (سرقسطة، 1963) مستعرب، وفقيه لغوي، وشاعر، ومؤرخ، وأستاذ كرسي للأدب الإسباني في جامعة سرقسطة. متخصص في العصور الوسطى والعصر الذهبي، وتحديدًا في دراسات السيد القنبيطور/السيد الكمبيادور (el Cid Campeador)، تاريخيًا وأدبيًا.
له أيضا عدة أعمال بارزة في مجال الشعر الملحمي، وتاريخ المفردات وعلم الأسماء، ودراسات الشعارات العامة، وعلم المخطوطات، وعلم المراجع والنقد النصي (تحقيق النصوص)، والابستمولوجيا.
حاصل على شهادة الإجازة في فقه اللغة الإسبانية من جامعة سرقسطة (1986)، وشهادة أخرى في فقه اللغة السامية من جامعة كومبلوتنسي بمدريد (1988)، حيث نال درجة الدكتوراه في فقه اللغة عام 1994.
يُعدّ مرجعية رائدة في دراسة السيد الكمبيادور “وقصيدة الميو ثيد” (Cantar de mio Cid). وتحظى طبعته لقصيدة السيد الكمبيادور، ضمن سلسلة “المكتبة الكلاسيكية”، بشهرة وتقدير كبيرين.
نشر أكثر من ثلاثمائة مقال وفصل في كتب ومجلات أكاديمية متخصصة، ونحو خمسين كتابًا، من بينها دراسات ومؤلفات أدبية.
وهو مؤلف لعدة دواوين شعرية، منها “أسرار القلب” (1984)، و”غضب لا يكل” (1985)، و”ذاكرة المظاهر” (2004)، و”زهور ليشتنبرغ” (2017).
في هذا الحوار مع جريدة “مارس 30″، يتناول المستعرب والمؤرخ الإسباني ألبرتو مونتانير فروتوس عدة مواضيع هامة: بداية ارتباطه باللغة العربية، صورة ما هو عربي وإسلامي في الأدب الإسباني، الإرث الإسلامي المتبقي في سرقسطة خلال القرن الحادي والعشرين، السيد الكمبيادور، وأدب الألخميادو، الشعر الأندلسي، المغرب، إلخ.
– أنت حاصل على درجة الدكتوراه في فقه اللغة (فقه اللغة السامية) من جامعة كومبلوتنسي بمدريد. حدثنا عن بداية ارتباطك باللغة العربية.
– درست اللغة العربية الفصحى لمدة ثلاث سنوات في جامعة سرقسطة، على يد المستعرب الكبير فيديريكو كورينتي.
بعد ذلك، واصلت دراستي في جامعة كومبلوتنسي بمدريد، استفدت أيضًا من دورة في اللغة العربية الفصحى الحديثة في معهد بورقيبة للغات الحية بتونس.
– كيف هي صورة ما هو عربي وإسلامي في الأدب الإسباني؟
– ترتبط صورة ما هو عربي في الأدب الإسباني ارتباطًا وثيقًا بصورة ما هو إسلامي، وتختلف اختلافًا كبيرًا باختلاف الحقبة الزمنية.
بشكل عام، تم ادراج الشعوب العربية الإسلامية، منذ العصور الوسطى فصاعدًا، تحت مسمى “المورو”، أي القادمين من موريتانيا، بالمعنى اللاتيني للكلمة، والتي أصبحت فيما بعد البربرية الغربية، وامتدت تقريبًا بين طنجة وشرشال الحاليتين.
وقد مكّننا هذا التصنيف من تحديد التيارين الرئيسيين اللذين شكّلا صورة “المورو” في الأدب، وفي الثقافة الإسبانية عمومًا: الموروفوبيا (كراهية المسلمين والخوف منهم) والموروفيليا (محبة المسلمين و التعاطف معهم). ينطوي المصطلح الأول على الرفض التام للثقافة العربية الإسلامية، باعتبارها العدو اللدود. أما المصطلح الثاني، على النقيض، والذي كان مثمرًا للغاية من الناحية الفنية منذ العصور الوسطى، فيشير إلى انجذاب، بل وتعاطف، مع الثقافة العربية الإسلامية، وحتى تبني عناصر منها، كما يتضح في الزخارف المدجنة أو الزجل في الشعر.
– في عام 1998، صدر الكتاب الجماعي الموسوعي “الجعفرية”. حدثنا عن هذا العمل.
– يتعلق الأمر بعمل جماعي، أشرف عليه الأستاذ أنطونيو بلتران، عالم الآثار الشهير والمؤرخ الرسمي لمدينة سرقسطة، والذي جمع نخبة من المتخصصين في التاريخ العام وتاريخ الفن والتاريخ الأدبي لتقديم قدر الإمكان رؤية شاملة حول قصر الجعفرية المحصن، بدءًا من بناء مركز متقدم خارج أسوار سرقسطة خلال فترة الخلافة، وصولًا إلى تحويله جزئيًا إلى مقر للبرلمان الإقليمي الأراغوني في القرن العشرين.
يهدف المجلد الأول، الذي أعيد نشره لاحقًا بشكل مستقل، إلى تقديم لمحة تاريخية وفنية عن المجمع بأسلوب سهل بالنسبة لجميع القراء، بينما يضم المجلد الثاني مجموعة من الأعمال المتخصصة التي تُكمّل وتعزز ما تم عرضه في المجلد الأول.
تضمنت مساهمتي مقدمة تاريخية عن القصر الإسلامي في المجلد الأول، وفصلين خاصين في المجلد الثاني: أحدهما عن النصوص العربية التي تُشير إلى قصر الجعفرية، والآخر عن الشعارات الموجودة في الجزء الذي أُعيد ترميمه ليصبح قصرًا ملكيًا مسيحيًا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر.
– ماذا بقي من الإرث الإسلامي في سرقسطة الحالية؟
– يُعد قصر الجعفرية بلا شك أهم هذه الآثار، لأنه، على الرغم من التعديلات الكثيرة التي طرأت عليه، يعتبر القصر الأندلسي الوحيد خارج جهة أندلسيا المتبقي حتى الآن.
ويأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية برج الزودة، وهو اسم مُشتق من الكلمة العربية “السدة” التي تعني “الغرفة السطحية”، وتقع بقاياه بالقرب من ساحة ديل بيلار، ويضم الآن مكتب السياحة البلدي. وهو جزء من القصر القديم، الذي كان مركزًا لحكومة الأندلس في الثغر الأعلى خلال الخلافة، ولاحقًا خلال طائفة سرقسطة.
إضافةً إلى ذلك، توجد بعض المقابر الإسلامية، وتوجد أساسات أو أركان أحد الأحياء خارج الأسوار مدفونة تحت شارع باسيو دي لا إنديبندنسيا (ممر الاستقلال) المركزي.
علاوةً على ذلك، إلى جانب الآثار المادية (التي تُكمّلها بعض الاكتشافات الأثرية الصغيرة المحفوظة في متحف سرقسطة)، هناك إرثٌ آخر يتعلق بأسماء الأماكن، مثل “حيّ الموثارة”، الذي اشتُقّ اسمه من كلمة “المُصّارة” أو “المزارعة”، تعني “الخارج” أو “الميدان/الساحة” التي تقع خارج أسوار المدينة. وهناك أيضا “باب ثينيخيا”، التي سُمّيت نسبةً إلى قبيلة صنهاجة الأمازيغية، لأن هذه البوابة كانت تؤدي إلى الحيّ المذكور، الذي أسّسه أفرادٌ من تلك القبيلة.
– أنتَ مرجعية رائدة فيما يتعلق بشخصية رودريغو دياث دي بيبار، المعروف في المصادر القشتالية القديمة باسم (El Campeador)- السيد القنبيطور أو الكمبيادور- وب “أنشودة الميو ثيد” (Cantar de mio Cid)، وهي قصيدة ملحمية مجهولة تروي أعمالًا بطولية مستوحاة من السنوات الأخيرة من حياة الفارس القشتالي السيد الكمبيادور. كيف نشأ اهتمامك بهذا المجال أو هذه الشخصية؟
– جاء ذلك صدفةً، من خلال واجبٍ دراسيٍّ في مادة الأدب الإسباني في البكالوريا. حينها قرأتُ “أنشودة الميو ثيد” للمرة الأولى، ومنذ ذلك الحين أُسرتُ وتعلقت بها مدى الحياة.
وبعد ذلك، بدأتُ أقرأ أعمالًا أخرى عن السيد الكمبيادور، مثل مسرحيات غيلين دي كاسترو، وبيير كورني، وإدواردو ماركينا، أو قصائدَ استعادت مقاطعَ أو شخصياتٍ من الملحمة، مثل قصائد أنطونيو ومانويل ماتشادو، أو عزرا باوند.
لذا، منذ مراهقتي، أصبح السيد الكمبيادور إحدى الشخصيات المفضلة بالنسبة لي. ثم، فوزي بجائزة للباحثين الشباب عن كتابي “السيد (الكمبيادور): الأسطورة والرمز”، وتكليفي لاحقًا بتحرير “أنشودة الميو ثيد” للمكتبة الكلاسيكية، جعل من هذا المجال أحد مسارات بحثي المفضلة.
– في نفس السياق، ماذا يمكننا القول عن العلاقة التي كانت بين رودريغو الكمبيادور وطائفة بني رزين؟
– سيطرت طائفة بني رزين، التي هي الآن تقريبًا منطقة “ألبراسين” (Albarracín) والجزء الشمالي من تيرويل، على الممر بين سرقسطة وفالنسيا، مما جعلها ذات أهمية استراتيجية بالغة.
كان السيد الكمبيادور وملك هذه الطائفة، أبو مروان، حليفين لفترة طويلة، حتى خلال المراحل الأولى من حصار فالنسيا من قِبل قوات السيد الكمبيادور. إلا أنه اختار لاحقًا التحالف مع المرابطين، وتحولت العلاقات بينهما إلى عداء.
كان هذا النوع من المد والجزر سمةً بارزةً في السياسة المضطربة لشبه الجزيرة الإيبيرية في أواخر القرن الحادي عشر.
– يذكر العديد من المؤرخين أن السيد الكمبيادور ساعد المسلمين في الأندلس وقاتل إلى جانبهم ومن أجلهم، لا سيما خلال فترة نفيه. ما رأيك في ذلك؟
– إن تعاون السيد الكمبيادور مع ملوك طائفة سرقسطة موثقٌ توثيقًا دقيقًا سواء في المصادر المسيحية أو المصادر الإسلامية.
وبالتحديد، خلال فترة نفيه، بين عامي 1081 و1086، كان السيد الكمبيادور القائد العام لطائفة سرقسطة، حيث دافع عنها ضد طائفة ليريدا، وكونت (conde) برشلونة، وملك أراغون.
فيما يتعلق بما ذكرته عن الوضع المضطرب في نهاية القرن الحادي عشر، من المهم أن نستحضر أنه في أول معركة شارك فيها السيد الكمبيادور -معركة جرادوس عام 1069-، كان ضمن القوات التي أرسلها ملك قشتالة وليون، فرناندو الأول، على رأس ولي عهده الأمير سانشو، للدفاع عن طائفة سرقسطة من هجمات أخيه الملك سانشو الأول، ملك أراغون.
– بصفتك شاعرًا، ما مدى تأثير الشعر الأندلسي على الشعر الإسباني؟
– كان التأثير على الشعر الغنائي للعصور الوسطى قويًا من حيث الشكل (من خلال تبني أسلوب الزجل)، ولكنه كان محدودًا من حيث الموضوع، نظرًا لقلة ترجمة الشعر الأندلسي.
ركزت الترجمات من العربية على المسائل الفلسفية والعلمية والتاريخية والتقنية، بينما اقتصرت الترجمات في المجال الأدبي فقط على القصة، مثل “كليلة ودمنة” و”سندبار”، بالإضافة إلى حكايات أخرى.
لم يظهر تأثير الشعر الأندلسي على الشعر الإسباني بشكل واضح إلا مع الترجمات التي أُجريت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
في هذا السياق، يُعدّ كتاب “الشعر العربي الأندلسي” الذي نشره إميليو غارسيا غوميز ضمن مجموعة “أوسترال” الشهيرة الصادرة عن دار النشر إسباسا-كالبي، عملاً أساسياً، وكان له دور حاسم في تأليف “ديوان التماريت” للشاعر فيديريكو غارسيا لوركا.
– كيف ترى أدب الألخاميادو (الأعجمية)؟
– الأدب الألخميادو هو الأدب المكتوب بالأعجمية، وهي لهجة إسبانية كان يتحدث بها المدجنون، أي المسلمون الذين بقوا في الأراضي الأندلسية تحت حكم الممالك المسيحية.
اسم الألخميادو مشتق من “الأعجمية”، وهي لغة تختلف عن اللغة العربية. في الأندلس (Alandalús)، كانت اللغة الأعجمية تشير إلى مجموعة اللغات الرومانسية التي كان يتحدث بها المسيحيون الشماليون.
عندما خضع جزء من سكان الأندلس للحكم المسيحي، وحصلوا على لقب “مدجن” (mudéjar) (وتعني “دافع الجزية”، وهي صيغة معكوسة لكلمة “ذمي”)، أُجبروا على تعلم الأعجمية، لكنهم فعلوا ذلك بإدراج بعض الخصائص المميزة، مثل استخدام كلمات دخيلة جديدة من العربية أو تكييف تراكيب عربية، كما في العبارة التالية: “Sobre ti sea açalam de Alá”، التي تعني: “عليك سلام الله”.
ونتيجة لذلك، أصبح مصطلح “الأعجمية” (aljamía) يُشير إلى اللهجة الرومانسية المميزة التي كان يتحدث بها المدجنون في قشتالة وأراغون. على عكس المدجنون في فالنسيا وغرناطة، فقد هؤلاء استخدام اللغة العربية كلغة منطوقة خلال القرن الثالث عشر. لذلك، بدءًا من القرن الموالي على الأقل، شرعوا في ترجمة النصوص العربية، ولا سيما الدينية منها، إلى الأعجمية، بالإضافة إلى تأليف نصوص أصلية، مثل “قصيدة يوسف” و”مديح النبي محمد”. وهكذا، نشأ أدب الألخميادو وترسّخ.
– كيف تنظر إلى العلاقات الأدبية والثقافية بين إسبانيا والعالم العربي؟
– شهدت العلاقات بين إسبانيا والعالم العربي تقلبات عديدة عبر التاريخ. بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر، كانت العلاقات وثيقة للغاية، إذ كانت الثقافة العربية-الإسلامية في أوجها وتألقها آنذاك، وتركت ترجمات النصوص العربية، التي سبق أن ذكرتها، بصمة عميقة ليس فقط في الثقافة الإسبانية، بل وفي الثقافة الأوروبية أيضاً.
ثم بعد ذلك حدث نوع من التباعد، لأسباب ثقافية (إذ فضّل عصر النهضة الرجوع إلى المؤلفين اليونانيين والرومانيين) وأخرى سياسية (إذ خضعت منطقة البحر الأبيض المتوسط الإسلامية للحكم العثماني وفقدت استقلاليتها).
لم يظهر وعي متجدد بأهمية الثقافة العربية، ولا سيما الأندلسية، إلا مع المستعربين خلال القرن التاسع عشر، بدءاً من باسكوال دي غايانغوس، حيث تُرجمت النصوص مجدداً، مع أن التاريخ كان قد حظي آنذاك بأهمية كبيرة بالمقارنة مع الأدب.
وكما ذكرت سابقاً، كان علينا الانتظار حتى القرن العشرين لنشهد ترجمة أوسع لأعمال الأدباء العرب، ليس فقط الشعراء الكلاسيكيين العظام، بل أيضاً الأدباء المعاصرين، مع أن الكثير منهم لا يزالون مجهولين لدى عامة الناس.
وفي هذا الإطار، تبرز من الناحية المؤسساتية جهود المعهد الإسباني-العربي للثقافة (الذي لم يعد موجودا الآن) وأيضا البيت العربي، الموجود حاليا.
استمر هذا الوضع منذ منتصف القرن العشرين وحتى الآن، بحيث على الرغم من أن العلاقات الثقافية الحالية مع العالم العربي تتسم بالديناميكية، إلا أنه مازال هناك الكثير من الأشياء يجب القيام بها.
– ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المستعربون والمؤرخون الإسبان في بناء جسور التواصل بين شبه الجزيرة الإيبيرية والعالم العربي-الإسلامي، وفي إزالة بعض الصور النمطية والأحكام المسبقة، أو على الأقل الحد منها؟
– يمكن أن يكون عملهم أساسيًا، فهم يمتلكون القدرة، أكثر من أي شخص آخر، على معرفة وتفسير نقاط الالتقاء أو شبكات النفوذ بين شبه الجزيرة الإيبيرية والعالم العربي-الإسلامي، في إطار ثقافة البحر الأبيض المتوسط المشتركة.
– كم مرة زرت المغرب؟ ما انطباعك عن هذا البلد؟
– للأسف، لم تتح لي فرص كثيرة لزيارة المغرب، رغم أن لدي أصدقاء مغاربة أعزاء. لذا، وبغض النظر عن إبراز كرم الضيافة التي يتميز بها الشعب المغربي، والمناظر الطبيعية الجميلة والمتنوعة التي يتوفر عليها البلد، أفضّل عدم التعمق في الجواب حتى لا أُعطي انطباعات خاطئة.
– أخيرًا، ما هي الرسالة (أو الرسائل) التي تودّ توجيهها للقارىء الإسباني والعربي؟
– أشجع القراء الإسبان والعرب على التعمّق في فهم بعضهم البعض فهمًا صادقًا، وفهم قيمهم وتقاليدهم وثقافتهم. فالأدب، على وجه الخصوص، وسيلة جيدة للغاية لفهم مشاعر الناس وأفكارهم، مما يسمح لنا بإدراك مدى التشابه بيننا، وأنّ العديد من الاختلافات تعتبر سطحية فقط.
المعرفة تؤدي إلى الفهم، والفهم يُساعدنا على احترام الآخر، بل وخلق الثقة. اقرأوا، تعارفوا، تقاسموا.