عبدالرحمان بلعياشي*
ليست كل المسافات مسافات. وليس كل فهمنا لها سيان. المسافات لا تقاس هنا كلها بالطول أو بالقصر، ولا تقاس كلها بوحدة القياس الاعتيادية أوالكلاسيكية المعلومة والمعروفة لدى الجميع والمتعارف عليها. ولا نعني بها فقط المسافة المادية التي تخضع للعقل وللمنطق أو للعرف، أي المسافة المطلقة. إننا نقصد بها هنا بالدرجة الأولى المسافة النسبية، المسافة المجردة من المادة ومن المنطق. المسافة التي نعتبرها كل من منظوره الخاص ومن رؤيته للأمور ومن زاويته الخاصة أو الضيقة. فتختلف من شخص لآخر، حتى وإن تعلق الأمر ظاهرياً بنفس الأمر أو نفس المسألة. هذه المسافة التي تجعلك تدرك قيمة الأشياء في اختلاف معالجتها وفي تنوع الرؤى والزوايا التي نطل من خلالها عليها، فتترآى لكل واحد منا بطريقة معينة. المسافة التي تجعلنا نعي بما نعيش أو نعالج. المسافة المقابلة والمسافة الموازية والمسافة المحتضنة والمسافة المهمشة والمسافة المبدعة والمسافة المبعدة والمسافة المقربة وغيرها.
المسافة هي اتصال وانفصال، هي الثابت والمتحرك، هي القريب وهي البعيد، هي التذكر وهي النسيان، هي التباعد وهي التقارب. المسافة فضاء للإنزواء والتجاوز من أجل عودة مختلفة ومغايرة. هي مساحة للإحترام وفسحة للوقار. المسافة تتيح لك النظر إلى الأمور بموضوعية، بعيدا عن الذات. المسافة تيسر نظرة عامة وشمولية. المسافة لا تقبل التجزيء أو التفصيل. هي كل لا يتجزأ، وحدة كاملة وليست جزءا أو طرفا. المسافة لا تتوافق والذاتية، رغم أن قرار اختيارها أو نهجها هو في الغالب ذاتياً وشخصيا. المسافة هي ان تنظر إلى نفسك وهي منفصلة مؤقتا عنك، هو ان تنظر إليها وجها لوجه كما لو كانت كائنا منفصلا ومستقلا. الذاتية هي إذن انفصال يتوق إلى تحقيق الإتصال. المسافة هي ملاحقة مستمرة لاتصال، لا يتحقق إلا بعد انفصال. تصبح المسافة في هذه الحالة مسافات، عليك أن تقطعها لوحدك، متتالية أو متقطعة. إذ لا أحد سيقوم بهذا الفعل بدلا عنك. كل واحد يفهم ذاته أكثر من غيره، ويمكن أن يتفاهم معها ويتفاعل معها ويعاتبها أو يثني عليها، أو يتخاصم معها ويتصالح معها.
ولا بد للمسافة هذه من فضاء ملائم لتتحقق فيه. ويتخذ البحث عنها أشكالا متنوعة ومتعددة حسب الأفراد وحسب الحالات، وحسب الغايات أيضا. في كل الحالات، المسافة مقرونة بالتنقل والحركة، وهي تناقض الجمود والسكون، بل وتحاربهما. الغايات الكبرى والنبيلة تتطلب وتستحق كل العناء. والهجرة هي أسمى مظاهرها. وهي أنواع. هناك من الناس من يهاجر وهناك من يهجر. الهجرة تكون نحو الخارج، بينما الهجر، يكون نحو دواخل الذات. في الأولى، المسافات تتسع وتأخذ أبعادا مترامية الأطراف، بينما تنكمش في الثانية وتتقلص وتتضاءل، لكن دون أن تفقد ثقلها وأهميتها. الهجر هو أخذ مسافة داخلية مع الذات بخصوص سلوكات أو ممارسات أو تصرفات أو قرارات أو خطوات أو عادات، تسيء أو تؤذي الشخص نفسه أو الغير. وقد يتطلب قطع هذه المسافة وقتا أطول من المسافة الأولى، الموجهة نحو الخارج. لأن رحلة البحث في الذات صعبة ومعقدة، ومسار فهمها عسير وشاق. قد تكون المسافة التي تفصلنا عن ذواتنا أبعد من المسافة التي تفصلنا عن الآخر. الذات تنطوي على أسرار وألغاز، وقد لا يتيسر دائما فك شفراتها، وقد تصبح هذه الألغاز ألغاما إن لم نعرف كيف نتعامل معها. إن لم نتبنى منهجية خاصة، تحمينا من ذواتنا. لهذا يقتضي هذا النوع من المسافات تفاوضا مستمرا، يتسم بالأخذ والرد، قد يتطلب تنازلات في مراحل معينة، للبقاء على دربها وضمان الإستمرار في التقدم فيها، لتقليص المسافة مع الذات. في الحياة، المكاسب لا بد و أن يكون لها ثمن ومقابل، لا شيء يتم نيله بسهولة أو بالمجان. المسألة تتطلب إذن جهادا في الذات ومجابهة قوية للنفس ووعيا بأهمية الإقدام على هذا الفعل، لما له من دور في المضي بعيدا نحو تقليص المسافة بين الذات والموضوع. هنا يكمن دور الهجر، هو نوع من التفرغ أو الإعتكاف الداخلي للتبصر والبصيرة، لتتضح الرؤيا بعيدا عن أي لبس أو غموض. هي هذه المسافة التي نقبل عليها ونعتبر أنها كافية لتحقيق هدف الإتصال السليم والسلس بين الموضوع وذاته.
والمسافات قد تكون بسبب خلاف مع ذواتنا، وقد يكون صراعا معها، يتحول مع مرور الوقت إلى مقت أو كره أو حقد، ونريد أن نبتعد عنها أو ننسلخ منها، فنختار طريق الإنفصال، نختار الإبتعاد والتباعد واللامبالاة، نختار القطع مع ما يربطنا بها. القطع مع الماضي ومع الحاضر ولا نكترث أو ننظر إلى المستقبل بعيون الحاضر أو الماضي. ونحتار ونتألم ونتعذب، لكننا مع ذلك نطيق ونتحمل ونستحمل، لأننا نريد فعلا تحقيق هذا الإنفصال، نتشبث به وبشدة. كأننا نريد أن نتخلص من هوية لم نعد نرغب فيها، هوية لم تجلب أية منفعة، أو لم ننفعها نحن بدورنا بأي شيء وفي أي شيء. إحباط مشترك ومن الجانبين. يأس متبادل. كلانا متعب من الآخر وكلانا استنفذ كل طاقات تحمله تجاه الآخر. فلا مناص من التخلص من بعضنا البعض. الخلاص مصير مشترك ومآل حتمي. هي مسافة للبحث عن مرجعيات جديدة تقطع مع المرجعيات السابقة، والتي أتبثت فشلها وعدم جدواها. هو انفصال لا يبحث عن اتصال مع الذات السابقة، بل هي قطيعة تبحث عن اتصال يتم مع ذات جديدة ومغايرة. ذات اندثر وتبدد كل ما يربطها بالماضي وذكراه وذاكرته وتذكاره.
وقد تتحول مسافات الإنفصال إلى دافع للتصالح مع الذات من خلال البوح للآخر وتفريغ همومنا عليه دون قيد أو شرط، الآخر الذي نضع فيه ثقتنا ونعتبره بئرا سيبتلع بوحنا بأسرارنا وهمومنا وشقائنا وأحزاننا. بئر يحدث صدى يبلغنا أن الرسالة وصلت وأنها لن تصعد منه أبدا. صدى يريح النفوس بعد طول سنوات العذاب والآلام والمعاناة. هو إذن انفصال عن الذات والعودة إليها عن طريق الآخر- المرآة. مكاشفة ترفع الغم عن القلب والنفس والذهن. مكاشفة تعري عن مكامن الضعف فينا وتعرضها للضوء بعدما كانت تختبأ في السابق في زوايا مظلمة من الذات، وكأنها غصة في حلق، تمنع الشكوى أو مجرد الكلام. غصة أزحتها بقطعة خبز حافي أو كوب ماء بارد، شعرت بعدها ان ظمأك قد ارتوى، ولم يعد يطلب شيئا آخر غير الراحة والهدوء والسكينة. الآخر قد يكون صديقا مخلصا تأتمنه على بوحك والهموم التي تؤرقك، وقد تكون أنت الآخر بانسلاخ عن ذاتك، وهذا يتأتى أمام المرآة، حيث تقف ندا للند أمام صورتك العاكسة لذاتك في المرآة وتنظر إليها في عينيها حتى تمسك بدواخلها وترغمها على البوح وإفراغ ما بداخلها، أو أن تخبرك بفراغاتها وما تحتاجه لملإها. هو خواء من جهتين يتطلب تفاوضا وتعاونا ومشاركة متبادلة وثنائية. أمام الذات، تتعرى المشاعر وتنكشف الأحاسيس، وقد يصاحبها عتاب ولوم أو ربما دموع الندم أو الفرح، لأنك بعد البوح تحس بأن الغمة التي كانت جاثمة على صدرك قد زالت وانزاحت واختفت، وشعرت معها براحة لا نظير لها، وخفة غير معهودة.
وتتجلى المسافات في حالات أخرى بانفصال مع الذات لتحقيق اتصال بها لكن عبر ارتباط ما. نلقى ذواتنا في الآخر، الآخر الذي نكتشفه ونصادفه، ونلتقي معه في أشياء نحبها أو نكرهها. أشياء تجتمع فيه الشروط المناسبة للقائنا والتقائنا. قد يكون ارتباطا ظرفيا أو دائما، حسب ما تقتضيه مجريات الأمور والأحداث. وهي مسألة متوقفة عن ظروف ذاتية أو موضوعية. لكنه ارتباط يحقق لقاء مع ذواتنا من خلال الآخر. الآخر هنا يصبح مرآة نقيم ونقدر من خلالها ذواتنا. ندرك نواقصنا ونسعى إلى ملإها وقد تجسد هذه المسافات في الرغبة الجامحة في امتلاك ما يملكه الآخر، أو تقليده فيما يفعله أو في التشبه بحالته، وقد اتخذناه مثالا نتبعه أو قدوة يحتذى بها. انفصال من نوع آخر، سببه الشعور بنقص ما وانعدام ثقة في الذات أو وجود فراغ ما، يمر امتلاؤه بانفصال عن الذات والبحث في الآخرين. وفي أحدث تجليات هذا الإنفصال ما نراه على مواقع التراسل الفوري والتواصل الاجتماعي، حيث يتنافس الجميع في أن لا يكون هو، بل الآخر الذي يتخيله أو يتصوره في العالم الإفتراضي أو الواقعي، ويبذل في ذلك اكبر المجهودات ليقنع نفسه والاخرين بهذه الصورة الجديدة. الأنوثة لها تجلياتها والذكورة لها تجلياتها من لباس ومأكل ومشرب، وأيضا في الخلقة. فترى النساء يبحثن عن ذواتهن في أحدية ذات الكعب العالي ومواد الماكياج من كبريات الماركات العالمية أو من تغييرات في شكلهن بإجراء عمليات تجميل على مختلف مناطق أجسادهن. أما الرجال فهم يقلدون بالخصوص أسلوب وطريقة لباس أشهر اللاعبين الدوليين ومشاهير من عالم الفن، وغيرها.
الهجرة قد تكون لتغيير المكان، لأنه لم يعد يروق أو يجدي في شيء، أو لأنه لم يعد يطيق وجودك فيه، فشل وإخفاقات متوالية وإحباطات وانكسارات متعاقبة. لا مناص من تغييره، وتغيير شؤمه والشر الذي قد يأتي منه. المكان الذي يوسع الهوة بين الموضوع والذات، ويجعل من الفارق بينهما شرخا عميقا يستحيل جبره، يولد بدون شك بأسا ويأسا في النفوس، لا بد من هجرته وهجره، سعيا لاستبداله بما هو أفضل وأخير، لملاقاة الذات. لأن في ذلك تقدم كبير لملاقاة الآخر، كما لو كان هو نحن أو مرآة لنا. رحلة البحث عن الذات لا تقاس بالزمن، قد تستغرق وقتا أطول أو أقصر حسب الحالات، فهي لا تتشابه، كل حالة لها خصائصها ومميزاتها، وبالتالي لا يمكن التعامل معها كلها بنفس الطريقة والمنهجية. هناك مسافات يكفل الزمن بتذويبها، وهناك منها ما يجب أن نتدخل فيها بالقيام بخطوات أو إجراءات أو خطوات معينة. وهناك ما هو متوقف على الآخر، لكن علينا أن نحمله، أي الآخر، على القيام بها باستفزازه أو حثه على ذلك بأية طريقة كانت. مسار الرحلة متنوع ومختلف ومتغير من شخص لآخر ومن حالة لأخرى، وهو في جميع الحالات غني ومفيد للموضوع وللذات، لأنه يصفي الإثنين ويقويهما ويعيد إليهما الثقة الكافية والضرورية ليتمما المشوار سويا في تناغم تام وفي انسجام باهر، يلغي التباينات والتفاوتات والتناقضات الظاهرية والباطنية بينهما، وبالتالي يدلل الصعاب ويعبد الطريق للتصارح والمصارحة والجهر بها والبوح بها والإفصاح عنها، بحثا عن التصالح مع الموضوع ومع الذات ومعهما معا.
المسافات تأخذنا في مسارات حسب الأهداف والغايات التي نسعى إلى تحقيقها، والاحتياجات والنواقص التي نعاني منها. منها ما نقوم بها من أجل تطهير النفس من الخطايا والذنوب وما يليها من تأنيب للضمير والرغبة في تزكية النفوس مع الخالق والمخلوق، فنهاجر إليها ونقطع مسافات من أجلها. وتعتبر زيارة الأماكن المقدسة بالنسبة للمسلمين مثلا من حج وعمرة، أسمى تجليات هذا المسعى. فترى الناس أفواجا يؤدون مشاعرهم إيمانا واحتسابا لربهم، راجين التوبة والمغفرة. كما أن من بين امنياتهم قضاء الصيام في تلك الأماكن ولم لا، الموت فيها اعتقاداً منهم أن ذلك يدخل في باب الشهادة، وبالتالي الفوز بجنات النعيم، وهي في النهاية، الخاتمة التي يتمناها كل مؤمن أو مسلم؛ حسن الخاتمة. كما أن الإحساس بالخوف والضعف يقودان الناس إلى قطع مسافات نحو الأضرحة التي يعتقد أنها مرقد أولياء الله الصالحين، ليطلبوا بركاتهم ويجودوا عليهم بمكرماتهم، فيتوسطون لهم لقضاء حاجياتهم. كما يقصدهم الناس أيضا للتعافي من أمراض يعتقدون أن دواءها لا يوجد في المستشفيات، من قبيل المس أو الجن أو الجنون أو العقم أو ما قد يطفو على جسم الإنسان من أعراض معينة، وغيرها. إن الإحساس بالضعف والعجز، ماديا كان أم معنويا، يجعلك أسير ممارسات غريبة، تتنافى والعقل والمنطق في الغالب، لكنك بكل وعيك تصر على اللجوء إليها لتملأ فراغا ما في الذات. هذا الفراغ الذي يدخل الإنسان في متاهات لا نهاية لها، تشبه الأخطبوط، كلما اعتقدت أنك تخلصت من بعض مخالبه حتى تقع في مخالب أخرى أكثر تعقيدا. فتستسلم في الأخير لما تقدره عليك من المزيد من الأسر والقيود. وتنصاع لما تمليها عليك دون أن تكون لديك القدرة على المقاومة.
وتقودنا مسافات أخرى لاكتشاف قدرات الذات على التحمل، من خلال الأسفار و المغامرات. التنقل في الأماكن من أجل الترويح عن النفس واكتشاف الآخر، يقرب ويقلص الهوة بين الموضوع وذاته في نفس الوقت. الأسفار تجعلك تعي بمؤهلاتك وتختبر طاقاتك، فتفجرها في ما أنت مقبل عليه، فتضاعف من هذه الطاقة وتقوي قدراتك الذهنية والنفسية بالخصوص، وتمنحك ثقة أكبر في ذاتك ونفسك. هذا النوع من المسافات ينصح القيام به ولو أنه ليس متاحاً للجميع، ليس فقط بسبب الإمكانيات المادية، ولكن أيضا وفي الغالب بسبب غياب وعي بأهميتها وبوقعها الإيجابي على النفس. هي مسافات نختارها نحن، ونطمع في ان تقربنا من أنفسنا من خلال الفضاءات والأماكن التي سنمر بها أو سنزورها. استكشاف مضاعف، للذات وللأماكن، ومن خلال الأماكن.
كما أن العلم والمعرفة يجعلانا نقطع مسافات ونتحمل مشقاتها المتنوعة والمفاجئة أحيانا في سبيل غاية بالغة في النبل. وطلب العلم لا ينحصر في مكان بعينه أو في سن محددة، عملا بالقولين المأثورين: “اطلبوا العلم ولو في الصين”، “اطلبوا العلم من المهد الى اللحد”. إن طالب العلم هو من يبحث عن هذه المسافات، لأنه يتوق دائما إلى المزيد من العلم والإستزادة فيه، فلا يقبل بمكان واحد ووحيد، بل يغيره كلما انتابه إحساس بأنه استنفذ ما بالمكان الحالي من علم ومعرفة. هكذا تجده على أتم الاستعداد لقطع مسافات جديدة كلما اقتضى الأمر ذلك. والمسافات نفسها قد نقطعها من خلال مطالعة الكتب من مختلف المشارب والتوجهات والتخصصات. القراءة تحملنا في أسفار شيقة وتجعلنا نطل بل ونعيش في كنف عوالم واسعة ومتعددة ومختلفة عن عالمنا الضيق. المطالعة تفتح أمامنا آفاقا غنية وفسيحة تجعلنا نرى الوجود بعيون أخرى، نستكشفه ونتطلع إلى أن نتعرف عليه ونعرف عنه اكثر. القراءة تولد وتنمي فينا قيمة بالغة الأهمية في حياتنا، وهي قيمة الفضول المعرفي، ويؤدي بنا هذا بالطبع إلى نوع من الإدمان عليها، إذ كل قراءة تحيل على وقائع جديدة وعوالم مثيرة، تجعلنا نعي بأن الكون ليس كما تصورناه في البداية، أي أنه منحصر فقط على رقعتنا الجغرافية، الرقعة الضيقة التي نتحرك داخلها بأفقها المسدود ونظرتها الضيقة للأمور. القراءة تحررنا من المحدودية التي كنا قابعين فيها، في نوع من العتق والإنقاذ.
المسافات بها اكتشف العالم وجابت البشرية الكون، بل وتطلعت لاكتشاف الفضاء وسبر أغواره، لفهمه اكثر والنظر في إمكانيات الحياة فيه، على غرار حياتنا على كوكب الأرض. هذه المسافات تجعل الإنسان في تحد مستمر ودائم مع نفسه أولا، بالإصرار على إنجاز عمله، وفي تحد صريح للطبيعة، التي تبدو أكبر وأقوى منه. لكنه بفضل العزيمة والمثابرة والإصرار والتفاني، استطاع أن يروضها ويجعلها تطاوعه في مساعيه فيها.
المسافات قد تتحقق أيضا في الحلم. هو فضاء رحب وفسيح متاح لكل المسافات. الحلم يحملنا لأن نتخيل لنا وجودا متنوعا ومتعددا داخل المجتمع، بل ويجعل منا أبطالا فوق العادة في عالم يوجد فقط في الحلم. الحلم يحقق ما يعجز المجتمع تحقيقه في الواقع. في الحلم نستعيد قوتنا وشخصيتنا، الحلم يقربنا من أنفسنا ومن المجتمع، يقربنا بأفضل الطرق في الغالب. لم نعد تلك النكرة التي لا ظل لها ولا أثر. في الحلم تختفي المسافات. في الحلم نستعيد الحرية المفقودة أو المنشودة، في الحلم تتحقق الأمنيات المستحيلة. لهذا عندما نستفيق من حلم عذب وجميل، نحاول العودة إليه واستئنافه، لأنه يدخلنا في عوالم عجيبة وغرائبية لا يمكن للواقع المعاش أن يوفر شروطها. ويكون الحلم بالتالي بديلا عن الحرمان الدائم المعاش، يكون بديلا عن التهميش والاحتقار الذي نحس به في الواقع. الحلم يعيد للشخص كرامته المفقودة ويعيد إليه الثقة الضائعة، ولو لبعض الوقت. من هنا فالحلم حق من الحقوق التي تشعر الإنسان بإنسانيته.
المسافات تؤدي الى الحرية وإلى الاستقلال في الشخصية وفي الفكر. المسافات تكسر القيود، القيود التي تكبل التفكير والخيال. المسافات هي المنقدة منها، هي من تطلق العنان لهما، هي من تشعرك أن العالم كله بين يديك وفي ملكيتك، ويمكنك التصرف فيه كما يحلو لك. تجوبه طولا وعرضا، تجري وتركض فيه مثل الأحصنة في البراري أو الطيور في السماوات، لا تكترث لأحد. المسافات تحررك من نفسك، تفك أغلالك من متاهات الحياة التي لا تنتهي. المسافات تشعرك أنك خفيف، لا وزن لك، تماماً مثل أوراق الأشجار التي تعبث بها الرياح في كل الإتجاهات، في لامبالاة تامة لمآلها. المسافات تجعلك في منأى عن نفسك، تحميك وتحصنك أمام نفسك.
المسافة تضعك في طريق التسامح، إذ وأنت تقطعها بكل مراحلها، تكتشف أمورا كثيرة كانت خافية عليك. المسافة تضعها في طريقك في حينها وفي سياقها، فتتبين ما كان مكتوما وليس ظاهرا. تفهم المواقف وتتفهم تصرفات كانت تبدو لك غريبة أو نشازا أو غير منطقية أو غير أخلاقية. المسافة هنا تعري على الاحكام الجاهزة والجائرة التي تنخر أجسادنا، وتقضي عليها نهائيا، وتصحح أفكارنا وتعطي الأمل أحيانا، وأحيانا أخرى تخيب ظنوننا في ثقة لم نضعها في محلها، أو لم يكونوا من وضعناها فيهم أهلا لها. المسافة تضعك أمام خيارات حياتية، أحيانا مصيرية. تضعك وجها لوجه مع وجوه كثيرة، مع ثقافات مختلفة، تشعر معها أن ثقافتك ليست الوحيدة أو ليست الافضل، تغرس فينا ثقافة تقبل الاختلاف، ثقافة احترام الآخر في اختلافه، وتثمين ما لدينا وتقييمه في مواجهته مع ثقافة الغير.
ومعلوم أن قيم التسامح تكتسب، وتروض النفس عنها، لأنها، أي النفس، لا تستصيغ التغيير والاختلاف بسهولة. مثلها مثل المجتمع، خاصةً المجتمعات التقليدية، التي تسعى بكل الإمكانيات إلى أن يتشابه الجميع في تفكيرهم وفي دهنيتهم وعقيلتهم، وكل خروج عن هذه القاعدة يعد تمردا عليها وانقلابا على قيمها وعصيانا لضوابطها. ذلك أن التغيير عموما مخيف، حيث يهاب المجتمع تبعاته، ويخشى انعكاساته على تطور وعي الناس، ووقعه بالتالي على سلوكهم ومواقفهم. كل تغيير يجلب معه بالطبع طبقات جديدة من الوعي، تكون سببا مباشرا في قطع مسافات بين ما كان وساد، وما سيصير ويخص كل واحد. كل تغيير في وعي الأفراد والجماعات يجبر المجتمع على تغيير نظرته ورؤيته، مما يضطره لأن يغادر تلك المنطقة الآمنة التي يبسط منها سيطرته على المجتمع برمته. وبالتالي يشعر أنه لم يعد يتحكم كما في السابق في زمام الأمور. وهذا يشكل مصدر خوف وقلق بالنسبة له. صعب ان تلعب دورا واحدا ووحيدا في الحياة ولا تتقن غيره، وإذا سارت الأمور بطريقة مختلفة وتغيرت قواعد اللعبة المألوفة، تجد نفسك غير مؤهل لمواكبة تغييرها، فيستحوذ عليك إحساس بالضياع، وقد تتبنى على إثر ذلك مواقف عنيفة أو عشوائية وغير مدروسة لاستعادة الوضعية السابقة، فلا تنجح، لأن الظروف قد تغيرت ومعها العقليات. عندما يتذوق الناس طعم الحرية والاستقلال في الرأي والتصرف، يصعب ثنيهم على العدول عنها والرجوع إلى الوراء. المسافات هي من تحقق هذا الوعي وهذه الحرية وهذا الاستقلال.
أستاذ جامعي وكاتب رأي*