20 يونيو 2026 / 00:16

بيت الصحافة

لا يمكن فهم الديكتاتور فرانكو من دون إفريقيا 

Mares30 - 4 مايو 2026

توفيق سليماني 

بعد نجاح نشر بعض تفاصيل كتاب الملك خوان كارلوس الأول، تحت عنوان “خوان كارلوس الأول: المصالحة”، خلال شهر رمضان المنصرم، نشرع الآن في نشر بعض تفاصيل كتاب “فرانكو” للمؤرخ الإسباني، خوليان كاسانوبا، مع التركيز فقط على الجانب المتعلق بالمغرب وإفريقيا في مسار الديكتاتور الإسباني فرانسيسكو فرانكو. وقد صدر الكتاب لأول مرة في فبراير 2025 عن دار النشر الإسبانية بلانيطا، وفي الشهر نفسه صدرت طبعته الثانية.

 

في فصل يحمل عنوان “فرانثيسكو فرانكو، الملقب بالكوديو”، أو الزعيم، يتوقف خوليان كاسانوبا عند مرحلة صعود فرانكو، محاولا تفسير تكوين شخصيته العسكرية والسياسية قبل انقلابه على الجمهورية الإسبانية سنة 1936. وفي هذا السياق، يظهر المغرب وإفريقيا كعنصرين مهمين في فهم شخصية فرانكو، وكيفية وصوله إلى الحكم في الجارة الشمالية، لا باعتبارهما مجرد محطة عابرة في مساره العسكري، بل باعتبارهما الفضاء الذي تلقى فيه تكوينه الأساسي وتشكلت داخله رؤيته للسلطة والحرب والانضباط.

 

يكتب كاسانوبا أن فرانكو، عندما قرر الانضمام إلى التمرد العسكري، كان ضابطا “موهوبا جدا، طموحا، متحفظا، ومدفوعا بإحساس متطرف بالواجب والانضباط”. فرانكو لم يكن في البداية يدعم التمرد خوفا من الفشل. غير أن المؤرخ الإسباني لا يكتفي بهذا الوصف النفسي والعسكري، بل يربطه مباشرة بتجربته في الحرب الاستعمارية، موضحا أن فرانكو كان قد أدخل في تكوينه “تجربة الحرب الاستعمارية الفظيعة”، إلى جانب فكرة أن إسبانيا تعرضت “للخيانة” من طرف السياسيين منذ نكسة 1898، وأنها محاصرة من “أعداء” لا ينظرون بعين الرضا للتوجه السلطوي.

 

وتبرز الإشارة إلى المغرب بشكل صريح حين يذكر المؤلف أن من بين “الأعداء” الذين كان فرانكو يريد القضاء عليهم يتواجد الاشتراكيون والفوضويون، الذين يصفهم الكتاب بأنهم كانوا “سلميين ومعادين للحرب في المغرب”. وهنا تكشف ثنايا الكتاب أن الحرب في المغرب لم تكن مجرد خلفية عسكرية، بل كانت جزءا من الانقسام السياسي الإسباني الداخلي، ومقياسا من مقاييس الولاء أو العداء داخل مخيال فرانكو والضباط المتشددين.

 

ويبلغ الربط بين فرانكو وإفريقيا ذروته في العبارة المركزية التي تصلح مفتاحا لقراءة هذا الفصل من الكتاب، حين يؤكد كاسانوبا أنه لا يمكن فهم فرانكو ورفاقه، وحتى هم لم يكونوا ليفهموا أنفسهم، من دون إفريقيا. ما يعني أن إفريقيا، وفي قلبها التجربة الاستعمارية الإسبانية في المغرب، كانت جزءا مؤسسا من هوية فرانكو العسكرية والسياسية. في شمال المغرب، كما يقول المؤرخ، تلقى فرانكو “تكوينه الأساسي”، قبل أن يزداد تمرسا خلال “حرب قاربت الألف يوم” عقب انقلاب 1936.

 

يعتقد كاسانوبا أن فرانكو في يوليو 1936 كان “قائدا عسكريا بلا تجربة سياسية”، لكنه كان، رفقة زملائه في السلاح، “متمرسا بفضل المعارك بإفريقيا”. ومن هذه الخلفية العسكرية العنيفة، انتقل هؤلاء الضباط إلى معالجة الأزمة السياسية والاجتماعية الإسبانية بطريقة عنيفة، من خلال تقديم بديل سلطوي كان قد وجدت نماذج له في أوروبا عند موسوليني وهتلر وغيرهما من الفاشيين.

 

ويقدم المؤرخ الإسباني مسار فرانكو كما لو أنه انتقال من الجندية الاستعمارية إلى الديكتاتورية. فهو يذكر أن “الجندي الشجاع الذي وصل إلى إفريقيا في فبراير 1912”، أصبح جنرالا سنة 1926، ثم ارتقى إلى أن بلغ رتبة “خينراليسيمو” (كبير الجنرالات) في خريف 1936، قبل أن يتحول في أبريل 1939 إلى “الكوديو” الذي قدمته الدعاية باعتباره المنقذ الذي أوكل الله إليه مهمة إنقاذ إسبانيا من الشيوعية والانفصال والماسونية.

 

وتكشف صفحات هذا الكتاب أيضا كيف ساهمت الدعاية في تحويل التمرد العسكري إلى أسطورة سياسية. فبعد الانتصار العسكري، لم تعد الحرب الأهلية تُقدَّم في خطاب فرانكو وأنصاره كصراع دموي للاستيلاء على السلطة، بل كحركة “إنقاذ” لإسبانيا. ويشير كاسانوبا إلى أن المديح الذي تلقاه فرانكو لاحقا لم يكن نابعا من حنكة سياسية أو قدرة كاريزمية على تعبئة الجماهير، بل من نجاحه العسكري، أي من الصورة التي صنعتها له الحرب في إفريقيا.

 

في نفس السياق، يظهر أن خوليان كاسانوبا يضع إفريقيا والمغرب في قلب فهم صعود فرانكو إلى الحكم. فالديكتاتور الإسباني لم يبدأ كزعيم سياسي، بل كعسكري عادي تشكل في ساحات الحرب الاستعمارية، وحمل معه من تلك التجربة نظرة سلطوية وعنيفة إلى السياسة.

 

من هنا تصبح فكرة أنه لا يمكن فهم فرانكو ورفاقه من دون إفريقيا أكثر من مجرد جملة تاريخية، بل خلاصة لفهم علاقة الديكتاتور الإسباني بالماضي الاستعماري، وبشمال المغرب تحديدا، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لفهم تكوينه وصعوده إلى الحكم إلى أن وافته المنية في خريف 1975.

التصنيف : آراء اسبانيا