توفيق سليماني
دخلت العلاقات بين المغرب والإكوادور خلال الشهور الأخيرة مرحلة جديدة من التسارع السياسي والاقتصادي، بعد الأجندة المكثفة التي يقودها وزير الإنتاج والتجارة الخارجية والاستثمارات والصيد الإكوادوري، لويس ألبرتو خاراميو، بين الرباط والدار البيضاء وطنجة، في زيارة تمتد إلى غاية يوم الجمعة المقبل، وتعكس رغبة واضحة لدى البلدين في الارتقاء بالتعاون الثنائي إلى مستوى أكثر شمولاً وتنسيقاً.
ولا يمكن فهم ما يجري، حاليا، دون العودة 20 شهرا إلى الوراء، وبالضبط إلى أكتوبر 2024، عندما قررت جمهورية الإكوادور تعليق اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، التي كان هذا البلد الأمريكي-لاتيني قد اعترف بها سنة 1983. ما يعني أن الإكوادور كانت من بين الدول الأوائل التي احتضنت البوليساريو.
مع ذلك لم يغب المغرب عن الإكوادور؛ فالعلاقات بين البلدين تعود جذورها إلى عام 1988. ومنذ ذلك التاريخ إلى غاية سنة 2019، ظلت العلاقات بين البلدين توصف بأنها “محتشمة”. غير أنه منذ شهر شتنبر 2019، قرر المغرب والإكوادور إطلاق مرحلة جديدة في علاقاتهما الثنائية، وذلك بفضل الزيارة التي قام بها وفد إكوادوري رفيع المستوى، برئاسة نائب وزير الشؤون الخارجية والاندماج السياسي والتعاون الدولي، أندريس تيران، إلى المملكة المغربية، حيث جرى خلال هذه الزيارة التعبير عن الإرادة المشتركة لتعزيز الروابط في المجالات الاقتصادية والتجارية والثقافية والسياحية وغيرها. لكن أكتوبر 2024، كان النقطة المفصلية، punto de inflexión، كما يقال بلغة سيرفانتس.
ووجب التذكير، كذلك، أن جمهورية الإكوادور، كانت جددت، في 17 أبريل المنصرم، تأكيد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007، واصفة إياها بالحل الوحيد الجاد وذي المصداقية والواقعي للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية. وهو الموقف الذي تم التعبير عنه في الندوة الصحافية وفي بيان مشترك، تم توقيعه بالرباط، عقب مباحثات بين وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، ووزيرة العلاقات الخارجية والتنقل البشري بجمهورية الإكوادور، غابرييلا سومرفيلد. وخير دليل على هذا التناغم الدبلوماسي هي ابتسامة ناصر بوريطة في تلك الندوة الصحافية واستعماله في أكثر من مرة عبارة عزيزة غابرييلا، querida Gabriela.
زيارة غير عادية
ولا تقتصر زيارة الوزير لويس ألبرتو خاراميو على اللقاءات البروتوكولية أو السياسية التقليدية، بل تكشف عن دينامية متكاملة تشمل وزارات ومؤسسات اقتصادية واستثمارية ولوجستية وصناعية مغربية، في إطار رؤية واسعة تقودها الدبلوماسية الملكية المغربية لتعزيز الحضور المغربي في أمريكا اللاتينية وبناء شراكات اقتصادية طويلة المدى مع دول المنطقة. وهذه الاستراتيجية الدبلوماسية الجديدة القائمة على تنويع اللقاءات مع مختلف الفاعلين لديها أهمية كبيرة، بحيث ستسمح للمغرب، إن واكبها الصبر الاستراتيجي والزخم الثقافي، بتشكل “حزمة مصالح”، colchón de intereses، فيها هذا البلد الأمريكي الجنوبي،. وهي الاستراتيجية التي يمكن أن تجعل في المستقبل مواقف هذا البلد من قضية الصحراء المغربية لا تتغير بتغير الرئيس والحكومات المتعاقبة.
وشكل اللقاء الذي جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، اليوم الثلاثاء، بنظيره الإكوادوري، إحدى أبرز محطات الزيارة، حيث أكد الطرفان إرادتهما في رفع مستوى العلاقات الثنائية في قطاعات استراتيجية تشمل الفلاحة، والصناعة الغذائية، والطاقة، والأسمدة، والخدمات اللوجستية، والبنيات التحتية المينائية.
وكشفت المعطيات الصادرة عن وزارة الإنتاج الإكوادورية أن الجانبين ناقشا أيضاً إمكانية إحداث مجلس أعمال مغربي ـ إكوادوري بهدف تسهيل التواصل بين رجال الأعمال وتعزيز المبادلات التجارية والاستثمارات المتبادلة، في خطوة تعكس الانتقال من مرحلة النوايا السياسية إلى البحث عن آليات اقتصادية عملية ودائمة. وهذا ما سيسهل تحقيق هدف “حزمة المصالح”.
كما حظي اللقاء الذي جمع الوزير الإكوادوري بوزير الصناعة والتجارة المغربي، رياض مزور، اليوم الثلاثاء، بأهمية خاصة، بالنظر إلى الطابع الاقتصادي المباشر للمباحثات، حيث أكد جاراميو أن المغرب يمثل “حليفاً استراتيجياً” ومنصة توزيع أساسية نحو شمال إفريقيا، معتبراً أن الإكوادور يمكن أن تلعب الدور نفسه بالنسبة للمنتجات المغربية في أمريكا الجنوبية.
وأعلن الوزير الإكوادوري خلال هذا اللقاء رغبة بلاده في التقدم نحو توقيع اتفاق للتبادل الحر ومعاهدة ثنائية لحماية الاستثمارات مع المغرب، مع التركيز على تسهيل التدفقات التجارية وتحسين الربط اللوجستي البحري والجوي بين البلدين. وهو ربما يفسر اللقاء المبرمج مع مسؤولي الخطوط الجوية الملكية المغربية.
وشهد هذا الاجتماع توقيع اتفاق تعاون يهدف إلى تنشيط المبادلات التجارية وتشجيع الاستثمارات المتبادلة، بحضور سفير الإكوادور بالرباط، فرناندو موريخون بازمينيو، في مؤشر آخر على دخول العلاقات الاقتصادية مرحلة أكثر عملية ومأسسة.
وفي السياق نفسه، شكلت زيارة الوزير الإكوادوري إلى المكتب الشريف للفوسفاط محطة استراتيجية ضمن هذه الجولة، حيث عقد لقاءات مع مسؤولين في المكتب الشريف للفوسفاط لدراسة فرص تزويد السوق الإكوادورية بالأسمدة، وبحث إمكانيات التعاون في مجال دعم الإنتاجية الزراعية وتعزيز تنافسية القطاعات الفلاحية الإكوادورية.
وأكدت وزارة الإنتاج الإكوادورية أن هذه المباحثات تندرج ضمن رؤية تستهدف تطوير بدائل قادرة على تقوية الإنتاج الزراعي في الإكوادور، في ظل التحديات الدولية المرتبطة بالأمن الغذائي وارتفاع الطلب العالمي على الأسمدة.
وتظهر كل هذه المعطيات اهتماماً إكوادورياً متزايداً بالخبرة المغربية في مجالات الفوسفاط والأسمدة والأمن الغذائي، وهي قطاعات أصبحت تحظى بأهمية استراتيجية متزايدة على الصعيد الدولي.
وامتدت أجندة الوزير الإكوادوري أيضاً إلى الاتحاد العام لمقاولات المغرب، حيث أجرى مباحثات مع نائب رئيس الاتحاد، المهدي التازي، بحضور غيثة لحلو، رئيسة اللجنة الدولية، وتم التركيز خلال هذا اللقاء على تطوير المبادلات التجارية والتعاون الاقتصادي، خصوصاً في مجالات الصناعات الغذائية والطاقة والاستثمارات ذات الإمكانيات العالية.
كما ناقش الجانبان آليات تفعيل مجلس الأعمال الثنائي مستقبلاً، بما يسمح بخلق فضاء دائم للتنسيق بين الفاعلين الاقتصاديين المغاربة والإكوادوريين.
ولا تتوقف أجندة الوزير الإكوادوري عند هذه اللقاءات فقط، إذ تشمل أيضاً اجتماعات مرتقبة مع مسؤولي ميناء طنجة المتوسط، والخطوط الجوية الملكية المغربية، والوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات، إضافة إلى فاعلين اقتصاديين ومؤسسات لوجستية وصناعية أخرى، في مؤشر واضح على الطابع الشامل والمتعدد الأبعاد لهذه الزيارة.
تكامل واضح بين المؤسسات
وتعكس هذه التحركات المتزامنة وجود تكامل واضح بين المؤسسات المغربية المختلفة تحت قيادة الدبلوماسية الملكية، من أجل بناء شراكة اقتصادية متقدمة مع الإكوادور، تتجاوز البعد السياسي التقليدي نحو مجالات الاستثمار والتجارة والنقل واللوجستيك والصناعات الاستراتيجية.
وتؤكد هذه الزيارة أيضاً أن الإكوادور باتت تنظر إلى المغرب باعتباره بوابة اقتصادية واستراتيجية نحو إفريقيا والمنطقة العربية، في وقت يسعى فيه المغرب بدوره إلى تعزيز حضوره الاقتصادي داخل أمريكا اللاتينية عبر شراكات تقوم على المصالح المتبادلة والتكامل الاقتصادي.