حاوره د. محمد المذكوري (جامعة الأوتونوما في مدريد)
ترجمة: محمد رزوقي*
فرانسيسكو أدولفو ماركوس مارين (مدريد، 20 يونيو 1946)، أستاذ وعالم لغة إسباني بالإضافة إلى كونه مواطن أمريكي. منذ سنة 2004، كان أستاذا في اللسانيات بجامعة تكساس في سان أنطونيو، وهو حاليا متقاعد شرفي في نفس الجامعة. ومن خلال خبرته الدولية، يمكن تسليط الضوء على أنه كان أستاذا ذا شهرة في جامعة روما، لاسابيينزا، وأستاذ اللسانيات العامة في جامعة الأوتونوما في مدريد وأستاذ تاريخ اللغة الإسبانية بجامعة بلد الوليد وأستاذا زائرا في العديد من الجامعات عبر العالم. وعضوا في أكاديمية أمريكا الشمالية للغة الإسبانية (2001) وبالأكاديمية الأرجنتينية للآداب (2002)، وهو بالإضافة إلى ذلك مواطن شرفي في سان أنطونيو، تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية.
هو قبل هذا وذاك باحث لغوي صاحب اكثر من 300 بحث منها ما يلي من الكتب:
الشعر السردي العربي والملحمة الإسبانية (1971) – منهج قواعد اللغة الإسبانية (1972) – اللسانيات واللغة الإسبانية (1975) – النقد اللغوي (المنهجية والتطبيق) (1977) – درس قواعد اللغة الإسبانية (1980) – الأدب الإسباني في العصور الوسطى. من الخرجة (خارتشا) إلى ألفونسو العاشر (1980) – منهجية الإسبانية كلغة لغير الناطقين بها (1983) –النقد اللغوي للنصوص الإسبانية (1983) – مقدمة في اللسانيات: تاريخ ونماذج (1990) – تحديات الإسبانية (2006) – الهيمنة واللغات في غرب البحر الأبيض المتوسط حتى بدايات اللغة الإسبانية (2023) – .
ضيفنا هذه المرة هو السيد فرانسيسكو ماركوس مارين، عالِم لسانيات إسباني عابر للحدود الوطنية، ذو مسيرة تعليمية ومهنية وبحثية بارزة، يحدِّثنا عن كتاب مهم لا يقتصر فقط على إسبانيا، بل يمتد إلى شمال إفريقيا.
فرانسيسكو ماركوس مارين (2023): “الهيمنة واللغات في غرب البحر الأبيض المتوسط حتى بدايات اللغة الإسبانية”. بلنسية: دار نشر أولتريا، الجامعة الكاثوليكية ببلنسية، معهد إيسابيل دي بيينا لدراسات القرون الوسطى وعصر النهضة.

أنتم مؤلف هذا الكتاب الذي أجرؤ على وصفه، على طريقة وسائل الإعلام، ككاسر للحواجز. هو كذلك خارج عن المألوف في الكتابات التاريخية بسبب استنتاجاته. لهذا، عند قراءة كتاب تأريخ أوروبي تقليدي يُلاحَظ انفصال معين بين شمال المضيق وجنوبه كما لو كانا يعيشان دائما ظَهرا لِظَهر، كعالَمين منفصلين غير قابلين للإتصال. ما فهمته من كتابكم هو العكس تماما. بالنسبة لي كقارئ، كانت هذه القراءة بمثابة إجابة على سؤال طرحته على نفسي في أواخر التسعينات حينما تقاسمت شقة مع طالب آخر، محمد الكبيري العلوي، الذي هو الآن عالم آثار مغربي معروف، والذي كان، من وقت لآخر، يعود محبطا إلى المنزل يشكو ويتساءل:
“لا أفهم هؤلاء [فريق البحث على ما أعتقد]: كلما عثروا على قطع خزف في جنوب المتوسط يعتبرونها من الشمال ويتم نقلها إلى هناك، لما لا يكون العكس؟”
الحقيقة هي أن كتاب “الهيمنة واللغات في غرب البحر الأبيض المتوسط حتى بدايات اللغة الإسبانية” يجيب على هذا السؤال وعلى غيره من الأسئلة، بما فيها أن الكاثوليكية دخلت إلى شبه الجزيرة الإيبيرية من شمال أفريقيا. لهذا، لكي يتم تأليف مثل هذا الكتاب، لا يكفي أن يكون الكاتب عالِم لغة، بل يجب أن يكون متعدد التخصصات وذو معرفة واسعة بتاريخ البشرية، والجغرافيا، والأنثروبولوجيا، وتاريخ الديانات، خاصة الكاثوليكية والأريسية؛ وفوق كل هذا، علم الآثار.
السؤال الأول الذي يراود اللُّغوين هو:
هل يمكنكم إخبارنا عن مسيرتكم التعليمية والمهنية والبحثية التي ساعدتكم على تأليف هذا الكتاب المتعدد التخصصات، بما في ذلك اهتمامكم باللغة العربية؟ أذكِّر أنكم أستاذ اللسانيات في إسبانيا كما في الولايات المتحدة مرورا بإيطاليا، ولستم مستعربا بالمعنى الكلاسيكي والمعياري للكلمة.
ربما ليس هناك معنى كلاسيكي ومعياري لكلمة “مستعرب”. بالإضافة إلى دورات اللغة العربية الأساسية الإجبارية ودورتين تطَوُّعِيَّتَين بكلية الآداب بجامعة الكومبلوتنسي، كانت اثنتين من دورات الدكتوراه الأربعة التي حصلت عليها باللغة العربية، واحدة في الأدب الكلاسيكي تحت إشراف مشرف أطروحتي الأولى، السيد إلياس تيريس، والثانية في الأدب المعاصر تحت إشراف السيد بيدرو مارتينيز مونتافيز.
تضمنت أطروحتي الأولى للدكتوراه، المنشورة بعنوان “الشعر السردي والملحمة الإسبانية”، ترجمتي لقصيدة طويلة والعديد من النصوص العربية. بالإضافة إلى دراسات مختلفة في تونس، ومصر، والمغرب؛ أكملت كل الدراسات العربية، بما في ذلك المستوى العالي، في الدورات المكثفة في كلية ميدلبري في الولايات المتحدة، وأكملت أيضا كل دورات اللغة العربية الفصحى (أربع دورات) واللغة العربية الفلسطينية (ست مستويات) في مركز خاص مرموق في القدس ذو اعتراف مؤسساتي في جامعات العديد من الدول، بما فيها إسبانيا، – معهد بوليس، معهد القدس للغات والعلوم الإنسانية.
لم أكن أبدا أستاذا للغة العربية، وربما هذا ما ذكَّرتُم به. قدمت بعض الدروس بشكل استثنائي، لكنني لم أرغب أبدا في تعليم اللغات للمبتدئين. كما أنني درست لغات سامية أخرى بشكل منتظم، خاصة السريانية القديمة، أو على وجه الخصوص، مثل العبرية أو الفينيقية البونيقية. وأهتم كثيرا باللسانيات السامية وأتتبع المراجع وشبكات التواصل الاجتماعي عن كثب. كما أهتم أيضا بالترجمة، بالإضافة الى أني عضو في العديد من شبكات المترجمين العرب.
أطروحتي الثانية للدكتوراه، المنجزة في عام 2023 والتي خصصت لها جزءا في الكتاب الذي نناقشه، كانت تحت اشراف المستعربة والمؤرخة الكبيرة السيدة ماريا خيسوس فيجيرا.
تحدث سابقا عن رغبة أثرية حقيقية وملموسة في كتابكم، لكن، يُلاحَظ أيضا أن هناك رؤية عالمية رمزية أو مَجازية معينة لاقتران ضفتي البحر الأبيض المتوسط في الفترة المدروسة. هل يمكنكم إخبارنا كيف توصَّلتم لفكرة استكشاف العصور القديمة والتقاطعات اللسانية للغات غرب البحر الأبيض المتوسط؟ أقول هذا لأنه يمكن وصف البحث بأنه خارج المألوف ليس فقط نتائجه ومنهجيته، بل أيضا من فكرة البحث في شيء ضروري للمعرفة البشرية لم يكن موضوع بحث بهذه الطريقة. وعليه تتمثل الأصالة في هذه الحالة في اختيار موضوع اللغات في غرب البحر الأبيض المتوسط حتى بدايات اللغة الاسبانية وعلاقات القوة فيها.
كلمة “dominio” في العنوان، معقدة في ترجمتها إلى العربية، لها معنى أوسع بكثير من “علاقات القوة”. هي أيضا علاقات مكانية. منذ بداية مسيرتي المهنية في مصر، حظيت بالعمل مع علماء الآثار، وخاصة خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، بداية في تكساس، في الفن الصخري، كعضو في ‘شوملا’ SHUMLA، وهي مؤسسة أثرية وتعليمية مرموقة؛ ثم بعدها في القدس، حيث درست الدورات الأربع لبرنامج الجغرافيا التاريخية، كما قمت بتدريب ميداني في الأرض المقدسة لأربع سنوات، من الجولان إلى النقب، مع بوليس (Polis) أيضا.
كنت مقتنعا دائما بأن علم اللغة تحسن دراسته والبحث فيه بدعم من علوم أخرى، خاصة علم الآثار والتاريخ، وما إلى ذلك. تُظهِرُ المراجعة الأثرية لشمال أفريقيا، وإن كانت موجَزة وسطحية، أهمية هذه الهيمنة الجغرافية في المجال الأمازيغي، والفينيقي-البونيقي، والروماني، قبل اندماجه في الثقافة العربية الإسلامية. كان شمال المغرب الحديث جزءا من أبرشية هسبانيا في العصر الإمبراطوري الروماني. وقد ظلت المعابر والمبادلات قائمة شمال وجنوب مضيق جبل طارق. لم تكن أبدا لا وِدِّية دائما ولا حربية دائما. هناك الكثير من الجهل وربما الكثير من الافتقار إلى الاهتمام والتعاطف في البحث في هذا الموضوع.
كيف تمكنتم من الربط بين الأطراف المتناثرة لمثل هذه المادة المشتتة وغير المتجانسة، رغم أنها متشابكة، يُنظر إليها من وجهة نظر منهجية صارمة؟ تعود بنا هذه الطريقة في البحث الى زمن كان فيه الباحث “حكيما وعالما” عبارة عن موسوعة حقيقية تتضمن، كما في هذه الحالة، معارف في علم الآثار، والأنثروبولوجيا، وعلم المناخ، وعلم اللاهوت، وتاريخ الأديان، واللغات، واللسانيات التاريخية النظرية، ناهيك عن المعاجم، والتواصل اللغوي، وثنائية اللغة وما إلى ذلك.
كان والدي، فرانسيسكو ماركوس دي لانوزا، مختصا بالهندسة ومهتما جدا باللغات والأدب والتاريخ. منذ سن مبكرة، حرص على أن أدرس اللغة الفرنسية والإنجليزية واللاتينية والألمانية، بالإضافة إلى التاريخ والرياضيات وعلم الأحياء. وعندما تبدأ بدراسة اللغات كطفل، فإنك تحمل هذا الفضول معك طوال حياتك. أنا ممتن جدا لأساتذتي في الأماكن المختلفة حيث درستُ. قائمة الأسماء طويلة وقد تفهم كغرور. دَرَّسنىي العديد من الزملاء الذين أقدرهم كثيرا، في بلدان مختلفة.
المهم، هو أنهم حفّزوا فضولي بشأن مواضيع متنوعة ومتعددة الثقافات وساعدوني بسخاء كبير من وقتهم. لا أرغب أن أبدو غير عادل في نظر مَن لن أستطيع ذكرهم؛ ولكن بما أن السؤال منهجي، يمكنني التركيز على بعض الأسماء. سبق وذَكَرت مُشرفي أطروحتيَّ للدكتوراه، الذين كانوا صارمين في البحث ومتناسقين في تقديمه بوضوح.
علمني رافائيل لابيسا العمل في علم اللغة مع الاهتمام بجميع لغات شبه الجزيرة، خاصة الإيبيرية الرومانية، وأن اعتمد على البيانات.
وقد نقَل لي بيدرو مارتينيز مونتافيز حُبَّه للثقافة العربية وحاجته إلى معرفة ما يَدرُسُه ويقترحه العرب، بعيدا عما يقوله الآخرون عنهم.
كان من حُسن حظي أن أعيش في سرقسطة مع مستعرب عظيم آخر، فيديريكو كوريينتي، والسفر معه لبضع سنوات، مما جعلني أدرك تماما الواقع اللغوي للأندلس والعديد من الإمكانيات الأخرى للبحث في اللغات السامية.
إننا نمتلك دائماً رؤية ذاتية، لهذا، ومع النسبية الحتمية، لا بد لي من الإشارة إلى أنني ادين منهجيا للنظرية التاريخية لأميريكو كاسترو فيما يتعلق بالواقع التاريخي الإسبانيا. علمني السيد أميريكو كاسترو قيمة الحدس والعلاقات المتبادلة. وكذلك ثِقل المعاناة الذي يدفع إلى اقتراحات جديدة.
لا يُقبل الرفض أبدا؛ لكن وجب التعايش معه. ليس الكل قادرا على تقبل مقترحات قد تبدو جذابة ومقنعة لِآخرين. ليس الفكر الوحيد ولا أهل الكتاب الواحد رفقاء جيدون لباحث مثل مؤلف هذا الكتاب الذي أثار هذه الأسئلة.
تحدثتم عن القبول والرفض. نعلم جميعا أن عالَم الأكاديميين يميل إلى المحافظة أكثر من التجديد، ويطرح تساؤلات كثيرة حول الابتكار. ولكم خبرة واسعة حول هذا العالَم وردود أفعاله. إلى ماذا تتطلعون من خلال هذا الكتاب بين هذين القطبين؟
سأكون راضيا إذا قُرِئ بفضول، بحثا عن الإيجابيات فيه، وعن علاقات متبادلة جديدة؛ وأن يُشجع الباحثين الشباب على عدم الاستسلام لأي شيء، ومواصلة البحث عن نهج جديدة. إذا كان هناك أي شيء نهائي، فهو قليل جدا. مازال الكثير للقيام به، هناك مقاربات ومنهجيات جديدة تستند إلى الوصول إلى البيانات بشكل لم يسبق له مثيل.
إنني على دراية تامة بأنه كما قمت بعدة تعديلات في استنتاجاتي وتوجهاتي السابقة، فإن العديد من البيانات والمقترحات في هذا الكتاب تستحق التحسين. إنه كتاب مركب من عدة معارف. وسيكون مفيدا بإظهار أن تاريخ إسبانيا يمكن أن يُفهَم، ربما بشكل أفضل، من الجنوب إلى الشمال، وأن الأساليب الجديدة تجبرنا، في كل الأحوال، على تعميق الدراسة أكثر.
أن نقول، مثلا، بأن اللغة الباسكية التي نعرفها في فرنسا وإسبانيا ليست لغة ما قبل الرومان، إنما هي لغة ما بعد القرن الخامس، يُجبرنا على دراسة اللغات التي تم التحدث بها في الأراضي التي أطلق عليها بليني والجغرافيين اللاتينيين اسم الفاسكون. وافتراض انتقال اللاتينية أو العربية الكلاسيكية بكمية مَقطعية إلى اللغات الرومانسية البدائية والعربية الأندلسية [….] يرتبط بإعادة هيكلة علم الأصوات التاريخي، وهي خطوة بدأها العلامة إميليو ألاركوس، ولم يُكملها. فهم أن مُعلمينا (بما فيهم محمود علي مكّي) فتحوا مسارات لم تُسد، بل لا تزال مفتوحة لتحقيق إنجازات جديدة، لابد أن يكون، بالنسبة الباحث في العلوم الإنسانية أو أي عالم أو باحث آخر، محفزا بشكل كبير.
* المترجم محمد رزوقي: طالب باحث في سلك الدكتوراه، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء.