بقلم عبد الرحمان بلعياشي
البداية، مفهوم يثير الكثير من المخاوف والتخوفات. البداية تعني القيام بأول خطوة ولا نعرف بالطبع إلى ما توصلنا إليه وإلى أين تقودنا. لكنها ضرورية وحتمية. إذ لا وجود للخطوات بدون أول خطوة. هي إذن البداية ، قد تكون قصيرة أو مختصرة أو طويلة وممددة في الزمان، حسب الظروف والسياق والموضوع. تحمل في طياتها الكثير من التوجس ولكن في نفس الوقت، ربما ليس عند الجميع، بعض الأمل والفضول والتطلع إلى استكمال باقي الخطوات. هذا يتطلب بطبيعة الحال جرعة زائدة من الشجاعة والمغامرة والثقة في النفس. قد تتعثر، لأن البداية قد تكون لها أوجه متعددة فتصبح بدايات؛ قد تشبه المخاض، يطول أو يقصر أو يحدث فيه ارتباك، فيحتاج عناية معينة أو تدخلا عاجلا. قد تتردد، وهذه علامة جيدة، التردد يحيل على التفكير والإصرار، علامة على الرغبة في المضي قدما لتجاوز صعوبات البداية. التردد هو بداية الطريق لإزالة الشكوك التي تحوم حول البداية. هو صراع بين طرفي المعادلة، طرفان نقيضان لا بد لأحدهما أن يتفوق أو يستسلم.
البداية تعني مواجهة تحدي “أول مرة”، ذلك أن المرة الأولى قد تحمل في طياتها ألغازا، وتفترض مفاجآت قد تؤدي إلى اليأس أو الإحباط أو حتى إلى الشفقة. لكنها في المقابل، قد تحمل معها الفرح والأمل أو حتى الغبطة والحسد. المرة الأولى تستفز وتستنفر وتوقظ حواسنا وتزيد من حماسنا وتغذي فضولنا، فنتطلع لأن نعرف أكثر ونستكشف أكثر.
كلنا نتوق لأن نسمع حكايات المرة الأولى، لنستكشف أسرارها ووسائل تحقيقها أو القيام بها، والخطوات التي ساعدت على ذلك. وبعد هذا تبدو باقي الأمور غاية في البساطة، وينتهي الفضول وتستمر الخطوات في التعاقب لتضمن استمرارا لا ينضب ولا يعرف التوقف. المرة الأولى تفتح الآفاق وتضع حدا للتردد والشك وتقضي على الإنتظارية القاتلة. تيسر التقدم نحو الأمام والخروج من منطقة الجمود والركوض واللاحركة. تضعنا في سكة الحركة والانتقال والتحول والتقدم، تضعنا بكل بساطة في سكة الحياة.
من منا لم يعش أحاسيس المرة الأولى! من منا لم يستشعر التغييرات التي أحدثتها على حياتنا! من منا لم يتلمس آثارها علينا! كثيرة هي هذه الأحاسيس والمشاعر التي غمرتنا على إثرها رغم أننا لا نتذكرها كلها، أو أن ذكراها مبهمة وغامضة وغير محددة أو هامدة وراكضة مؤقتا، لكنها مع ذلك تترك في ذاكرتنا بريقا سيظل يلازمنا وستظل حكايته لصيقة بأذهاننا للأبد. ولاشك أن تأثير وأثر تجارب المرة الأولى، نستشعرها مع توالي الزمن ومرور الوقت. الزمن هو وحده الكفيل لإعادة الإعتبار إليها وإعادتها إلى الواجهة، لتكون درسا وعبرة للآخر والمنارة التي يستنير بها عندما تبدو الأمور أمامه غير واضحة المعالم.
بصفة عامة، لكل حكاية بداية أو بدايات، وحتى القصص الكبرى والناجحة، التي أصبحت فيما بعد نموذجا للكثيرين، تتوفر على أول مرة. المرات الأولى نحن من نفتعلها، نحن من نحدثها، نحن من نتلقاها، نحن من نعاينها، نحن من نحس بها ونعيشها، نحن من نعطيها ونهديها أو نأخذها ونتلقاها. لهذا فهي منا وإلينا. تنطلق منا ومن عندنا نحن، في اتجاه الآخر، أفرادا أو جماعات، لكن ما فتئت أن تعود إلينا ونحونا.
من هذا المنطلق، فإن المرة الأولى ستظل محفورة في ذاكرتنا ومنقوشة فيها إلى الأبد. وتعتبر مرجعا لكل ما قد نعيشه لاحقا من أحاسيس وأحداث.
المرات الأولى تبقى مميزة ومختلفة. تعبر عن تقدم ما في الحياة وفي التجربة وفي المسار والتعلم. تأخذنا من الزاوية المريحة التي ألفناها، رغم كل مزاياها ونواقصها، إلى زاوية تتسم أحيانا بالأمل والكثير من التطلعات ومن الوعود والتفاؤل والرضا أو حتى السعادة. وفي مرات أخرى، قد تغمرنا بأحاسيس وانطباعات يسودها الشك والريبة والتساؤل والحيرة والتخوف والتردد والإحباط أو لربما اليأس أيضا، حسب الحالات والظروف والملابسات، آخذين بعين الإعتبار إن كانت أول تجربة من مبادرتنا الخاصة، أو هي فرضت علينا أو وجدنا أنفسنا وسطها بمحض الصدفة.
لهذا يجب أن نتحلى بالشجاعة الكافية ونتذكر ونحكي كيف كانت بدايات مبادراتنا، ونسرد كيف كانت بدايات ترجمة ما كان مجرد فكرة أو حلم بسيط، إلى أرض الواقع. لا مانع من سرد تفاصيل البدايات لأن هذا يساعد على تقييم الجهود وتثمين المغامرة من بدايتها. لا ينقص ذلك أبدا من شخصنا ولا ينال من مبادراتنا وأفكارنا، حتى لو عرفت تعثرا أو بداية حرجة أو حتى فشلا. ستكون لا محالة ذات إفادة للآخرين، وربما تلهمهم أو تجنبهم الوقوع في الأخطاء أو تحثهم على ركوب أمواج تحدي البدايات.
لدينا نحن بني البشر متطلبات متنوعة بيولوجية وطبيعية تطفو في وقت من الأوقات، أحيانا دون سابق إنذار، ولا يمكن حبسها أو تكبيلها وكبتها، لأنها حتمية، لأن وقتها قد حان. وأي محاولة لمقاومتها أو رفضها قد تكون لها انعكاسات سلبية على التطور الطبيعي والسير العادي والطبيعي لحياتنا وعلى تكوين شخصيتنا. والشيء نفسه ينطبق على مبادراتنا وأفكارنا وأحلامنا. يجب أن تنطلق وتتخلص من القيود، خاصة من قيود البداية وأغلال الإنطلاقة التي تنتج عن الخوف أو الشك أو من بعض الأفكار الجاهزة وغيرها.
إن خطوة الألف ميل لا بد لها من أول خطوة، لا بد لها من أول مرة، بكل ما تحمله من توجسات وآمال وأحلام. هذه المرة الأولى ستقودك إن آمنت بها حقا، لتكتشف حجم إمكانياتك وقدراتك. ستقودك لتجاوز الحدود وعبور القارات، وستستثمر كل طاقاتك ومؤهلاتك والإمكانات التي توفرها لك الحياة والخيارات التي تضعها أمامك، ومواجهة التحديات التي تنتظرك، من أجل أن تستغل الفرص المتاحة والتي وضعتها رهن إشارتك هذه المرة الأولى بكل تلقائية وسخاء. من يحب أن يستمتع بالبحار، عليه أن يركب أمواجها بكل جرأة وشجاعة، آنذاك سيجد نفسه يبحر في كل العوالم وبأبعادها الثلاثية.
