احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز -جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس-، يوم الأربعاء 20 ماي 2026، محاضرة بعنوان “مستقبل ترجمات القرآن في عصر الذكاء الاصطناعي”، ألقاها الأستاذ والمترجم محمد برادة.
عرف هذا اللقاء الثقافي مشاركة عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز، محمد مبتسم؛ ومدير معهد سرفانتس بفاس، أوسكار بويول ريمباو؛ ومدير مختبر “الثقافات والتمثلات والجماليات والديداكتيك وهندسة التكوين” (CREDIF)، شكيب التازي؛ والأستاذ محمد الشاربي، الذي أشرف على تسيير هذه الجلسة العلمية.

خلال هذه المحاضرة، المنظمة من طرف معهد سرفانتس بفاس ومختبر CREDIF، تناول الدكتور محمد برادة تأثير الذكاء الاصطناعي على ترجمة القرآن الكريم، مستكشفًا إمكانيات وحدود الذكاء الاصطناعي في نقل النصوص الدينية. كما تطرق إلى موضوع موثوقية الترجمات الآلية، ومخاطر تجريد النص من سياقه الأصلي وأيضا العلاقة بين التكنولوجيا والتفسير.
حسب الأستاذ محمد برادة، “يؤثر الذكاء الاصطناعي على مجالات كثيرة، من بينها التعليم والطب والتواصل والأدب، وخاصة الترجمة. وتُترجم النصوص الدينية، بما فيها القرآن الكريم، حاليًا بالاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي”.

وأوضح أيضًا أن الذكاء الاصطناعي “يُمكن الباحثين من مقارنة الترجمات المختلفة للقرآن الكريم، وتحليل المفردات، والوصول بسهولة أكبر إلى التفاسير الكلاسيكية”.
وفي حديثه عن سلبيات الذكاء الاصطناعي، أكد المترجم محمد برادة أن “أنظمة الذكاء الاصطناعي تفتقر إلى الفهم الروحي والإيمان والإحساس الثقافي. كما أنها قد تترجم بشكل خاطئ مجموعة من الاستعارات والرموز والمفاهيم الدينية”.
وأضاف: “قد تُنتج الترجمات المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي أخطاءً أو تبسيطات مُفرطة تُغيّر معنى آيات القرآن الكريم”.

وأشار أيضًا إلى أنه “في ظلّ هذا التقدم المُطلق، تكمن بعض مخاطر الذكاء الاصطناعي في تقويض البُعد الروحي والنقدي للإنسان، حيث يتم استبدال الإنسان المُفكّر بكائن مُستهلك مرتبط بشكل دائم، ولكنه فارغ داخليا”.
“يميل الذكاء الاصطناعي إلى إزاحة الإنسان العاقل نحو حالة ما بعد إنسانية، حيث يتوقف الوعي عن كونه مساحة للبحث عن الحقيقة، ويُصبح مُجرد آلية للإنتاج والاستهلاك والخضوع للسلطة الخوارزمية”، يضيف.
وفي نفس السياق، أكد المترجم محمد برادة “أننا لا نشهد فقط زوال الجغرافيا، التي تذوب بفعل الواقع الافتراضي والسرعة التكنولوجية، بل نشهد أيضًا نهاية الإنسان الناقص: الهش، الفاني، المُفكّر، والذي تسيطر عليه الرغبة. وبدلاً من ذلك، ينشأ وهم “الكائن الكامل”، وهو كيان أشبه بالآلة بحيث لا يمرض، ولا يشيخ، ولا يعرف الحزن ولا الموت، ولديه رؤية أكثر حدةً من الحيوانات، وقدرة هائلة على الاستماع تتجاوز حدود الطبيعة”.
ويرى الأستاذ برادة أن “القرآن الكريم ليس مجرد معنى حرفي، بل هو أيضاً عمق لغوي (العربية الفصحى)، ومستويات متعددة من التأويل، وبُعد روحي ورمزي”.

وأوضح قائلاً: “تتميز اللغة العربية القرآنية بثراءٍ في المعاني يصعب إيجاده في اللغات الرومانسية، حيث غالباً ما تتطلب الكلمة العربية الواحدة شرحاً مطولاً، كما أشار خوان فيرنيت”.
وتابع: “لذا، تتطلب ترجمة القرآن الكريم معرفةً عميقةً باللغة العربية الفصحى، وإتقاناً للسياق القانوني والروحي والفلسفي، فضلاً عن التقوى والأخلاق والمسؤولية الأخلاقية. يحتاج مترجم القرآن الكريم إلى الاجتهاد والفطنة والحذر والتبصر في عمله؛ بالإضافة إلى القدرة الفكرية، يحتاج مترجم القرآن الكريم إلى التروي والتأني”.
“لم تعد الكلمات مجرد أدوات لنقل المعنى اللغوي، بل تحمل قيمة مضافة، إيجابية كانت أم سلبية. وتعتمد هذه القيمة على إيمان أو عدم إيمان المترجم (الذكاء الاصطناعي)، وعلى إطاره الأيديولوجي والغرض العملي من الترجمة”، يؤكد.

وأشار أيضًا إلى أن “القدرة الهائلة على مقارنة المعاني وتقريبها من خلال تفسيرات متعددة تُمكّننا من وضع معايير للاختيار والتحسين في عمليات الترجمة؛ أي أن ما يُتفق عليه في الترجمة سيكون الأساس الأمثل، وفقًا لمعايير مستمدة من مجالات متنوعة، بعضها يتعلق بالنص القرآني، وبعضها الآخر باللغات، وأيضا بالمعرفة الإنسانية بأبعادها العلمية والأدبية واللغوية”.
وفي نفس الإطار، أشار إلى أن “الترجمة تعتمد على التفاسير المتاحة رقميًا، ما يعني أنها ستعتمد على مستوى إثراء النص بالمراجع؛ أي أن ما تم تخزينه رقميًا هو ما سيتحكم في الترجمة”.
وتابع قائلًا: “دقة المصطلح القرآني ومدى قربه أو بعده عن اللغة العربية يحددان الترجمة؛ أي أن الأخطاء المتراكمة ستتضاعف”.

وفي الختام، عرض الأستاذ محمد برادة النتائج التالية:
– “الاسترجاع الآلي للمعلومات: تستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من النصوص. وفي حالات نادرة، قد تخلط بين آيات متشابهة أو تُنتج إجابات تقريبية بدلًا من اقتباس حرفي ودقيق للنص الأصلي”.
– “الترجمات والتفسيرات غير الدقيقة: عند إعادة صياغة الآيات أو ترجمتها، قد تفقد أنظمة الذكاء الاصطناعي دلالات دقيقة مهمة أو تختار كلمات غير مناسبة، ما يُغيّر في بعض الحالات المعنى الأصلي للنص المقدس”.
– “محدودية نماذج التعلم: على عكس الدارسين والأكاديميين، لا يمتلك الذكاء الاصطناعي فهمًا روحيًا (للنص القرآني). يعتمد عمله على نماذج رياضية وتحليلات إحصائية، ورغم تطورها الكبير، إلا أنها لا ترقى إلى مستوى العمق التفسيري الذي يوفره التراث الإنساني المتشكل عبر قرون من الفكر الإسلامي”.
– “جودة قواعد البيانات: عندما تكون مجموعات البيانات المستخدمة من طرف الذكاء الاصطناعي غير مكتملة أو تحتوي على أخطاء، تنعكس هذه النواقص مباشرةً على الأجوبة المُقدمة. علاوة على ذلك، قد تعتمد بعض المنصات على مصادر غير مؤكدة، مما يزيد من خطر عدم الدقة والنتائج غير الموثوقة”.
تجدر الإشارة إلى أن المحاضرة الأولى للأستاذ محمد برادة حول “ترجمات القرآن خلال القرن الحادي والعشرين” قد تم تنظيمها في 4 نونبر 2025، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز.
د. محمد برادة

محمد برادة (1970، مكناس، المغرب) حاصل على درجة الدكتوراه في اللسانيات من جامعة مدريد المستقلة.
وهو أستاذ بشعبة الدراسات الإسبانية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز، فاس. ويعتبر باحث نشيط في مجال اللسانيات والترجمة.
وهو أيضا عضوٌ في مختبر “الثقافات والتمثلات والجماليات والديداكتيك وهندسة التكوين” (CREDIF) في نفس الكلية.
ألّف العديد من الكتب والمقالات العلمية. كما شارك في العديد من المؤتمرات الوطنية والدولية، وألقى محاضرات رئيسية في العديد من المؤسسات والجامعات.
من أبرز كتبه، نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي: “صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الدراسات الإسبانية: المرآة ومكر الصورة”. كما شارك في تأليف كتاب “الخيار النقض- كولونيالي: من الحداثة إلى الحداثة العابرة، ومن الأحادية الكونية إلى تعدد العوالم والثقافات”.
فيما يتعلق بالترجمات التي أنجزها، نذكر على سبيل المثال الأعمال التالية: ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الإسبانية (مع لورا سيتو وأنس كيفيدو) وترجمة رواية “وادي الدماء” لعبد المجيد بنجلون إلى اللغة الإسبانية (مع سيليا تييث).
تجدر الإشارة أيضًا إلى أن الدكتور محمد برادة فاز بجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي عام 2023 من خلال ترجمته من الإسبانية إلى العربية، رفقة الدكتورة نادية لعشيري، لكتاب “الأدب السري لمسلمي إسبانيا الأواخر” للكاتبة لوسي لوبيز-بارالت.