20 يونيو 2026 / 07:48

بيت الصحافة

احترام الوقت.. قيمة أخلاقية قبل أن يكون إجراءً إداريًا

Mares30 - 2 فبراير 2026

د. محمد المذكوري*

لا تُقاس مصداقية الأفراد والمؤسسات بكثرة الوعود التي يطلقونها، بل بمدى التزامهم بها، ولا يظهر احترام الإنسان لغيره في الخطابات الرنانة، بل في تفاصيل تبدو بسيطة، من بينها احترام الوقت والوفاء بالاتفاقات المهنية.

 

في واقعة عابرة لكنها دالة، تعاقد مسؤول عربي من دولة عربية مع مترجم إسباني لتأمين التواصل خلال لقاء رسمي مع مسؤولي وزارة البيئة. تم الاتفاق مسبقًا، وحدد الموعد، وبُني الالتزام على أساس الثقة المهنية. وقبيل اللقاء، اتصل المترجم للاستفسار عن مكان انعقاده، فجاءه الجواب بأن اللقاء قد أُجِّل. لا إشعار مسبق، ولا توضيح سابق، ولا اعتبار لما رتبه الطرف الآخر من وقت والتزامات.

 

قد يرى البعض في الأمر مسألة إجرائية بسيطة، لكن في العمق نحن أمام إشكال ثقافي وأخلاقي يتجاوز هذه الحادثة الفردية. فعدم احترام الوقت، أو إلغاء الالتزامات دون إخطار مسبق، هو في جوهره شكل من أشكال الاستهانة بالآخر، وبالجهد الذي بذله، وبالذمة المهنية التي ربطت الطرفين.

 

في السياقات المهنية الدولية، يُنظر إلى الوقت بوصفه التزامًا أخلاقيًا قبل أن يكون بندًا في عقد. المترجم، كما غيره من المهنيين، لا يقدّم مجرد خدمة تقنية، بل يضع خبرته ووقته رهن اتفاق واضح، ويبني عليه ترتيبات أخرى قد يضطر لإلغائها. وعندما يُفاجأ بتغيير أو تأجيل دون احترام قواعد التواصل، فإن الرسالة التي تصله — وإن لم تُقصد — هي أن وقته أقل قيمة.

 

الأخطر من ذلك أن مثل هذه السلوكيات، حين تصدر عن مسؤولين، لا تُحسب على أصحابها فقط، بل تنعكس على صورة المؤسسات والدول التي يمثلونها. فالمهنية لا تتجزأ، والالتزام لا يُعلّق عند أول طارئ، بل يُدار بالتواصل والاحترام والوضوح.

 

في ثقافتنا العربية، للوفاء بالعهود مكانة مركزية، وهو مبدأ أخلاقي وديني قبل أن يكون عرفًا اجتماعيًا. غير أن الممارسة اليومية كثيرًا ما تناقض هذا الخطاب، فنطالب بالاحترام ولا نمارسه، ونتحدث عن القيم بينما نُفرّط فيها في أبسط التفاصيل.

 

إن احترام الوقت، والالتزام بالكلمة، وإشعار المتعاقدين بأي تغيير في حينه، ليست شكليات بروتوكولية، بل مؤشرات على نضج المؤسسات، وعلى وعي المسؤولين بأنهم يتعاملون مع بشر، لا مع أدوات يمكن استدعاؤها أو صرفها بلا اعتبار.

 

ربما آن الأوان لأن نُعيد الاعتبار لثقافة الالتزام، لا عبر الشعارات، بل عبر الممارسة اليومية. فالدول تُقاس أيضًا بطريقة تعامل مسؤوليها مع التفاصيل الصغيرة، لأن فيها تنعكس القيم الكبرى.

 

*رئيس جمعية المترجمين، والمترجمين الفوريين، والمكوّنين، ومهنيّي الترجمة والترجمة الفورية في الخدمات العمومية. 

 

التصنيف : آراء مجتمع