سجّلت إسبانيا تراجعاً في عدد حالات الوفاة بسبب الانتحار للسنة الثانية على التوالي، وفق المعطيات النهائية التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء الإسباني حول وفيات سنة 2024، في مؤشر إيجابي يعكس بداية تحوّل في هذا الملف الحساس، رغم استمرار اعتباره من أولويات الصحة العمومية في البلاد.
وبحسب الأرقام الرسمية، تم تسجيل 3.953 حالة وفاة نتيجة الانتحار خلال سنة 2024، أي بانخفاض قدره 163 حالة مقارنة بسنة 2023 التي عرفت 4.116 حالة، ما يؤكد استمرارية المنحى التنازلي الذي بدأ خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي هذا التطور في سياق تعزيز السياسات العمومية الوقائية، حيث خصصت وزارة الصحة الإسبانية خلال سنة 2025 ميزانية قدرها 17,83 مليون يورو لتنفيذ خطة العمل للوقاية من الانتحار 2025–2027، وهو ما أتاح إطلاق 122 مبادرة وبرنامجاً وقائياً عبر مختلف مناطق البلاد.
الملف الديموغرافي والاجتماعي
تكشف المعطيات الديموغرافية عن تفاوتات واضحة، إذ يظل الرجال الأكثر عرضة لخطر الانتحار، حيث يمثلون 73,4 في المائة من مجموع الحالات، بما يعادل 2.902 حالة، مقابل 1.051 حالة لدى النساء. ويبلغ معدل الانتحار لدى الرجال 12,1 حالة لكل 100 ألف نسمة، مقابل 4,2 لدى النساء، ما يفرض إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات الوقائية، خاصة عبر مواجهة العزلة الاجتماعية والصور النمطية التي تعيق التعبير عن المعاناة النفسية وطلب الدعم.
وتشير الأرقام أيضاً إلى أن الفئات العمرية المتقدمة تسجل أعلى معدلات الخطر، خصوصاً لدى الرجال الذين تفوق أعمارهم 85 سنة، حيث يتجاوز المعدل 40,2 حالة لكل 100 ألف نسمة، أي ما يعادل خمسة أضعاف المعدل الوطني، وهو رقم أعلى من المسجل سنة 2023، ويعكس هشاشة هذه الفئة المرتبطة بالعزلة، والأمراض المزمنة، وفقدان شبكات الدعم الأسري والاجتماعي.
أما في صفوف الأطفال والشباب، فقد تراجع العدد الإجمالي لحالات الانتحار لدى من هم دون 30 سنة من 364 حالة سنة 2023 إلى 344 حالة سنة 2024، غير أن المعطيات تسجل في المقابل ارتفاعاً مقلقاً في عدد الحالات لدى القاصرين دون 20 سنة، حيث ارتفع العدد من 76 إلى 90 حالة.
العوامل الاجتماعية والاقتصادية
تؤكد المعطيات الرسمية أن الانتحار ظاهرة متعددة الأسباب، لا يمكن تفسيرها فقط من منظور صحي أو نفسي، إذ تلعب العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية دوراً حاسماً في تحديد مستوى الخطر. وتُعد الهشاشة الاقتصادية، وعدم الاستقرار المهني، وانعدام الأمان الاجتماعي من أبرز محددات الخطر، لما تسببه من ضغط نفسي وشعور بفقدان السيطرة على المستقبل.
ويرتبط البطالة طويلة الأمد، والعمل الهش أو ضعيف الأجر، بارتفاع معدلات الانتحار، ليس فقط بسبب ضعف الدخل، بل أيضاً لما يخلّفه ذلك من تآكل للهوية الشخصية والإحساس بعدم الجدوى الاجتماعية. كما تشير الأرقام إلى أن 25,8 في المائة من سكان إسبانيا يوجدون في وضعية خطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي، في سياق تعتمد فيه شريحة واسعة من السكان اقتصادياً على الغير.
وتبرز كذلك إشكالية التفاوتات البنيوية بين الفئات الاجتماعية، وما يرافقها من اختلاف في الولوج إلى الموارد والخدمات، إضافة إلى العبء الاقتصادي المتزايد داخل الأسر لتغطية الحاجيات الأساسية من غذاء وطاقة ونقل، وهو ما يولد ضغطاً نفسياً خاصاً لدى الأسر أحادية العائل والشباب.
ورغم المؤشرات الإيجابية المسجلة، تؤكد السلطات الصحية الإسبانية أن استمرار هذا التراجع رهين بتعزيز السياسات الوقائية، وتوسيع شبكات الدعم النفسي والاجتماعي، والتعامل مع الانتحار كقضية مجتمعية شاملة تتجاوز المقاربة الصحية الضيقة