20 يونيو 2026 / 03:06

بيت الصحافة

إسبانيا تستثمر في المامونية.. بعيدا عن الضجيج السياسي والصحافي

مارس 30 - 17 نوفمبر 2025

توفيق سليماني*

ليست صفقةُ استحواذِ شركة ثيرسا CIRSA على 50% من الكازينو الكبير لفندق المامونية مجرّد عملية مالية، بل رسالة سياسية–اقتصادية عميقة تكشف حجم التشابك الاستراتيجي بين المغرب وإسبانيا في لحظة مفصلية يستعد فيها البلدان، إلى جانب البرتغال، لتنظيم كأس العالم 2030. في قلب هذا السياق، يأتي دخول شركة إسبانية إلى أحد أبرز رموز الفخامة المغربية ليعكس مستوى الثقة المتبادلة بين ضفتي المتوسط، بعيدًا عن ضجيج بعض الأطراف السياسية والصحافية في إسبانيا التي تتغذّى على “موضوع المغرب – el tema de Marruecos”، لكن عبر التركيز الدائم على ما هو سلبي (maximizar lo negativo) وإهمال ما هو إيجابي (minimizar lo positivo)، بل واختراع ما هو سلبي إن غاب. وبما أن الحديث بسوء عن المغرب يبيع ويجلب التفاعلات، فسيظل البعض يحرص على استمراره.

بدأت شركة CIRSA الإسبانية دخولها إلى السوق المغربي سنة 2016 عبر اقتناء كازينو Le Mirage في مدينة أكادير، قبل أن توسّع نشاطها لاحقاً بشراء Casino Atlantic في المدينة نفسها. ويبلغ مجموع حضور الشركة اليوم في أكادير ثلاثة كازينوهات تضم 404 آلات لعب و49 طاولة، وتسجّل نحو 494 ألف زيارة سنوياً، وتشغّل ما مجموعه 522 موظفاً. وبعد نحو تسع سنوات من انطلاق عملياتها في المغرب، انتقلت CIRSA إلى مرحلة جديدة بشراء 50% من كازينو فندق المامونية في مراكش.

هذه الشركة هي جزء من الكل. إسبانيا، التي تُعد الشريك الاقتصادي الأول للمغرب بلا منازع، ليست جديدة على الاستثمار داخل المملكة. فهناك أكثر من ألف شركة إسبانية تنشط بشكل مباشر في السوق المغربية، إلى جانب نحو 20 ألف شركة تربطها علاقات اقتصادية بالمغرب عبر الاستثمار أو التصدير أو الشراكات مع فاعلين مغاربة. هذا الحجم الكبير من الروابط يجعل من المغرب امتدادًا طبيعيًا للنسيج الإنتاجي الإسباني، ويحوّل إسبانيا تدريجيًا إلى فاعل رئيسي داخل قطاعات مغربية أساسية. ومع الاعتراف الدولي المتزايد بمغربية الصحراء، ودعم مدريد لمبادرة الحكم الذاتي، ومع الأخذ بعين الاعتبار القرار الأممي الأخير، تبدو آفاق تطور هذه الاستثمارات واتساعها في الأقاليم الجنوبية أكثر واقعية من أي وقت مضى.

وقد فازت شركات إسبانية خلال السنوات الأخيرة بصفقات كبرى في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل الحضري، بل إن قطاع الحافلات في الدار البيضاء – وهو الأكبر في المغرب – يُدار فعليًا من طرف شركة إسبانية في نموذج تعاون ناجح يجمع بين الخبرة الأوروبية والحاجات المحلية. وأحيانًا، عندما أستعمل هذه الحافلات في مدينة المحمدية، أستطيع القول إنها مريحة، وإن كان الإنسان يطمح دائمًا إلى الأفضل.

في هذا الإطار الواسع من العلاقات المتشابكة، تكتسب صفقة المامونية قيمة رمزية مضاعفة. فالمامونية ليست فندقًا عاديًا، بل معلمة فريدة تختصر صورة المغرب كوجهة عالمية تجمع بين الأصالة والفخامة. دخول شركة إسبانية إلى هذا الفضاء الأسطوري يعني اعترافًا صريحًا بوزن المغرب في خارطة السياحة الدولية، كما يعني تموقعًا استراتيجيًا داخل قطاع يتجه نحو توسع أكبر مع اقتراب كأس العالم 2030.

ويكفي التذكير بأن فندق المامونية يحمل اسم الأمير مولاي المأمون، الابن الرابع للسلطان سيدي محمد بن عبد الله. ففي القرن الثامن عشر، وهب السلطان هذه الأرض لابنه كهدية زواج، فحوّلها الأمير إلى حديقة أصبحت تُعرف بـ“حدائق المامون”، وهي التي بُني عليها الفندق لاحقًا، وفق ما تذكره العديد من المصادر التاريخية.

إنها صفقة تحمل في جوهرها سؤالًا أكبر: هل نعيش بداية مرحلة جديدة ترتقي فيها الشراكة المغربية–الإسبانية من التعاون الاقتصادي التقليدي إلى تملكٍ مشترك لرموز وثروات فاخرة تُشكّل واجهة المملكة أمام العالم؟

———

* صحافي متخصص في العلاقات المغربية الإسبانية

التصنيف : آراء