حاورها د. محمد المذكوري (جامعة الأوتونوما في مدريد)
ترجمة: محمد رزوقي*
سوسان بلان، دكتورة في اللسانيات والأدب الروماني، جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس (1975).
ارتكز بحث الأستاذة سوسان بلان على تجارب الشباب المغاربة الذين يهاجرون إلى إسبانيا كقاصرين غير مصحوبين. في البداية تلقت بلان تكوينا في اللسانيات النظرية، وخلال مسيرتها استكشفت أيضًا مجالات أخرى مثل اللسانيات الإسبانية، واللسانيات التطبيقية، واكتساب لغات أخرى، والعلاقة بين اكتساب لغات أخرى وعلم تدريس اللغة.
قادها تكوينها في اللسانيات إلى الإهتمام بمجتمعات الأقليات اللغوية وإلى نشر منشورات عن مجتمع الصم في إسبانيا، الذي تعتبره أقلية ثقافية ولغوية، وعن المجتمع الناطق باللغة العربية في إسبانيا.
بالإضافة إلى دراسات تشيكانو وأمريكا الوسطى، بلان هي أيضا عضو في قسم اللغة الإسبانية والبرتغالية في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس.
“حرق المضيق.. قصص مصورة لطفل مهاجر مغربي”

تم بناء هذه القصة المثيرة للإهتمام حول القاصرين المغاربة غير المصحوبين في إسبانيا، من منظور كوني، بما يتناسب مع أحد أكثر المواضيع إثارة للمناقشة في أحد المحاور المثيرة للجدل بين الجنوب العالمي والشمال العالمي، وهو الهجرة. قامت سوسان بلان (مؤلفة) إلى جانب أرييل ياكسي (رسام كاريكاتير) بتشكيل خطاب روائي ورمزي حول طفل قاصر يهاجر من الجنوب إلى الشمال، من المغرب إلى إسبانيا.

سنحاول، من خلال الأسئلة التالية التي نوجهها إلى المؤلفة، أن نعرف المزيد عن التمثلات والتخيلات المتبادلة لهذا العالم الصغير، إسبانيا والمغرب، باعتباره تمثلا محددا للعلاقات المرتبطة بالهجرة بين الشمال العالمي والجنوب العالمي.
1) كيف جاءت فكرة نشر هذا الكتاب الموسوم بـ”حرق المضيق. مذكرات مصورة لطفل مغربي مهاجر”؟
قبل أن أكتب كتاب “حرق المضيق”، كنت قد كتبت من قبل كتابًا أكاديميًا عن المغاربة الذين هاجروا بمفردهم إلى إسبانيا وهم قاصرون. كنت مهتمة بالموضوع منذ البداية، الذي لم يكن بعد قد أصبح شيئًا “طبيعيًا” (أو مألوفا) عندما بدأت بحثي. فقد أدركت على الفور أنني يجب علي أن أكتب كتابًا حول هذه الظاهرة، والتي قمت بالبحث حولها لمدة ست سنوات. قمت بإجراء مقابلات مع سبع وعشرين شابًا عاشوا هذه التجربة، معظمهم في مدريد، بالإضافة إلى عدد قليل من الذين لم ينجحوا في إسبانيا وعادوا إلى طنجة.
لقد كانت دراسة مطولة، قمت فيها بمتابعة نفس الرواة القاصرين وإجراء مقابلات معهم كل عامين، ورؤية نجاحاتهم أحيانا وهزائمهم أحيانا أخرى في تجربة الهجرة.
عندما أكملت الكتاب، اعتقدت بأنه قد لا يحظى بالإنتشار الذي كنت أتمنى، نظرا لقِلَّة من يقرأ الكتب الأكاديمية. ومن هنا جاءتني فكرة كتابة رواية مصورة، وهي كتاب يمكن لجمهور أوسع الإستمتاع به والتعلم منه. وخاصة أنني كتبت هذه الرواية المصورة وأنا أفكر في الشباب الذين أجريت معهم المقابلات، لأنه على الرغم من أنه عمل خيالي، إلا أن في جوهره يمثل قصتهم.
2) لماذا رواية مصورة بدلا من رواية عادية؟
الحقيقة هي أن عددا قليلا من الناس يقرؤون الروايات العادية. يقال عن شباب اليوم أنهم في وضع “ما بعد الأمية”: فهم لا يحبون القراءة كثيرا، ولكنهم ينجذبون أكثر إلى الوسائط المرئية. ولهذا بدا لي أنه بالنسبة للعديد من القراء، ستكون الرواية المصورة هي الأكثر جاذبية والأكثر سهولة في الوصول إليها.
واخترت أيضا أن أكتب رواية مصورة لأنني شغوفة بهذا النوع. بالإضافة إلى ذلك، وعلى حد علمي، لم يتم إلى حد الآن نشر أي عمل حول موضوع المهاجرين القاصرين على هذا النحو، وخاصة من وجهة نظر مهاجر مغربي قاصر، طفل ينتقد المجتمع المغربي و كذلك المجتمع الإسباني.
وأنا أحب أن تقوم دار نشر “ديوان ميريث” (Diwan Mayrit) بنشر نسخة من كتاب “حرق المضيق” باللغة الإسبانية، لأن القصة يجب أن تكون معروفة في إسبانيا، حيث سيتم توزيعها بشكل أكبر باللغة الإسبانية. وسأكون قادرة أيضًا على مشاركة الرواية مع نفس الشباب الذين قابلتهم، والذين شاركوني حياتهم وأخبروني عنها بكل صبر وحسن نية.
3) يمكننا أن نرى، من خلال قراءة هذا العمل، أن الصور التي تعكس المدينة المغربية ما قبل الاستعمار هي صور واقعية. كيف نشأت هذه الواقعية؟
لقد عشت لفترة طويلة في مدريد، وأمضيت أيضًا بعض الوقت في المغرب، خاصة في طنجة، لكن أرييل، الرسام، لا يعرف هذه الأمكنة؛ لهذا بحثت في الإنترنت عن صور الأماكن الشهيرة في طنجة ومدريد من أجل توجيهه ومساعدته.
بدأت أنا وأرييل التعاون في سنة 2020، في خضم الجائحة (كورونا)، حيث لم يكن أحد يغادر منزله. خلال هذه الفترة، كان يعيش في بوينوس آيرس، وأنا في لوس أنجلوس، وكل واحد منا محبوس في منزله. وفي هذا التعاون، لا بد لي من الإعتراف بدور الشاب زهير العروسي، الذي ساعدنا كثيرا من مدريد، حيث قام خلال أيام الحجر الصحي الطويلة بالبحث عبر الإنترنت باللغتين الإسبانية والعربية للعثور لنا على صور مناسبة. وهذا يعني أن إنتاج صور واقعية كان بمثابة عمل كبير جدا.
وعندما نتحدث عن الواقعية، أود أن أسلط الضوء على العناية التي أوليتها أنا وأرييل لتمثيل الثقافة المغربية بصريا، فمثلا، التأكد من عدم تناول أي شخصية مغربية بيدها اليسرى أو عدم جلوس أي شخص مغربي وساقاه مفتوحتان. وأيضا تمثيل الشخصيات المسلمة عندما يُصلُّون بشكل دقيق، بالإضافة إلى ملابس الشباب المغاربة وكبار السن، وما إلى ذلك. لقد أضفنا أيضا ألعاب الأطفال التقليدية وإيماءات الشخصيات، وحاولنا جعلها أصلية.
4) كيف كانت العلاقة بين الكاتبة والرسام؟ وكيف تعاونتما في إنشاء هذا النوع من الصور؟
لا أعرف ماذا سيقول أرييل، لكن بالنسبة لي كانت العلاقة بيننا -ولا تزال- جيدة. قبل البدء في هذا المشروع، كنت قد استفدت من دورة تدريبية حول الروايات المصورة؛ تعلمت الكثير ولكنني غادرت وأنا لا أزال أجهل الكثير من الأشياء. عندما انتهيت من كتابة السيناريو وكنت بحاجة إلى رسام، أخبرني مدرسي عن أرييل، الذي كان في هذه المهنة لسنوات عديدة. وبالرغم من أنه كان يعيش في الأرجنتين وأنا في الولايات المتحدة، كنا نتواصل عبر الإنترنت وبدأنا العمل بعد ذلك. (بالمناسبة، أسكن الآن في تاكوما، واشنطن، ويسكن أرييل في أوليمبيا، وهي مدينة قريبة، لذلك نحن جيران الآن).
لقد تعلمتُ الكثير من أرييل، خاصة في البداية، عندما كان يعلمني بعض الأساسيات: لا يمكن تمثيل فعلين الواحد تلو الآخر في نفس الصورة. مثلا، لا يمكن رسم شخص يقوم من كرسي ثم يتعثر في صورة واحدة، بل يجب أن تكون هناك صورتان متتاليتان: الصورة الأولى يقوم فيها الشخص والصورة الثانية تمثل تعثر ذلك الشخص. لم يكن أرييل مجرد رسام كاريكاتير فحسب، بل أيضا كان معلما.
وفي الكثير من الأحيان أذهلتني رسوماته بأصالتها وبروح الدعابة والمرح فيها. فمثلا، طلبت منه صورة تمثل بطل الرواية وأصدقائه وهم يمشون في الشاطئ، وتتضمن أيضا جَملا. (لا أزال أتذكر حتى الآن كيف تفاجأت عندما رأيت جملا للمرة الأولى على شاطئ طنجة). وهذا ما فعله، بحيث وضع الأطفال في الخلفية والجمل في المقدمة. وكانت النتيجة مفاجئة وممتعة للغاية. إنه في الواقع رسام كاريكاتير رائع ويتعامل بإتقان مع الرواية المصورة.

5) بعيداً عن الجانب الشكلي للأسئلة السابقة، قد تبين بأن عالَمَي البطل متناقضان، لماذا؟
أفترض أن التناقضات بين عالَمَي البطل ترجع إلى الاختلافات الكبيرة بين هذين العالمين: اختلافات في العادات والتقاليد، والدين، والاختلافات في الرأي حول الأدوار الاجتماعية المختلفة للنساء والرجال، والاختلافات في معاملة الشباب من قبل آبائهم. باختصار، هناك مجموعة كبيرة من الاختلافات.
يتعين على بطل الرواية أن يتعامل مع كل هذه الاختلافات، كما عليه أن يواجه مشكلة الاندماج والاستيعاب. (هناك أمران مختلفان تماما: الأمر الأول يتعلق بالاندماج في المجتمع المضيف/المستقبل والحفاظ على الثقافة الأصلية. والأمر الثاني يتعلق بالاندماج وتبني الثقافة السائدة وربما التخلي في المقابل عن الثقافة الأصلية). وكما يبدو في الرواية، فإن كل هذه القضايا قد تكون بالنسبة للطفل المهاجر مصدر ارتباك ومعاناة في بعض الأحيان.
6) هل باستطاعة قاصر غير مصحوب من الجنوب العالمي أن يعيش في الشمال العالمي؟
هنا تكمن الإشكالية. وكما رأيتم، فالرواية لا تحل هذه المشكلة، بل تركت المجال مفتوحا (نهاية مفتوحة). على الرغم من الصعوبة في إيجاد توازن بين العالمين، استنادا إلى تجربة القاصرين الرواة، أقول إنه على الأقل بالنسبة للبعض، وربما للكثيرين، فإن الإجابة هي نعم، بمعنى، باستطاعة مهاجر قاصر من الجنوب العالمي أن يعيش في الشمال العالمي.
وفي الأخير، اسمحوا لي أن أقول بأن موضوع القاصرين غير المصحوبين هو موضوع الساعة، ولهذا يجب أن تُعْرَف قصة “حرق المضيق”.
أتطلع إلى أن يساهم هذا العمل في إثارة وإغناء الحوار حول الهجرة، وخاصة المهاجرين القاصرين غير المصحوبين.
* المترجم محمد رزوقي: طالب باحث في سلك الدكتوراه، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء.