يوسف أكمير*
خلال زيارتي إلى احدى الجامعات الإسبانية، اللتي تشرفت بأن أحاضر بها وأن أتردد باستمرار على مكتباتها، ساقني الحظ والصدفة الى الوقوف على بعض المصادر الغير منشورة التي تتناول مسار إحدى الشخصيات المغربية التي أثارت إعجاب رواد الفن الاستشراقي الغربي خلال أواخر القرن التاسع عشر. إنها عايشة شامة بن العربي (طنجة 1852 – باريس 1889؟)، وهي امرأة سبقت عصرها، حيث أصبحت أول عارضة أزياء مغربية في عالم الفن والموضة. انتقلت من طنجة “الدولية” إلى باريس “الجن والملائكة” لتبدأ مسيرتها في عرض الأزياء، متحدية بذلك أجمل فتيات إيطاليا وفرنسا.

عندما قرأت سيرة عايشة، زاد إعجابي بها، مما أتاح لي فرصة استكشاف العديد من الظواهر الاجتماعية والثقافية التي ميزت المغرب في أواخر القرن التاسع عشر. وقد تمكن بعض الزملاء الباحثين الاسبان من تحفيزي وإقناعي للخوض في هذا الموضوع، حيث قدموا لي معطيات كافية لمتابعة مسيرة عايشة الفريدة من خلال مصادر ومراجع متنوعة.

ما يميز عايشة ومسيرتها هو أنها خُلدت في لوحتين فنيتين عالميتين تُعتبران من أبرز نماذج الفن الاستشراقي. الأولى هي “سالومي” للفنان الفرنسي ريجنولت سنة 1870، و الموجودة بمتحف ميتروبوليطان للفنون بنيويورك. والثانية هي اللوحة التي رسمها الفنان المستشرق الأمريكي فريدريك آرثور بريدمان بعنوان “عايشة، امرأة من المغرب” (1883) والموجودة في متحف نيوارك، بنيو جيرسي.
لا توجد لدينا صور تؤكد هوية عايشة شاما بشكل قاطع، لكن الرسام كليرين يصفها كفتاة شابة جميلة ذات بشرة داكنة، وجسد متناسق وأنيق، وأيدٍ نحيلة، وعينين داكنتين ومشرقتين، وشعر أسود متموج يمنحها مظهرًا أنيقًا ويعكس حيويتها وجمال وجهها.
في 17 يناير 1870، أرسل ريجنولت رسالة إلى والده أبلغه فيها بأن عايشة شاما اصبحت جزءًا لا يتجرأ من الأجواء المنزلية، وكانت تدعو دائمًا صديقاتها للعمل معها كعارضات. أما الفنان جورج كليرين فقد أوضح في مذكراته أن عايشة كانت تتحدث القليل من الإسبانية، وكانت مطلقة أو بالأحرى منبوذة بسبب عقمها وعدم إنجابها أطفال. وقد استقرت في منزله، الذي لم تغادره قط، هربًا من الإهانة والاحتقار الذي كانت تتعرض له من طرف أبناء جلدتها، الذين كانت تكرههم، وتفضل التقرب من المسيحيين واليهود من سكان طنجة…
– باحث في التاريخ والعلاقات المغربية الاسبانية