20 يونيو 2026 / 05:23

بيت الصحافة

اللغة الإسبانية بالمغرب: بين الاحتضار والانتظار

مارس 30 - 23 نوفمبر 2024

Mares30/الرباط

لا يخفى على الجميع أن اللغة الإسبانية اليوم تكتسي أهمية بالغة وحيوية على مستوى العالم. تعتبر واحدة من بين اللغات العالمية الأكثر تحدثًا واستعمالا. حاليًا، هناك ما يقرب من 500 مليون شخص (تحديدًا 498.497.757)، أي حوالي 6.2% من سكان العالم، يتحدثون اللغة الإسبانية كلغة أصلية (أو كلغة أم)، مما يجعلها تحتل من هذه الناحية الرتبة الثانية عالميا بعد اللغة الصينية (الماندارين).

في حين أن العدد الإجمالي للأشخاص الذين يتحدثون اللغة الإسبانية في العالم يبلغ أكثر من 600 مليون، تحديداً 600.607.806، أي 7.5% من سكان العالم. وبذلك، تحتل اللغة الإسبانية الرتبة الرابعة ضمن لائحة اللغات الأكثر انتشارًا في العالم، بعد الإنجليزية والصينية والهندية، وذلك وفقًا لإحصائيات التقرير الأخير الذي نشره معهد سرفانتس.

تشير التقديرات إلى أنه يوجد الآن أكثر من 24 مليون شخص يدرسون اللغة الإسبانية كلغة أجنبية، موزعين على أكثر من 100 دولة.

ويظهر التقرير نفسه أن عدد المتحدثين باللغة الإسبانية سيستمر في الارتفاع مع مرور الوقت، إلى جانب اللغات الرئيسية الأخرى مثل الصينية والإنجليزية والعربية وغيرها.

تشير التقديرات إلى أن عدد الاشخاص الذين يدرسون اللغة الإسبانية في المغرب حاليا يصل إلى 62.258، بينما يصل العدد الإجمالي إلى 1.754.485 ناطقًا باللغة الإسبانية في المغرب، وفقًا للتقرير السالف الذكر.

دخلت لغة سرفانتس إلى المغرب منذ زمن طويل، منذ طرد اليهود السفارديم (1492)، وطرد الموريسكيين (1609) من شبه الجزيرة الإيبيرية، الذين اختاروا المغرب وجهة لهم، جالبين معهم اللغة والثقافة الإسبانية.

نظرا لأهميتها، كانت تدرس اللغة الإسبانية في العديد من المؤسسات والمراكز التعليمية العمومية المغربية، انطلاقا من الإعدادي و الثانوي ووصولا إلى التعليم العالي. غير أنه الآن كل شيء تغير، بحيث أن المؤسسات التعليمية التي يتم فيها تدريس اللغة الإسبانية حاليا تعد على الأصابع، أي أنها قليلة وقليلة جدًا.

كما يتم تدريس اللغة الإسبانية في المدارس والمعاهد التابعة لوزارة التعليم الإسبانية والمتواجدة في مختلف مدن المغرب: الحسيمة، الدار البيضاء، الناظور، تطوان، طنجة، العرائش، الرباط، العيون، إلخ.

وفي نفس السياق، توجد في المغرب أكبر شبكة لمعهد سرفانتس في العالم بعد البرازيل، حيث نجد هذه المراكز في عدة مدن رئيسية: الدار البيضاء، فاس، مراكش، الرباط، طنجة تطوان، مكناس، العرائش، الحسيمة، الناظور، أكادير والعيون.

تجدر الإشارة أيضًا إلى أن هناك حاليًا تسع كليات عمومية تضم شعبة الدراسات الإسبانية التي تتواجد في المدن المغربية التالية: الرباط، الدار البيضاء، المحمدية، فاس، تطوان، أكادير، الناظور، مكناس، ومراكش.

إن حضور اللغة الإسبانية مهم ومفيد جدا بالنسبة للمملكة المغربية على جميع الأصعدة، خاصة على مستوى علاقات التعاون والصداقة التي تربطها بإسبانيا وقارة أمريكا اللاتينية حيث تعتبر اللغة الإسبانية هي اللغة الرسمية لأكثر من عشرين دولة هناك. وتلعب هذه اللغة دورا هاما وحاسما للغاية في تعزيز العلاقات بين المغرب والدول الناطقة بالإسبانية. هذا يعني أن اللغة الإسبانية حلقة أساسية في سلسلة العلاقات بين المغرب وهذه البلدان.

رغم هذه الحقائق والمزايا التي لا تعد ولا تحصى للغة الإسبانية، ماتزال هذه اللغة تعاني من الظلم والتهميش بالمغرب وكأنها لغة سطحية لا قيمة لها ولا يمكنها أن تقدم أي شيء إيجابي على الإطلاق.

لم تحظى هذه اللغة بعد بالتقدير والاحترام المستحق من طرف السلطات والمسؤولين المغاربة. يقارنونها باللغة الإنجليزية، وهذا أمر لا يستقيم، فالمقارنات ليست دائما صحيحة ومفيدة، لأن كل لغة لها قيمتها ومميزاتها الخاصة. وبالتالي، لا ينبغي خلط الأمور!

صحيح أن لغة شيكسبير تشهد انتشارا منقطع النظير في جميع أنحاء العالم نظرا لأهميتها التي لا جدال فيها، لكن ليس من المنطقي أن يحدث ذلك على حساب اللغة الإسبانية التي تربطها بالمغرب علاقات تاريخية متجدرة تستحق الاعتراف والاحترام والدعم.

إن اللغة الإسبانية بالمغرب كانت تنتظر منذ زمن طويل أن يجيء التغيير وأن يتم انصافها يوما ما وأن يتم رفع الحيف والظلم والتهميش عنها من طرف المسؤولين، لكن للأسف هذا التغيير لم يأت أبدا رغم أنه ضروري ومستعجل.

اللغة الإسبانية تعاني وتحتضر في صمت، وتحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تدخل عاجل وفعال.

إذا كانت الأمور تسير على ما يرام في المراكز التعليمية التابعة للسفارة الإسبانية في المغرب وفي معاهد سرفانتس، فإن اللغة الإسبانية في المؤسسات والمراكز التعليمية العمومية المغربية ماتزال تعاني الويلات من جميع النواحي.

كما أن وضع اللغة الإسبانية في كليات الآداب والعلوم الإنسانية التي تضم شعبة الدراسات الإسبانية ليس مرضيًا بثاتا، حيث أن عدد الطلبة الذين يأتون لتسجيل أنفسهم في هذه الشعبة يتقلص عاما بعد عام بشكل مقلق للغاية. وإذا استمر الوضع على هذا النحو دون أي تدخل من طرف المسؤولين، إن الأستاذ الجامعي الذي يدرس الإسبانية سيجد نفسه يوما من الأيام وحيدا في حجرة الدرس، دون طلبة.

قد عُقدت عدة اجتماعات وتم التوقيع على مجموعة من الاتفاقيات والمذكرات لتعزيز حضور اللغة الإسبانية في المغرب، لكن حتى الآن لم يتم تفعيل أي شيء من ذلك. شتان ما بين القول والفعل.

يجب اتخاذ سياسة لغوية واضحة فيما يتعلق باللغة الإسبانية لتوضيح الصورة وتبديد الشكوك وإزالة الغموض. إن إسقاط اللغة الإسبانية من القائمة اللغوية المتنوعة للبلاد يشبه تدمير ذلك الجسر الذي يوحد ويجمع شعوب الضفتين. يجب ألا نسمح لأي شخص بمحاولة “الدوس” على اللغة الإسبانية في المغرب.

لقد حان الوقت للتحرك والتفكير في الحلول قبل فوات الأوان. لقد حان الوقت لنعيد إلى اللغة الإسبانية بريقها المفقود. لقد حان الوقت لإنقاذ اللغة الإسبانية من وحلتها ومعاناتها التي طال أمدها. لقد حان الوقت لتفعيل تلك الاتفاقيات الموقعة وتلك التوصيات والمقترحات التي تهدف إلى تعزيز اللغة الإسبانية بالمغرب حيث نجد الكثير من المغاربة يحبون هذه اللغة حبا جما.

“المستقبل الواعد” للغة الإسبانية في المغرب يتحقق بالعمل والتطبيق وليس فقط بالقول والتصفيق.

التصنيف : تحاليل ثقافة