20 يونيو 2026 / 04:20

بيت الصحافة

اللغة والثقافة الإسبانية في إفني والصحراء 2/2 

مارس 30 - 27 مارس 2025

بقلم : محمد أبريغش (ناقد وباحث مغربي)

ترجمة: بوزيد الغلى

سلطنا الضوء في الجزء الأول من هذه المقالة على النشاط الثقافي الذي قامت به المستعربة الإسبانية إنماكولادا غارو، ولنا في هذا المقام أن نشير إلى أن النشاط المذكور سبقه حدثان ثقافيان يسترعيان الانتباه، ولم يكن من السهل توقع حدوثهما خلال الأعوام القليلة الماضية.

لقد حطت وزيرة الثقافة الفرنسية  “رشيدة داتي” الرحال يوم الأثنين 17 فبراير المنصرم  في طرفاية قبل أن تستأنف مسيرها إلى العيون. وهذه هي المرة الأولى التي تقوم  فيها شخصية رفيعة المستوى بزيارة رسمية للمنطقة. ويبدو أن الوزيرة الفرنسية تقصّدت تحقيق السبق والريادة، لأنها، أولا، منحدرة من أصول مغربية وتدافع بشراسة عن الوحدة الترابية المغربية، ولأنها، ثانيا، تضفي بهذه الزيارة طابع الاستمرارية والجدية على إعلان الرئيس الفرنسي، منذ مدة، اعتراف بلده رسميا بسيادة المغرب على صحرائه، ودعمه الكامل لمخطط الحكم الذاتي المقترح باعتباره  الحل الوحيد الواقعي و القابل للتطبيق لحل هذا النزاع الإقليمي.

على صعيد التعاون الثنائي بين البلدين، فإن الزيارة التي قامت بها الوزيرة الفرنسية مرفوقة بنظيرها المغربي، استهدفت أساسا وضع اللبنات الأولى للتعاون الثقافي ممثلة في العمل على إعادة تأهيل المآثر العمرانية وإحداث مؤسسات ثقافية وتعليمية. 

في مدينة طرفاية، ظهرت الوزيرة في منتهى الغبطة والسعادة، وقد ارتدت الزي المحلي/الملحفة، وأحاط بها جمع غفير يتقدمهم وزير الثقافة نفسه، وممثلين عن السلطة المحلية والأعيان، وقد تلفع الجميع في الدراعة الصحراوية ذات اللونين: الأبيض والأزرق. وقد وقفت الوزيرة على أهم المعالم التاريخية للمدينة، خاصة دار البحر La Casa del Mar التي ستخضع للترميم، ومتحف أنطوان دي سانت إكسبيري Antoine de Saint-Exupéry؛ الكاتب والطيّار الفرنسي الشهير. 

في مدينة العيون، أشرفت على إحداث إحدى أعرق المؤسسات الفرنكفونية: أليانس الفرنسية  Alliance Française. وهو المعهد  الذي سيمثل عماد  مشروع الفرْنَسَة  francofonización على مستوى التداول اللساني وفي الحقل التربوي في المنطقة، كما سيشكل نقطة ارتكاز للعمل الثقافي الفرنسي على كافة الأصعدة: تقديم وتوقيع الكتب، استضافة الكتاب والمؤلفين، تنظيم الندوات والأيام الثقافية والدورات التكوينية، التنشيط المسرحي، إقامة العروض الفنية، إلخ… ومن المؤكد أن هذا المعهد سيكون من أكثر المؤسسات الأجنبية فاعلية وحيوية في تأطير الفعل الثقافي في المدينة.

في مدينة الداخلة، المعروفة سابقا بـفيلا سيسنيروس Villa Cisneros، أشرفت الوزيرة  على إطلاق ملحقة المعهد العالي لمهن السينما، وذلك في إطار مشروع طموح يسعى إلى تقوية العرض الثقافي ودعم التكوين في ميدان الفنون ذات الصلة بالمهن السينمائية، وكذا المساهمة في تطوير الصناعات الثقافية المحلية.

ومن المنتظر أن تساهم المؤسسات المذكورة سلفا في تعزيز المجهود التعليمي والتربوي والثقافي الذي ما فتئت تضطلع به البعثة الفرنسية منذ عام 2012 من خلال مؤسستيها:  مدرسة أوديت دي بيكَودو  Odette Puigaudeau ومدرسة بول باسكون Paul Pascon، الواقعتين، على التوالي، في الداخلة والعيون، وهما تابعتان معاً للمكتب الجامعي والدولي(OSUI)..

 إزاء هذا الوضع المستجد، فإن اللغة الإسبانية مرشحة لأن تفقد كل شيءٍ، فمن الصعب على مؤسسة “كوليخيو لاباث” أن تحظى بمركز تنافسي في هذا المشهد الذي تتسيّد فيه الفرنسية، وذلك لاعتبارات  أولها: إن المؤسسة ليست سوى بناية صغيرة الحجم، معزولة وغير قادرة على تنشيط الفعل الثقافي داخل حرمها، فبالأحرى خارج أسوارها؛ ثانيها: لأن إطارها التنظيمي وهندستها التربوية لا يسمحان للمتعلم باستكمال الدراسة بالثانوي داخل المؤسسة  حتى يصل إلى الباكلوريا. 

تم الإعلان منذ سنتين في الرباط عن إحداث ملحقة بسيطة (أعني حجرة درس واحدة) تابعة  لمعهد سرفانتس Instituto Cervantes ، لكن لم ينجز أي شيء على أرض الواقع، ويبدو أن المشروع ليس مدرجاً على أجندة المؤسسة إلى الآن، بل من المحتمل أن يبقى تدشينه قيد الانتظار إلى حين  أن تتأتى زيارة رسمية ما، لكنني أميل إلى الاعتقاد بأن هذا التأخير يرجع إلى التذبذب واللايقين وغياب الحسم  نتيجة معارضة بعض الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني للموقف من قضية الصحراء؛ وهو القرار الذي اتخذه بيدرو سانشيز دون موافقة حلفائه في الحكومة، أقصد بوديموس، من خلال الرسالة الشهيرة التي وجهها إلى العاهل المغربي، يعرب له فيها عن دعمه لمخطط الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب أمام المنتظم الدولي من أجل إيجاد حلّ للنزاع الإقليمي.

 

بعد مضي أسبوعين تقريبا عن زيارة الوزيرة الفرنسية للصحراء، قام رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، جيرار لارشيه Gérard Larcher يوم 25 فبراير 2025 ، بزيارة ذات أهمية قصوى إلى مدينة العيون عاصمة المنطقة. وقد حملت الزيارة إشارات سياسية عميقة الدلالة، إذ  أبرز خلالها المسؤول  الفرنسي رفيع المستوى، مرة أخرى، على أنه من مصلحة فرنسا أن تكثف وجودها في المنطقة كي تساهم في تنميتها الثقافية والاقتصادية، كما شدد من جديد على  اعتراف فرنسا الصريح والواضح بمغربية الصحراء،  ودعمها خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب باعتبارها السبيل الوحيد والواقعي والقابل للتطبيق من أجل الطيّ النهائي للنزاع الإقليمي، كما أعاد التأكيد على اعتزام فرنسا فتح قنصلية عامة في المدينة، لكن دون أن يحدد  تاريخا معينا، على غرار موقف الولايات المتحدة الأمريكية.

على الصعيد الأكاديمي، نظمت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير يومي 20 و21 فبراير بتعاون مع جامعة القلعة بمدريد de Madrid Alcala  مؤتمراً دوليا حول موضوع: العلاقات المغربية-الإسبانية عبر التاريخ. وقد شارك في هذا المحفل العلمي أكاديميون، خبراء وباحثون بارزون من جامعات متعددة مغربية-إسبانية، واختتم بمحاضرة شاملة ألقاها سفير إسبانيا في الرباط، استعاد فيها محطات من التاريخ والذاكرة المشتركين، كما شدد على أن تلك العلاقات ضرورية ولا مناص منها  للبلدين من أجل تقوية تعاونهما المتبادل.

الجولة السياحية في إفني كانت مبرمجة ضمن فقرات المؤتمر، سيراً على تقليد رسخناه في شعبة الدراسات الإسبانية بكلية الآداب ابن زهر، إذ دأبنا كلما تم تنظيم نشاط أكاديمي على تنظيم زيارة علمية وترفيهية تعكس الرغبة في الجمع بين الفائدة والمتعة (المزاوجة بين المفيد والجميل الممتع) مع الحرص على إبراز التراث المحلي من ماضي الإسبان في المنطقة.

 في الطريق إلى إفني، توقفنا في تزنيت، حيث تناولنا وجبة الغذاء، وقمنا بجولة في رحاب المدينة العتيقة، وزرنا بعض معالمها الثقافية، ثم استأنفنا السير نحو عاصمة أيت باعمران ؛ سيدي إفني كما تسمى الآن، وليس إفني كما كانت تدعى زمن الاستعمار. إنها مدينة تمثل استعارة كبرى للعلاقات الإسبانية-المغربية في الجنوب المغربي، بما في ذلك الصحراء، فهي تحاكي الطراز الإسباني من حيث بنيتها الحضرية وهندستها المعمارية، بل إن أغلب معالمها الأثرية تحمل بصمة إسبانية:  ساحة مركزية، ساحة إسبانيا Plaza de España التي اقتلع منها تمثال كاباث Capaz   إثر استرجاع المدينة وجلاء الإسبان، نادي ضباط الصف الذي تحول إلى مبنى مخصص للقاءات والأنشطة الثقافية، ولم يتبق من ذاكرته كمكان  سوى  تذكار يمثله الاسم المنقوش بالإسبانية على زجاج مدخله الرئيس، فندق سويرتي لوكا، لابارانديا، بعض لافتات الشوارع التي تحمل أسماء بعض العساكر الإسبان، نادي تويست Twist، مركز للترفيه مخصص للجنود السابقين، سينما أبينيدا (الشارع)، ثكنة إفني للمدفعية، حديقة خالية من الحيوانات، ملعب كرة القدم، وهو ملعب تمت تهيئة أرضيته بالتراب المدكوك، وقد كان مجهزا بالعشب الطبيعي، لذلك يعدّ وحيدا وفريدا من نوعه في الجنوب بأكمله خلال فترة الوجود الإسباني، بقايا قطار جبلي مائل  funicular تآكل بفعل الصدأ، إلخ… ، هناك معلومة جديرة بالاهتمام: يوجد في إفني ما مجموعه 11 بناية لا تزال ملكيتها بيد إسبانيا، غير أنها كلها بدون استثناء مهجورة ومهددة بالانهيار ما لم يتم ترميمها وتأهيلها في المستقبل.

 وتجدر الإشارة هنا إلى  أهم مبنى مملوك لإسبانيا، وهو مبنى الخزينة la Pagaduría، فهو مبنى حضري كبير وفخم، يعد الوحيد من نوعه في المدينة الذي بني فنيا على طراز الديكو decó. احتضن المبنى قنصلية حتى عام 1975، ومنذ ذلك الحين، ظل مهجورا إلى درجة أنه أصبح اليوم مجرد هيكل خراب يعبر عن الاستعمار الاسباني العبثي لسيدي إفني.  

كانت أحلام التوسع الإمبريالي التي استدعاها نظام الجنرال فرانكو مجرد خطاب تعبوي رسمي قوامه دعاية ضخمة صادرة من بلد لم يكن يملك وسائل قمينة بتحقيق تلك الأماني التوسعية، ولم تكن المسارعة إلى احتلال إفني سوى ردة فعل من أجل وقف زحف فرنسا التي كانت ستحتل المنطقة، الأمر الذي حتم على إسبانيا التعجيل بتنفيذ مقتضى اتفاقية واد راس 1860، وإن تم الأمر متأخراً.

من الغريب أن يتم جلاء الإسبان عن المنطقة  على عجل، ومن غير ترك أثر لوجودهم، فقد تم إخلاء المستعمرة في ظل جلبة وتدافع واستعجال، وعنّ لهم أن يأخذوا معهم رفات الجنود، فانبروا إلى نبش قبورهم، ووضع الرفات في التوابيت، ثم أقفلوا عائدين إلى شبه الجزيرة أو إلى جزر كناريا، غير مبالين مطلقا بتاريخهم في المنطقة، فلم يتركوا وراءهم سوى المباني الإحدى عشر والتي ذكرت في ملحق  إضافي تضمنته اتفاقية استرجاع إفني عام 1969، وهي المباني نفسها التي ظلت مهجورة، ومتهدمة، بل تحولت تماما إلى أطلال، ومن الغريب أيضا أن الشرفة التي أطل منها فرانكو كي يلقي خطابه أمام قواته العسكرية إبان زيارته لإفني عام 1950 لا تزال  تحتضن شعار النبالة Escudo الإمبراطوري لنظام فرانكو، وقد بقي الدرع/الشعار على حاله لم يتغير، بصرف النظر عن إعمال قانون الذاكرة التاريخية الذي ظل ساري المفعول منذ سنوات عديدة. 

وهي الشرفة ذاتها، ويا للمصادفة الغريبة، التي صعد عليها  عدد من شباب مدينة إفني في  يوليو 2016 من أجل رفع  العلم الإسباني مطالبين بحقهم في الحصول على الجنسية التي يخولها لهم، حسب قولهم، القانون الإسباني باعتبار أنهم  أبناء جنود عملوا في الجيش الإسباني قبل الانسحاب عام 1969.

إن تضييع وإهمال  الآثار الثقافية والمادية الإسبانية في إفني وطرفاية وباقي ربوع الصحراء، أمر مرعب، وهذا ما لخصه بصدق مشوب بالحسرة والأسف  خوان كَويتيسلو Juan Goytisolo في شريطه الوثائقي الشهير: القبلة  Alquibla. وليس مستغربا أن يكون هذا الكاتب الكبير من القلائل الذين دافعوا عن ضرورة تحويل مبنى الخزينة الحالي Pagaduría إلى مركز ثقافي، كي يكون بمثابة قاعدة للمحافظة على اللغة الإسبانية وتعزيز حضورها في محيطها الذي شكلت تاريخيا جزءً منه.

وهذا المطلب أثرناه في مناسبات عديدة، نحن الأساتذة المهتمون بالإسبانية، كما طالب به رئيس بلدية المدينة وبعض الفاعلين الثقافيين في عدة لقاءات وندوات وطنية ومحلية، جمعتنا بممثلي الديبلوماسية الثقافية الإسبان. وطبقا لما أفاد به عام 2012 منبر إعلامي محلي يدعى: ركن إفني El Rincón de Ifni،  فإن سلطات البلدية، وبمبادرة شخصية، فقد جرت محادثات مع مسؤولين إسبان من أجل إطلاق مشروع ترميم وإعادة تأهيل مبنى الخزينة Pagaduría وتحويله لاحقا إلى مركز ثقافي إسباني-مغربي، غير أنه منذ ذلك الوقت، وإلى حد الآن لم ينجز شيء، وحالة المبنى الأثري تتدهور باستمرار وتسير نحو الأسوأ. تستحق تلك المبادرة أن يصفق لها، وتشجع بحرارة، ومن هذا المنطلق أعود للتأكيد على الفكرة ذاتها والمرافعة عن أحقية ووجوب التحرك في هذا المنحى، لأن إصلاح المبنى وتحويله إلى مركز ثقافي، سوف يجعل منه فضاء يسهم في تحقيق مصالحة الساكنة المحلية مع الذاكرة التاريخية الإسبانية للمدينة، كما سيشكل في الحين ذاته مكانا لتدريس الإسبانية وتعليمها للناس من أجل استنقاذها  من الاندثار والزوال، وذلك  في ظل محدودية حضورها  في التعليم الرسمي،  دون أن ننسى ما سوف يضطلع به المركز من دور على مستوى التنشيط الثقافي في المدينة التي تتوفر على مؤهلات سياحية قوية. من جهة أخرى، إذا تتم المسارعة إلى ترميم المبنى وإعادة تأهيله، فإن ذلك ظلم فظيع، إذ يعني فيما يعنيه، الإجهاز على ما تبقى من الذاكرة والتاريخ الإسبانيين في المدينة. 

 من المؤكد أن الفصل رقم 7 من معاهدة فاس الموقعة عام 1969 بين الجانبين المغربي والإسباني ينص على وجوب صون الإسبانية والمحافظة عليها في المدينة كما يبرز منطوق المادة الآتية: “تتعهد الحكومة المغربية بعدم عرقلة بقاء المؤسسات الثقافية وكذا مؤسسات تدريس الإسبانية الموجودة على أرض الإقليم، كما ستقدم تسهيلات من أجل فتح الحكومة الإسبانية مؤسسات أخرى قد تراها مناسبة”. وهذا المقتضى لم ينفذ على الإطلاق. 

أتخوف من أن يتم بيع أو نقل ملكية المباني أو الممتلكات الإسبانية في إفني، ومن الطريف أنه بينما كنا بصدد التقاط صور تثبت الحالة المزرية التي آل إليها مبنى الخزينة Pagaduría   اقترب منا رجل “افناوي” في عمر الستين ونيّف، وأخبرنا بلسان إسباني سليم أنه كان يتقاضى راتبه الشهري هنا، في هذه البناية التي تحولت بعيد الاستقلال إلى قنصلية لم تلبث إلا قليلا حتى تم نلقها إلى أكادير، لأن مدينة إفني لم تكن يومها عمالة، ولا يمكن بقاء القنصلية فيها، حسب تعبيره. 

 منذ وقت قصير، صادق البرلمان الإسباني على مقترح يسمح بمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين الذين ولدوا قبل 1975، لكنهم استثنوا إفني التي كانت عاصمة إفريقيا الغربية الإسبانية إلى غاية 1958، كما ظلت مقاطعة إسبانية إلى غاية 1969. المنطق نفسه يتكرر، للأسف، فقد تم، سابقا،  منح الجنسية الإسبانية لليهود السفارديين ، بينما حرم منها أحفاد الموريسكيين. في الزمن الراهن أيضا، يراد  منح الجنسية ذاتها للأشخاص المنحدرين من الصحراء، بينما سوف يحرم منها نظراؤهم في إفني، على الرغم أنهم صحراويون أيضا من حيث الثقافة، وقد ولدوا على أرض كانت إسبانية قبل 1969. إنه من الواضح أن القرار ذو طبيعة إديولوجية، يحاول من خلاله المجتمع الإسباني وممثلوه من السياسيين التخلص من عقدة الخطيئة التاريخية اتجاه الصحراويين. إنه تلاعب وتجيير وجداني إيديولوجي-سياسي لقضية الصحراء لا تحتمله الممارسة الواقعية والظرفية السياسية التي تجاوزت “هذا النمط من الديماغوجية” لمصلحة حل سياسي وديمقراطي يمنع من الوقوع  في ثنائية رابح-خاسر. 

La Pagaduría  مبنى الخزينة في إفني

لقد نظمت شعبة الدراسات الإسبانية بكلية الآداب- أكادير بتعاون مع الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بالعيون الساقية الحمراء والجمعية المغربية للدراسات الإيبيرية والإيبيرو-أمريكية وجمعية الابتكار التربوي والتكوين المهني يوما دراسيا حول أهمية الإسبانية في شتى المجالات في المنطقة، وذلك بمدينة العيون بتاريخ 13 ماي 2023 تحت عنوان:” الإسبانية، لغة التواصل والعلم والعمل“.

وقد شارك في هذا اليوم الدراسي الهام أساتذة شعبة الدراسات الإسبانية بحضور عميد الكلية شخصيا، فضلا عن أكاديميين مغاربة آخرين، معظمهم من الدار البيضاء والرباط. وقد حقق هذا الحدث الثقافي نجاحًا باهرًا وغير مسبوق، إذ غص قصر المؤتمرات عن آخره على غير المعهود، وهو مثال حي على الاهتمام المحلي باللغة الإسبانية والحاجة الثقافية إليها في المنطقة. وقد أعلن عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية، محمد الناجي، في كلمته الرسمية، نيابة عن رئيس جامعة ابن زهر، عبد العزيز بنضو، عن رغبته في إنشاء كرسي اللغة والثقافة الإسبانية في الصحراء من أجل تعزيز العلاقات بين جامعة ابن زهر وجامعات إسبانيا والتفكير سويّاً في العلاقات الثنائية الإسبانية- المغربية.

كل ما تم ذكره،  يعد  مؤشرا واضحا على الاهتمام بالإسبانية على الصعيدين المجتمعي والمؤسساتي،  الأمر يحتم دعم  الحضور الثقافي الإسباني في الصحراء، لأن استمرار الوضع المنتكس الراهن سيفتح المجال أمام الفرنكفونية من أجل التوسع واكتساح المجال الترابي، إعمالا للبراغماتية الفرنسية التي ينبغي أن تستلهم  إسبانيا تجربتها، وأن تبادر إلى إتخاذ إجراءات ضرورية على المدى المتوسط، نذكر منها:

  1. تحويل  مؤسسة  كوليخيو لاباث إلى معهد يشمل جميع مستويات التعليم الثانوي، كي  لا يتم إرسال  التلاميذ- كما جرت العادة- إلى معاهد أخرى خارج المنطقة من أجل متابعة دراستهم والحصول على شهادة البكالوريا.
  2. تنفيذ الوعد الذي لم ير النور بعد، والرامي  إلى إحداث فصل دراسي تابع لمعهد سرفانتس وتوسيع العرض التعليمي فيه من أجل ضمان قيامه بالدور المنوط به في تنشيط الثقافة واللغة الإسبانية في العيون، وباقي مدن الصحراء. ومن المفيد أن تمتد وتطبق مستقبلا، في الصحراء وإفني، البرامج التعليمية الجيدة والغنية التي نشهدها، على سبيل المثال،  في طنجة وتطوان. 

إن تباطؤ العمل الثقافي والتسويف وتأجيل المشاريع نتيجة الارتكان إلى التذبذب وحالة اللايقين التي صارت مألوفة، يتعارض مع المنطق والمصالح الجيو-ستراتيجية لإسبانيا في الصحراء التي شكلت، على الدوام، فضاء تاريخيا لتأثيرها وإشعاعها. من ناحية أخرى، ينبغي على المغرب أن يعيد النظر بجدية في وضع اللغة الإسبانية في المنطقة، وأن يبادر إلى الإنصاف وجبر الضرر التاريخي الذي لحق بها، وذلك بأن يعيد إليها وضعها الطبيعي بجعلها لغة أجنبية أولى، بدل الفرنسية، في ميدان التربية والتعليم في المنطقة، وذلك بالنظر إلى تجذرها في المنطقة وحاجة المجتمع المحلي إلى التعرف عليها وتعلمها، لأنها تمثل جزء من التاريخ المحلي للمنطقة.

 

 

 

التصنيف : الصحراء المغرب ثقافة