توفيق سليماني
أعترف لك عزيزي القارئ أنني استمتعُ بالثقافة والأدب والصحافة وكرة القدم الإسبانية، والساحرة المستديرة هي تلك الغواية أو البذرة التي جعلتني أتعلق بالعالم الإسبانيكي (El mundo hispánico)؛ ولكن لا أخفيك سرا أنني لا أستطيع الصمت أو غضّ الطرف (hacer la vista gorda) عن النظرة الاستعمارية والمتعالية التي يتعامل بها جزء من الخطاب الإعلامي الإسباني (español)، وليس الإسبانيكي (hispánico)، تجاه إفريقيا والأفارقة، بشكل عام، والمغاربة، بشكل خاص.
ينظر جزء من الخطاب الإعلامي القشتالي إلى إفريقيا، الجنوب، كمصدر تهديد. وإذا كان هذا التوجس مفهوما في السياسة والاقتصاد والدبلوماسية والجيوسياسة، فإنه غير مبرر في كرة القدم. أدركُ أن المستديرة اليوم لم تعد مجرد لعبة، بل امتزجت بالمال والسياسة والتوازنات وهلم جرَّا. مع ذلك لا يمكن قلب الحقائق وتضليل القراء وتقديم صورة عن إفريقيا والأفارقة لا تنطبق مع الواقع اليومي.
لا أخفيك عزيزي القارئ أن مقالا صدر للصحيفة الإسبانية “AS”، الواسعة الانتشار، بحكم ما يُنقل عنها حتى في المغرب، استفزني كثيرا. المقال صدر يوم 12 مارس 2025، تحت عنوان “إفريقيا تهدد إسبانيا” (África amenaza a España)، ويتحدث عن اللاعبين الأفارقة أو من أصول إفريقية ترعرعوا في إسبانيا وتكونوا في مدارسها وأنديتها، وربما لعبوا مع فئات عمرية في المنتخب الإسباني، وفي النهاية اختاروا، طوعا وبكل قواهم العقلية والبدنيّة، اللعب لبلدان الآباء والأجداد، أي إفريقيا. أين هو العيب أو التهديد أو السرقة في هذا الأمر؟ يعيبون إفريقيا والأفارقة والعيب كل العيب في هذا الجزء من الخطاب الإعلامي -لا أعمم- الذي يكتب من زاوية واحدة ويمتح من نفس المحبرة الاستعمارية.
وزاد الاستفزاز عندما قرأت أيضا مقالا ثانيا في نفس الخط لصحيفة إسبانية أخرى معروفة، “Marca”، تحت عنوان “السنغال يسرق أساني دياو من المنتخب الإسباني”، ومما زاد طين الاستفزاز بلة مقال ثالث هذه المرة للصحيفة الكتالونية “Sport” تحت عنوان “هروب آخر لموهبة من إسبانيا: أساني دياو يختار السنغال”.
ليس الأمر بنفس السهولة أو البساطة التي قد يعتقد البعض. نحن أمام ثلاث جرائد لها ملايين القراء في إسبانيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، وإفريقيا والعالم برمته. قدرة تأثير AS و Marca و Sport يتجاوز قدرة ومستوى تأثير الحكومة المركزية الإسبانية والحكومات الجهوية وحتى الأحزاب والأندية ومراكز الأبحاث. هذه الصحف إلى جانب “Mundo Deportivo” تعتبر الجناح الدعائي لأشهر علامة تجارية وثقافية وترفيهية إسبانية وهي “الليغا” بزعامة ريال مدريد وبرشلونة. وهذا لا يعني أن مؤسسة الليغا والاتحاد الإسبانيين يُغذيان هذا الخطاب، ولكن هناك أشخاص يعَبّرُون عن هذا الخطاب، ويتضح هذا التعبير عندما يُقَالُون أو يَسْتقيلون من مهامهم، حيث يَنْكَشِفون، وما تصريحات المدير الرياضي السابق للاتحاد الإسباني ببعيدة عنا، حيث عاد الأسبوع المنصرم ليُقلل من شأن كرة القدم الإفريقية.
لا يمكن اليوم إنكار أن كرة القدم أصبحت قوة ناعمة ودبلوماسية موازية تستعمل لتحقيق اختراقات ثقافية واقتصادية في الشمال والجنوب وفي الشرق والغرب. لكن وحدها إفريقيا ينظر إليها كمصدر تهديد وليس كآفاق.
مقال صحيفة “AS” عرَّج على الصراع الذي حدث بين المغرب وإسبانيا لإقناع لامين جمال، لاعب برشلونة، وكذلك إبراهيم عبد القادر دياث، لاعب ريال مدريد. وكان دياث للمغرب، وجمال لإسبانيا. وأضاف أن المغرب استطاع كذلك إقناع إلياس أخوماش، لاعب فياريال، والجابري، لاعب أتليتيكو مدريد. وذكر كذلك كيف أقنع المنتخب الغاني إنياكي ويليامس، لاعب أتليتيكو بيلباو، وقل الشيء نفسه عن غانا التي نجحت في استعادة إلياكس موريبا، لاعب سيلتافيغو. مقال “AS” جاء على هامش اختيار أساني، لاعب كومو الإيطالي حاليا ولاعب سابق في بيتيس الأندلسي، اللعب لمنتخب السنغال.
لا أخفيك عزيزي القارئ أن المقالات الثلاثة جعلتني أستحضر القصيدة الخالدة للشاعر والرئيس السابق للسنغال، ليوبلود سيدار سنغور (Léoplod Sédar Senghor )، المعنونة “أخي ابيضّ اللون”، والذي يتساءل فيها: من منا بالرجل الملون؟ القصيدة رصدت وشخصت تناقضات الأوروبيين بالدرجة الأولى عندما ينظرون إلى الإفريقي. وهنا يمكن أن نتساءل من يهدد من، ومن يسرق من، وممن هربت المواهب؟
لا يمكن إنكار أن إسبانيا اليوم حققت نهضة ونجاحا، في كثير من المجالات، بفضل المهاجرين الذين يشتغلون في كل شيء، بما في ذلك المهن التي لا يرغب الإسبان في العمل فيها. وعليه، فإن التكوينات والظروف المناسبة لممارسة الرياضة والنجاح التي يستفيد منها المهاجرون وذويهم استحقّوها واشتغلوا عليها كباقي المواطنين الإسبان. والجارة الشمالية ستحتاج إلى ملايين المهاجرين في العقدين المقبلين، والحل سيكون هو إفريقيا. ويكفي الإطلاع على إحصائيات صندوق الحماية والضمان الاجتماعي لتأكيد أهمية الأجانب في إسبانيا. وهل سيستمر نفس الخطاب كلما ظهر أمثال لامين جمال ودياث وأساني.
لا يمكن إخفاء اليوم أن هناك تناقضا إسبانيا صارخا، بحيث أن القصص والتجارب الناجحة تنسب لإسبانيا؛ في المقابل، التجارب الفاشلة والمزعجة تنسب إلى المغرب والمغرب الكبير وإفريقيا. جمال وإبراهيم دياث وأخوماش وعبد الصمد الزلزولي، ومبابي ونيكو ويليامس وكل المواهب مرحب بها، لكن لا أحد يرغب في آلاف المهاجرين الأفارقة الذين أصبحوا يعيشون في الجحيم مع تصاعد اليمين المتطرف “فوكس”.
إسبانيا استفادت كثيرا من الخيرات والمواهب الإفريقية، وجميل أن تعطى الفرصة للأفارقة، ولكن لا يمكن في كل مرة اختار فيها لاعب تمثيل بلده الأم أو قارته الحديث عن تهديد وسرقة، والترويج لأفكار تعزز طرح “فوكس”، وتزيد من حدة العنصرية التي أصبحت تهدد احتضان إسبانيا لكأس العالم 2030. هذا الخطاب الذي يتحدث بهذه الطريقة عن إفريقيا، يتغير عندما يتعلق الأمر بمواهب ولاعبين قرروا اللعب للبرازيل والأرجنتين وباقي دول أمريكا اللاتينية، وحتى ألمانيا أو فرنسا. لماذا لا يقال مثلا أن الأرجنتين “تهدد” و”تسرق” إسبانيا بينما عشرات اللاعبين الأرجنتينيين تكونوا في إسبانيا مثل اللاعب ميسي ومثلوا بلدانهم الأصلية بدون أدنى مشكل أو ضجيج. ولماذا لا يقال مثلا أن إسبانيا “سرقت” داني ألمو، لاعب برشلونة، من كرواتيا أو روبين لونورماند، مدافع ريال سوسيداد، من فرنسا.
الخطاب الإعلامي نفسه هو الذي يكتب “de origen marroquí/ من أصول مغربية” أو حتى “marroquí مغربي” عندما يُعتقل مجرم مشتبه فيه أو متطرف مشتبه فيه يحمل الجنسية الإسبانية وينحدر من المغرب. نفس الخطاب يقدم جمال على أنه إسباني español وليس إسباني-مغربي español-marroquí، ويقدم كذلك إبراهيم دياث على أنه إسباني-مغربي español-marroquí، وليس مغربيا marroquí؛ في المقابل هناك “شباب تورطوا في أفعال إجرامية” ولدوا في إسبانيا ولم يسبق لهم أن زاروا المغرب وغير متأثرين بالثقافة المغربية يُقَدَّمُون، بشكل مقصود، على أنهم مغاربة marroquíes، أو من أصول مغربية de origen marroquí؛ هنا لا يتحدث عنهم كإسبان españoles ولا كإسباني-مغاربة español-marroquí،.
هذا الخطاب الإعلامي المستفز لا يمكن أن يحجب عنا أهمية الخطاب الإعلامي المهني في نفس المنابر وغيرها التي تحاول دائما تتبع كل التفاصيل عن المغاربة والأفارقة في مختلف الأندية والمنافسة. الطريقة التي يتم مثلا التعامل بها مع إبراهيم دياث وعمر الهلالي في غالبية وسائل الإعلام الإسبانية تعبر عن الوجه المشرق في الجارة الشمالية. ولكن لا يمكننا الصمت عن التناقض المستفز في جزء من الخطاب الإعلامي الإسباني، وهو الخطاب الاستعماري الذي انتقده الشاعر سنغور قبل عقود.
——
قصيدة إلى أخي أبيض اللون..
للشاعر والرئيس السابق للسنغال
ليوبلود سيدار سنغور (Léoplod Sédar Senghor )
ترجمة الشاعر بنعيسى احسينات – المغرب
أخي العزيز، أبيض اللون،
عندما وُلِدْتُ، كنتُ أسود اللون؛
عندما كَبِرْتُ، كنتُ أسودَ اللون؛
عندما أتعرضُ للشمس، أكونُ أسودَ اللون؛
عندما أمْرَضُ، أكونُ أسودَ اللون؛
عندما سأموتُ، أكونُ أسودَ اللون؛
في حين أنت أيها الأبيض اللون،
عندما وُلِدْتَ، كنتَ ورديَ اللون؛
عندما كَبُرْتَ، كنتَ أبيضَ اللون؛
عندما تتعرضُ للشمس، تكونُ أحمرَ اللون؛
عندما يُصيبُكَ البردُ، تكونُ أزرقَ اللون؛
عندما تخافُ، تكونُ أخضرَ اللون؛
عندما تَمْرَضُ، تكونُ أصفرَ اللون؛
عندما ستموتُ، تكونُ رماديَ اللون…
إذَنْ، مِنْ بين نحن الاثنين،
مَنْ منا الرجل الملون؟؟