20 يونيو 2026 / 06:17

بيت الصحافة

إسبانيا تتشبث بالمغرب وترسل رسالة مشفرة للجزائر

مارس 30 - 3 مارس 2025

توفيق سليماني

إذا كانت الدروس النظرية تعتبر المغرب أولوية الأولويات في السياسة الخارجية الإسبانية، فإن المواضيع المرتبطة بالمغرب، في الواقع، تشكل جزء لا يتجزأ من السياسة الداخلية الإسبانية بحكم الجوار والجغرافيا والروابط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإنسانية. وهذا يتضح جليا في الأسئلة التي تطرح في الحوارات الإعلامية مع كبار المسؤولين الإسبان. لا يخلو حوار من سؤال أو تساؤل حول المغرب أو المغربي، إلى درجة أن المغرب يشكل جزء من الأجندة اليومية الإعلامية في الجارة الشمالية.

هذا ما يؤكده الحوار الذي نشرته صحيفة “إلباييس”، يوم أمس الأحد، مع خوسي مانويل ألباريس، وزير الخارجية الإسباني، حول التطورات الأخيرة بخصوص الملف الأوكراني، خاصة بعد إهانة الرئيس دونالد ترامب نظيره الأوكراني زيلينسكي في البيت الأبيض وأمام الملأ، بحيث أن هناك من يرى في سلوك ترامب إهانة إلى الاتحاد الأوروبي أو رسالة واضحة للقارة العجوز؛ “إناس وجرو إو جرو بدرن ومان“، كما يقول المثل الأمازيغي (تغيّرت المياه).

ورغم أن الحوار خاض أيضا في القضية الفلسطينية ونظرة العرب إلى إسبانيا والاتحاد الأوروبي وموقفهما من العدوان الإسرائيلي على غزة، إلا أن قضية نزاع الصحراء طرحت، في سؤال ملغوم، لكن جواب ألباريس كان ذكيا ومحسوبا، مشددا على أهمية المغرب كبلد صديق وحليف استراتيجي ليس فقط لمدريد بل لكل العواصم الأوروبية، التي تدعم في مجملها مقترح المغرب بخصوص الحكم الذاتي في الصحراء.

مهما عظمت القضايا المتعلقة بأوكرانيا والولايات المتحدة والصين وغزة وسياسية الدفاع الأوروبي، إلا أنها لا يمكن أن تحجب “موضوع المغرب” في شبه الجزيرة الإيبيرية. وبالعودة إلى الحوار المشار إليه سابقا ودون الخوض في التفاصيل التي قد لا تهم القارئ المغربي، حاول المحاور استدراج أو توريط خوسي مانويل ألباريس بسؤال مركب حول موقف إسبانيا مما يجري في غزة ومن قضية الصحراء. السؤال يمتح من نفس المحبرة التي ألفت الصحافة الإسبانية أن تمتح منها عند الحديث عن قضية الصحراء منذ 50 عاما. الصحافي قال إن السياسة الخارجية للحكومة الإسبانية تجاه الشرق الأوسط حظيت بالتقدير في العديد من بلدان الجنوب العالمي باعتبارها سياسة ترتكز على القيم. لكن عندما تحدث عن سياسة الحكومة الإسبانية تجاه المغرب والصحراء، تساءل عما إذا كانت هذه السياسة تغلب عليها المصالح أو القيم.

استشعر الوزير الإسباني الهدف من السؤال، فأجاب بأفضل طريقة ممكنة. ألباريس أكد أن “المغرب بلد صديق وشريك استراتيجي من الدرجة الأولى بالنسبة لإسبانيا والاتحاد الأوروبي. وهذا الأمر معترف به من قبل كافة بلدان الاتحاد الأوروبي“.

وشرح الوزير الإسباني أهمية المغرب الذي يعد حليفًا أساسيًا في عدة مجالات لمدريد وبروكسل. “إنه شريك استراتيجي في مكافحة المافيا التي تتاجر بالبشر، وفي مكافحة الإرهاب. لدينا أرقام التجارة الثنائية التي لا تتجاوزها حاليا سوى الأرقام المسجلة مع الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة. علاوة على ذلك، تم إعادة فتح الجمارك في مليلية ولدينا مكتب جمركي في سبتة لأول مرة في التاريخ”، يضيف الوزير الإسباني. هذا الجواب فيه أيضا همس في أذن الجزائر التي تحاول منذ أسابيع اللعب على وتر التناغم المغربي الفرنسي للتقرب من إسبانيا. هذه الأخيرة لم تغلق الأبواب في وجه الجزائر التي كانت غضبت وعادت لوحدها وبدون شروط إلى مدريد، ولكنها تتعامل مع الجزائريين بحذر. إسبانيا ركبت القطار المغربي الفائق السرعة ولديها تذكرة صالحة إلى ما بعد 2030، ولا يمكنها أن تنتظر قطارا جزائريا غير موجود أصلا.

وبخصوص الصحراء، أشار الوزير ضمنيا إلى أن إسبانيا لا تحركها المصالح فقط، بل القيم أيضا. إن المساهمة في حل نزاع قديم طال أمده من خلال دعم الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب يدخل أيضا في إطار القيم. “ما نريده بعد خمسين عاما هو أن يكون هناك حل (لنزاع الصحراء) بين الأطراف“، وفق ألباريس. “نحن ندعم المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في مهمته، وهو الوحيد الذي يتعين عليه أن يقترح هذا الحل على الأطراف“، يضيف.

لكن المحاور أصر على أن الحكومة الإسبانية أعربت في الرسالة [التي أرسلها بيدرو سانشيز إلى جلالة الملك محمد السادس في عام 2022] عن اقتناعها بأن الاقتراح المغربي، أي الحكم الذاتي، هو الأكثر قابلية للتطبيق والأكثر واقعية. وكان الوزير الإسباني واضحا بشكل كبير جدا، عندما شدد على أن: “الموقف الإسباني بشأن هذه القضية جد معروف، وقد تجسد في الإعلان المشترك الإسباني المغربي، والذي بالمناسبة تتقاسمه معظم دول الاتحاد الأوروبي“.

ألباريس يقصد البيان المشترك الصادر، يوم 7 أبريل 2022، عقب المحادثات التي أجراها جلالة الملك محمد السادس ورئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، الذي قام بزيارة للمملكة، وذلك في إطار المرحلة الجديدة من الشراكة بين البلدين.

وقد أكدت النقطة الأولى من أصل 16 المتضمنة في الإعلان/خريطة الطريق على ما يلي: “إن إسبانيا تعترف بأهمية قضية الصحراء الغربية بالنسبة للمغرب، فضلاً عن الجهود الجادة والموثوقة التي يبذلها المغرب في إطار الأمم المتحدة لإيجاد حل مقبول للطرفين. وفي هذا الصدد، تعتبر إسبانيا أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي قدمها سنة 2007، تشكل الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل هذا النزاع”. أشار ألباريس إلى البند الأول من الإعلان المشترك في رسالة مشفرة: إسبانيا تراهن على المغرب كليا رغم اللقاء الذي جمع ألباريس بنظيره الجزائري قبل أسبوعين في جنوب إفريقيا ورغم الاجتماع بين وزير الداخلية الإسباني ونظيره الجزائري قبل أسبوع في مدريد. الصور تبقى صور، والمواقف مواقف.

وإذا كان الوزير ألباريس أوضح في الحوار على أن الدولة الإسبانية تعمل على وضع استراتيجية جديدة بخصوص سياستها الخارجية، كي تتلاءم مع تحديات السياق الدولي والإقليمي الحالي، فإن خوضه بالتفصيل في العلاقات الثنائية مع المغرب ودعمه لمقترح الحكم الذاتي يؤكد جليا أن إسبانيا قد تقدم في الشهور المقبلة على خطوة إيجابية وأكثر جرأة. إسبانيا رأت كيف كان لها موقف متقدم على فرنسا، لكن الديك الفرنسي جاء من بعيد وتصدر المشهد، ودعم السيادة المغربية على الصحراء، وهو الأمر الذي سيشجع الثور الإسباني على استدراك هذا التأخر رغم المغازلة الجزائرية (coqueteos argelinos) في الأسابيع الأخيرة.

التصنيف : اسبانيا الصحراء