20 يونيو 2026 / 06:17

بيت الصحافة

ميغيل آنخيل رودريغيز ماكاي، وزير الخارجية السابق لدولة البيرو، لـMares30: نريد من حكومة البيرو أن تفتح قنصلية لها في الداخلة لتعزيز علاقاتها مع المغرب (الحوار الكامل)

Mares30 - 25 يناير 2025

حاوره توفيق سليماني

ترجمة: د. محمد الشاربي

 تمكن المغرب في العقد الأخير من تحقيق إنجازات دبلوماسية كبيرة في القارة الأمريكية اللاتينية، بحيث استطاع التموقع في بعض البلدان التي كانت حاضنة ومعقلا للأطروحة الانفصالية التي ما فتئت تدعو إليها البوليساريو بدعم صريح من الجزائر وجنوب إفريقيا. وكما حدث ويحدث في إفريقيا منذ يناير 2017، تاريخ عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي، قامت العديد من الدول التي كانت السبَّاقة للاعتراف بالبوليساريو في أمريكا اللاتينية بتجميد العلاقات أو قطع وحتى سحب الاعتراف بالجبهة.

 

ولا يمكن التطرق لملف الصحراء في علاقته بالقارة الأمريكية اللاتينية دون الاستماع والقراءة للأصوات الحكيمة والعارفة بالملف في هذه القارة. كل هذا دفعنا في جريدة “مارس 30” إلى إجراء حوار مع واحد من أكبر المهتمين بقضية الصحراء والمتخصصين في القانون الدولي، والعارف أيضا بخبايا الدبلوماسية وتعقيداتها. يتعلق الأمر بالسيد ميغيل آنخيل رودريغيز ماكاي، وزير الخارجية السابق لدولة البيرو.

 

في هذا  الحوار، يسلط الدبلوماسي والخبير السياسي البيروفي رودريغيز ماكاي الضوء على موضوع الصحراء لفهم مستجداته والسبب الذي يجعل الجزائر تعرقل كل مسارات التسوية. كما يتحدث أيضا حول العلاقات الثنائية بين المغرب ودولة البيرو، بشكل خاص، وأمريكا اللاتينية؛ بشكل عام، وأيضا سر نجاح الدبلوماسية المغربية، بالإضافة إلى مواضيع أخرى. 

 

السيد الوزير، كيف تنظرون إلى المغرب على مستوى الساحة الجيوسياسية الإقليمية والعالمية الحالية؟

أرى أنها دولة قوية تتطور بشكل متزايد في القارة الإفريقية ومتمكنة أيضا على الصعيد الدولي. ما أقوله الآن ليس انطباعا ظرفيا، بل هو نتيجة لعملية عميقة ورسمية لتحقيق مكانة متميزة في النظام الإقليمي والدولي.

 

إن المغرب ليس دولة هامشية على مستوى العلاقات الدولية، بل هي دولة ناشئة في النظام الإفريقي والعالمي. ما حققه المغرب لم يكن مجرد صدفة.

 

لقد تمكنت المملكة المغربية، بقيادة ملكها (صاحب الجلالة الملك محمد السادس)، من التخطيط للمستقبل بشكل جيد، ورغم أننا لا نرى اليوم كل ثمار هذه الرؤية الوطنية، إلا أنني مقتنع بأنها دولة لها تصور واضح للغاية بشأن ما تريد الوصول إليه في المستقبل. الاشتغال بمنظور واضح وصحيح هو الشيء الأكثر أهمية بالنسبة للمغرب، ولذلك فإن كل التغييرات والتعديلات على الصعيد الداخلي المغربي في ما يتعلق بالبنية التحتية والحكامة قد سمحت للمغرب باكتساب القوة والسمعة. وهذا ما يفسر نجاحاته الدبلوماسية الهائلة في قضية سيادته على الصحراء الغربية.

 

لقد كان من الصعب للغاية الحصول على رد إيجابي من المجتمع الدولي الذي يتجلى في دعم كبير لسيادته غير القابلة للنقاش على الصحراء، لو لم يصنع مكانته وسمعته الدولية المعترف بها انطلاقا من مسلسله الوطني المتماسك والمخطط له بشكل جيد للغاية.

 

في المجتمع الدولي، تصبح البلدان ذات مصداقية وجديرة بالثقة عندما تظهر التزامها العميق بشؤونها الداخلية، والذي يترجم إلى احترام كبير لتنمية شعوبها. كيف يمكن للمغرب أن لا يكون موثوقا به وجديرا بالثقة وهناك سياسة دولة تروم تحويل الصحراء الكبرى إلى فضاء مليء حقا بالحداثة والتنمية لصالح سكانها الصحراويين الذين ينخرطون تماما، بحرية وطواعية، مع المغرب، الذي هو وطنهم التاريخي والدائم.

 

ذكرتم أن المغرب يتطور باستمرار وقلتم أيضا إن المغرب بدأ يتفوق على جنوب إفريقيا. كيف ترون، انطلاقا من أمريكا اللاتينية والبيرو، نجاح المغرب خلال هذه العقود الأخيرة؟ أين يكمن سر هذا النجاح، في نظركم؟

يكمن ذلك في اعتبار الوحدة الوطنية المغربية، التي استطاع الملك محمد السادس أن يجسدها باعتبارها سبب وجود الدولة، كشيء مهم للغاية وأولوي. لقد استطاع الشعب أن يستجيب لدعوة ملكه نحو تحقيق النمو والتطور. أقول هذا لأنه في البلدان التي يوجد فيها صراع داخلي مستمر، من الصعب جدًا بناء المستقبل بمجرد خطة أو دليل.

 

إن بلدي، البيرو، الذي أحبه كثيرًا، يعيش غارقًا في الاستقطاب السياسي والانقسام التاريخي الذي لا يسمح لنا بالتخطيط لمستقبلنا، على الرغم من توفره على إمكانات هائلة.

 

إن المغرب يعرف جيدا ما يريد، وقد حرص الملك على إيصال هذه الرسالة إلى كل شعبه، وهذا أمر مثير للإعجاب، سواء من حيث وضوح الملك الذي يقود البلد أو من حيث استجابة الشعب له. أو بعبارة أخرى: إن جوهر الوجود الوطني للمغرب هو وحدته الترابية، وهذا الأمر متجذر في نفوس المغاربة منذ الصغر.

 

وهذا هو السبيل الوحيد لتفسير الحدث الوطني الرائع المتمثل في استجابة الشعب المغربي لدعوة ملكه الراحل الحسن الثاني، والد الملك محمد السادس، للقيام بما يسمى بالمسيرة الخضراء. لم يُجبر أحد على القيام بذلك. وهنا يكمن سحر هذا البلد حيث يعرف الجميع بشكل واضح ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.

 

على ضوء ما سبق، هل يمكننا القول إن المغرب حسم بشكل تام قضية الصحراء وأن انهيار البوليساريو كليا أصبح مسألة وقت فقط؟

أود أن أقول بثقة مطلقة وبدون تعالي إن المغرب نجح في إظهار للدول الإفريقية والعالم أنه بلد يتمتع بمصداقية فيما يتعلق بقضيته الوطنية لأنه استطاع إثبات الحقيقة الوحيدة في هذا الصدد، وهي سيادته على الصحراء الغربية، التي لا تقبل الجدل أو النقاش. وقد ترجم هذا الواقع إلى اعتراف العديد من دول العالم بسيادته المذكورة،  فضلاً عن موافقة أغلبية الدول على مقترحه المتعلق بالحكم الذاتي للصحراء المغربية، والذي قدمه الملك محمد السادس للأمم المتحدة في عام 2007. 

 

إن ما سبق ذلك لا يعني أن المغرب كان يمشي معصوب العينين. ولهذا، ما لفت انتباهي أكثر في الدبلوماسية المغربية هو الواقعية التي تدافع بها عن قضية الصحراء، وتدرك أيضا أنه على الرغم من الحصول على دعم دولي ساحق لفائدة قضيتها المتعلقة بالسيادة على الصحراء، إلا أن هناك عقبة واحدة لا تزال قائمة، وهي الجزائر، التي أصبحت الآن بالفعل عقبة صغيرة وضعيفة في إفريقيا وبالطبع في العالم أيضا.

 

لماذا تصر الجزائر على أن تبقى حجرة عثرة في طريق المغرب؟ فهل تريد الجزائر فقط منع المغرب من التقدم أم أن لها نوايا ومخططات أخرى؟

إن مشكلة الجزائر تكمن في نظامها وسلطاتها التي لم تقرر منذ خمسين عاما قبول الواقع الجيوسياسي الوحيد الممكن. سأشرح بطريقة أخرى: ليس هناك أي طريقة و ليس من الممكن أن تصبح الجزائر دولة أطلسية وبالتالي ليس من الممكن أن يكون لها منفذ إلى المحيط الأطلسي كما كانت تزعم منذ غيرت مسار جبهة البوليساريو، الخاضعة لسيطرتها بالكامل والتابعة لأهوائها ونزواتها. 

 

فبالرغم من أن البوليساريو نشأت في الأساس لمواجهة الاحتلال الإسباني من أجل قضية المغرب، إلا أنها تحولت فجأة في السبعينيات ضد الوحدة الترابية للمغرب، وسقطت بالكامل في لعبة وتلاعب الجزائر. لقد قاما معا بإنشاء، في خضم هذه الحيلة، وبشكل غير مسؤول “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” الوهمية، والتي لا وجود لها بالنسبة للقانون الدولي وأفضل دليل على ذلك هو أنها غير معترف بها من قبل الأمم المتحدة، لأنها ببساطة ليس لها أي وجود قانوني.

 

وتجد الجزائر صعوبة في تقبل وضعها الجيوسياسي الضعيف مقارنة بالمغرب. إن عنادها ليس له حدود. ولهذا السبب خلقت مشكلة الصحراء الغربية التي لم تكن مشكلة أبدا لأن الساكنة الصحراوية حافظت دائما على علاقاتها مع سلطان المغرب، ووافقت طواعية وبكل حرية على انضمامها إلى المملكة.

 

لقد أدخلت الجزائر نفسها في هذا الطريق للتآمر على تاريخ هذه العلاقة وهذه الروابط. ولهذا السبب، من وجهة نظري، هي المسؤولة الأولى عن المشكلة. لقد خلقت هذه المشكلة قبل خمسين عاماً، والآن ينبغي عليها القيام بحلها. ولذلك، فإن القرار الأخير رقم 2756 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة دعا عملياً إلى الجلوس إلى طاولة النقاش لقبول، وبشكل عقلاني، الواقع الوحيد الملائم: سيادة المغرب على الصحراء الغربية.

 

الجزائر لا تتعلم من أخطائها. قطعت علاقاتها مع إسبانيا بعد أن قامت مدريد بدعم مخطط الحكم الذاتي، ثم فعلت الشيء نفسه مع فرنسا. بينما لم تستطع قطع علاقاتها مع الولايات المتحدة وألمانيا بالرغم من دعمهما لمغربية الصحراء. هل هناك أمل في أن تعود الجزائر إلى رشدها وتغير موقفها تجاه المغرب؟

تعيش الجزائر واحدة من أكثر اللحظات حرجا أمام المجتمع الدولي. تتخاصم مع الجميع وتمر من خيبات جد كبيرة كدولة: العزلة.

 

إن الجزائر تتحول، بسبب أهوائها وموقفها المعاندة تجاه قضية الصحراء المغربية، إلى دولة منبوذة، وبصفتي خبيرا في القانون الدولي والعلاقات الدولية، أحذرها من أن هذا الأمر هو سيئ للغاية بالنسبة للمصالح الوطنية لجميع الجزائريين.

 

لقد كان خطأ كبيرا التخاصم مع إسبانيا وفرنسا، الدولتين اللتين كانت لهما صلة مباشرة في تاريخ المغرب خلال القرن العشرين، بشكل أساسي، واللتين تبنتا موقفا رسميا مسؤولا ومتماسكا، يعترف بسيادة المغرب على الصحراء. كانت مواقف مدريد وباريس واضحة جدا. وبسبب ذلك، فضلت الجزائر للأسف الرد على ذلك وبشكل غير ذكي.

 

لقد حان الوقت لكي تعود الجزائر إلى رشدها وتتخلى عن نواياها غير المتزنة فيما يتعلق بالفوسفات التي تم العثور عليه في الصحراء المغربية وفيما يتعلق أيضا برغبتها في الولوج مهما كلف الأمر إلى المحيط الأطلسي باستخدام كيان وهمي ودمية اسمها “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” التي ليس لها أي قيمة.

 

في القرن الحادي والعشرين، يطالب القانون الدولي جميع الدول بالتحلي بالانسجام والعقلانية، وهذا ما ننتظره من الجزائر، التي بعد أن ابتعدت عن إسبانيا وفرنسا، عرفت كيف تبقي علاقاتها مع الولايات المتحدة.

 

هل تتوقعون أن وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض سيؤدي إلى تسريع ترسيخ مخطط الحكم الذاتي وانهيار البوليساريو؟

أشكركم على هذا السؤال لأنه يسمح لي بتوضيح المزيد من الأشياء حول الجزء الأخير من السؤال السابق.

 

الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة في العالم، وإذا لم تفهم دول مثل الجزائر هذا الواقع، فهذا يعني أن شيئاً خطيراً للغاية يحدث داخل هذا البلد.

 

يجب على النظام الجزائري أن يدرك أننا لا نعيش في عالم ثنائي القطب أو في عالم الحرب الباردة. لقد انتهى زمن التكتلات الأيديولوجية الرأسمالية والشيوعية. إن دونالد ترامب، الذي سيتولى قريبا ولايته الثانية، سيتحلى بالبراغماتية إلى حد كبير للغاية في السياسة الدولية، ويجب على الجزائر أن تدرك هذا جيدا، وينبغي أن تتذكر أن ترامب هو الذي اعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية وأشاد بمقترح الحكم الذاتي للصحراء الذي تم تقديمه أمام الأمم المتحدة.

 

أعتقد أن ترامب سيبذل قصارى جهده الآن لإنهاء هذا الفصل السخيف في المغرب الكبير، والذي تم إنشاؤه على وجه التحديد بشكل غير مسؤول من قبل الجزائر، التي أرى أن نظامها لن يطلق النار على نفسه، بحيث لن يتحرك أو يعمل ضد مصالح جميع الجزائريين.

 

لقد جاء ترامب إلى الحكم لإنهاء الصراعات وسيعمل مع فلاديمير بوتن لمنع الحرب مع أوكرانيا. ولن يكون أمام الجزائر خيار آخر سوى الانضمام إلى منطق التحالفات الجديدة من أجل السلام والاستقرار في مختلف أنحاء العالم، ولذلك لا ينبغي لها أن تحلم بأن موسكو ستبقى على وضعها السابق، بل ستتغير أيضا. لقد تغيرت الأمور ولم تعد لعبة الشطرنج الدولية في صالح الجزائر العنيدة.

 

إذا لم تتغير الجزائر فإن العالم سوف يدير لها ظهره، وفي هذه الحاله لا أستطيع أن أتخيل مدى التفكك الذي يطال الجبهة الداخلية الجزائرية. ولكن إذا تغيرت الجزائر، فمن حقها أن تحظى بدعم المجتمع الدولي، بدءا بالمغرب نفسه، الذي انتهج سياسة خارجية أثبتت جدواها في الانفتاح والتضامن وحسن الجوار في منطقة المغرب الكبير وفي مختلف أنحاء إفريقيا، وبطبيعة الحال، العلاقات المتبادلة مع مناطق أخرى من العالم.

 

كيف تقيمون الوضع الحالي للعلاقات بين المملكة المغربية وجمهورية البيرو؟

يمكنني القول بأنها تحسنت رغم الخطأ أو التهور الذي ارتكبته حكومة الرئيس السابق بيدرو كاستيو، الذي اختار إعادة تفعيل العلاقات الثنائية مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية المزعومة، بدعم من قبل قطاعات يسارية في البلد، بالإضافة إلى المواقف المتذللة لوزراء الخارجية الذين لم يفكروا إلا في كيفية الحفاظ على مناصبهم الوزارية، ضاربين عرض الحائط مبادئهم وقناعاتهم القانونية والسياسية. 

 

عندما كنت وزيرا للخارجية، صححت الحكومة المسار وقررنا القطع نهائيا مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، لكن كاستيو تراجع عن قراره بعدما تم نصحه بشكل سيئ من طرف آخرين، مما تسبب في استقالتي الفورية. تجدر الإشارة إلى أنه من بين 78 وزيرًا في حكومة الرئيس السابق بيدرو كاستيو، كنت أنا الوحيد الذي استقال بشكل لا رجعة فيه.

 

عند سقوطها في ديسمبر 2022، وتشكيل الحكومة الحالية للرئيسة دينا بولوارتي، تقرر بسعادة تعليق جميع العلاقات مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، ولهذا السبب تحسنت العلاقات مع المغرب، لكنها لم ترقى بعد إلى المستوى المتوقع الذي تركناها عليه. ستعود إلى ذلك المستوى عندما يتم القطع نهائيًا مع ذلك الكيان. وهذه كانت أبعد نقطة وصلنا إليها عندما كنت رئيسًا للدبلوماسية في بلدي.

 

هل يمكننا أن ننتظر خلال هذا العام دعما واضحا من حكومة البيرو لمخطط الحكم الذاتي للصحراء، كما فعلت مجموعة من القوى العالمية الكبرى وأيضا عدد من دول أمريكا اللاتينية؟

أتمنى أن يحدث ذلك. أنا رجل متشبث بالإيمان والتفاؤل. رغم أن انتقادي للحكومة الحالية معروف وعلني، فأنا أبقى رجل دولة ومؤسسات إلى حد كبير. ولذلك أقول إنه على الرغم من كون أن الرئيسة بولوارتي تحظى بترحيب قليل في بلدي وهذا لا يتعارض مع تحركاتها وقراراتها الرسمية، أعتقد أن الحكومة التي ترأسها الآن يجب أن تتحرك بسرعة وتمضي قدما مع المغرب من خلال تعزيز العلاقات بينهما. وسيكون من الإيجابي جدا والفعال للغاية أن تفتح البيرو قنصلية لها في مدينة الداخلة، في قلب الصحراء المغربية، كما فعلت العديد من الدول الأخرى.

 

وسيكون ذلك بمثابة اعتراف قانوني بسيادة المغرب على الصحراء، وسيكون أيضًا موقفًا متبصرا للحكومة البيروفية، والذي سيتم تقديره وتثمينه بشكل كبير جدا، بالنظر إلى مصالحنا الوطنية في إفريقيا والمحيط الأطلسي. ستكون فرصة عظيمة جدا لربط ميناء شانكاي (Chancay) العملاق، الذي بدأ للتو، بالموانئ المغربية العملاقة بمدينتي طنجة والداخلة، هذا الأخير يوجد الآن في طور الإنجاز، وسبق أن قمت بزيارته من قبل. يتعين علينا أن نتطلع إلى المستقبل في نظرتنا الجيوسياسية. ليس كل شيء في المحيط الهادئ. العالم يتغير والجغرافيا السياسية تتبدل أيضا، أي أنه لا يوجد شيء ثابت في العلاقات الدولية.

 

لماذا لم يتمكن المغرب والبيرو من إقامة علاقات تجارية واقتصادية ترقى إلى مستوى علاقاتهما السياسية والدبلوماسية والبرلمانية؟

أشكركم على هذا السؤال وسأرد عليكم بما قدمته أمام الأكاديمية الشريفة للمملكة المغربية بمناسبة دورتها الخامسة والأربعين في أبريل 2018 والتي كانت تحت عنوان “أمريكا اللاتينية.. أفقاً للتفكير”. ما يقع هو أن أمريكا اللاتينية لم تستطع بعد توجيه أنظارها نحو المحيط الأطلسي، وبالتالي نحو القارة الإفريقية. وهذا خطأ ترتكبه بلدان المنطقة، بما في ذلك دولة البيرو.

 

لنكن واقعيين. لا تقوم الطبقات السياسية بجعل شعوب المنطقة ينظرون نحو إفريقيا. هذه مسألة ثقافية تحتاج إلى التغيير، أو بالأحرى، تحتاج إلى التصحيح، لأن الكثير مما نعرفه عن المغرب والعالم العربي وصل إلينا عبر إسبانيا. وهذا الأمر واضح وضوح الشمس.

 

لذا، ينبغي إدراج هذه المسألة في المناهج الدراسية. هذا سيسمح بجعل شعوبنا تنظر إلى إفريقيا والمغرب بطريقة مختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يُنظر إلى المغرب على أنه بعيد ولا أعتقد أن ذلك بسبب المحيط الأطلسي، الذي هو مثل المحيط الهادئ تقريبا، ولكن لأننا نعتقد أنه بعد جبال الأنديز وغابات الأمازون الكثيفة لا يوجد شيء أو توجد أشياء قليلة جدًا، ويتصور أيضا أن أي عملية أو تحرك في هذا الاتجاه في العالم يعتبر أمرا مكلفا.  

 

أعتقد أنه ليس هناك استراتيجية للنظر أو التفكير في  إفريقيا بعمق اقتصادي وتجاري، ويجب أن تكون لرجال الأعمال لمنطقتنا ثقة أكبر، وخاصة في هذه الأوقات التي نعيش فيها في عالم مترابط وبلا حدود.

 

يواصل المغرب توسيع نفوذه في أمريكا اللاتينية. ما هو سر هذا التغلغل أو الإختراق الناجح للدبلوماسية الرسمية والبرلمانية في أمريكا اللاتينية؟

أعتقد أن هذا يرجع بالأساس إلى احترافية وفعالية دبلوماسية البلد. إن المغرب يعرف كيف يكسب الأصدقاء، وهذه ميزة مهمة للدولة التي يجب إبرازها دائما. يسهل على المغرب كسب المزيد من الأصدقاء لأن ممثلو البلد يتحدثون وينشرون فقط الحقيقة. الحقيقة دائمًا تجد أبوابا مفتوحة أمامها أينما ذهبت. وهذا ما تميزت به المملكة المغربية.

 

إن المغرب يعرف كيف يستثمر في التعريف ببلاده لدى المواطنين من مختلف أنحاء العالم. إنها أفضل طريقة لجعل السياسيين أن تكون لهم فكرة واضحة وشاملة عن البلد وثقافته وقضاياه، إلخ.

 

أريد استحضار الزيارة التي قام بها الملك محمد السادس إلى دولة البيرو في عام 2004. أتذكرها وكأنها حدثت بالأمس، لأنني في ذلك الوقت كنت أشتغل في وزارة الخارجية وكان هناك الكثير من التطلعات بشأن مجيئه إلى البيرو. لقد تابعنا، نحن الخبراء الدوليين، عن كثب الزيارة الرسمية التي قام بها العاهل المغربي.

 

أعتقد أنها كانت نقطة تحول مهمة للغاية في التقارب السياسي والدبلوماسي بين البيرو والمغرب. ينبغي للرئيسة بولوارتي أن تتخذ الخطوة التي ذكرتها سابقا، أي أن تقرر فتح قنصلية للبيرو في الداخلة، والسفر إلى المغرب بمناسبة افتتاحها، وهذا سيرقى بالعلاقات الثنائية إلى مستوى أفضل. 

 

نعرف أن الخطوط العريضة للدبلوماسية المغربية يحددها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي يشدد على أهمية إقامة علاقات متميزة مع بلدان أمريكا اللاتينية. وهذا يتطلب أيضا وجود شخص مناسب لقيادة هذه الدبلوماسية بشكل جيد. باعتباركم كوزير خارجية سابق، كيف تنظرون إلى العمل الذي يقوم به وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة منذ عام 2016 ومساهمته في تعزيز العلاقات بين المغرب وأمريكا اللاتينية؟

أود التأكيد على أن المغرب لديه وزير خارجية متميز جدًا. تجده في كل مكان. دائما يقوم بأعمال دبلوماسية وينسج علاقات لربط بلاده بالعالم أجمع، ملتزما بشكل تام بتعليمات جلالة الملك محمد السادس، وهذا يستحق فعلا الإشادة والتنويه.

 

عندما كنت وزيرا لخارجية بلدي (البيرو)، تحدثنا عبر الهاتف حينما اتخذت الحكومة البيروفية قرارا رسميا بقطع علاقاتها نهائيا مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. لقد رأيته كله عزم من أجل تحقيق أهداف المملكة. وبعد أن التقينا بمناسبة زيارتي الأخيرة إلى الرباط للمشاركة في اجتماع لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، التي يترأسها المغرب، كانت فرصة لأعرب فيها عن امتناني لدعمه القوي لبيرو لإنهاء الأزمة الحادة المتعلقة بالأسمدة التي كانت تعاني منها البلاد خاصة في الوقت الذي كنت فيه وزيراً. 

 

لقد كلفني الرئيس السابق بيدرو كاستيو شخصيًا بمحاولة البحث من أجل إيجاد حل للمشكلة خارجيا، وكان المغرب، من خلال وزير خارجيته ناصر بوريطة وسفيره المتميز هنا في ليما، أمين الشودري، مهما للغاية من أجل تحقيق ذلك، وهنا أود أيضًا أن أشير إلى جهود السفير المغربي السابق، يوسف بلة. كلهم يشتغلون كفريق واحد في إطار السياسة الخارجية للدولة وهذا أمر مثير للإعجاب. وما وقع بعد ذلك تبقى قصة معروفة.

 

يوجد بوريطة في القيادة ولديه سلك دبلوماسي يعمل معه باستمرار من أجل خلق اتفاقيات وإنشاء تحالفات وفتح الأبواب ومد الجسور. باختصار، أقدر ما يقوم به وزير الخارجية المغربي.

 

والآن نمر للحديث عن البيرو. نريد منكم تشخيصا للحياة السياسية الحالية في بلدكم؟

سأكون مختصراً في هذه المسألة، لأنه باعتبار أن بلدي لا يعيش الآن أفضل لحظاته فلن يكون من الجيد أو الملائم لأي مواطن بيروفي، ناهيك عن وزير خارجية سابق، أن يتحدث عن بلاده في لحظات حرجة مثل التي يمر بها البلد الآن. أحس أننا تراجعنا أو ركدنا سياسيا. مرور 6 رؤساء فقط في 7 سنوات هي إحصائيات سياسية لا تدعو إلى الفخر. ومن المفارقات أنه على الرغم من وجود طريق جيد نحو تحقيق النمو الاقتصادي، -ولم أقل التنمية لأن هذا لا يوجد-، فإن الصراعات السياسية تتزايد وتسيطر على الأجندة الوطنية للبيروفيين.

 

أنا أكاديمي دخلت السياسة وخرجت منها مرفوع الرأس وأنا سعيد بخدمة بلدي، وأقول الأشياء بصراحة. أنا منظّر وباحث أعرف كيفية إستخدام البراغماتية عندما يكون ذلك مطلوبًا، والبيرو بحاجة إليها اليوم. أنا أعيش وأفكر طوال الوقت كرجل دولة، وآمل أن يحكم البيرو رجل دولة يتمتع بشخصية قوية (كاريزما) ولا يخاف من اتخاذ القرارات ولا تكون له أحكام مسبقة.

 

لقد وصلنا إلى الذكرى المئوية الثانية للجمهورية وما زلنا دولة متخلفة. هذا ليس معقولا. يتعين علينا إعادة هندسة رؤيتنا الوطنية وإعطاء إشعاع للبيرو من منظور دولة، وبخطة وطنية واحدة، مثل ما يقوم به المغرب. ومن أجل ذلك يتعين علينا الاستثمار في التعليم الحقيقي والعميق، وإلا فإننا سنستمر في صب الماء في الرمل. وكما قال خورخي باسادري، أعظم مؤرخ لجمهورية البيرو، “إن دولة البيرو أكبر بكثير من مشاكلها”. ولهذا، لدي إيمان بأن كل شيء قد يتغير.

 

التصنيف : أمريكا اللاتينية حوارات