20 يونيو 2026 / 03:06

بيت الصحافة

“سالومي” المغربية في مرآة الفن الاستشراقي 2/2

مارس 30 - 21 ديسمبر 2024

يوسف أكمير/ خورخي كاربونيل

يوضح كلرين أنه في بداية سبتمبر 1870، عندما عاد هو ورينو إلى باريس للقتال في الحرب الفرنسية البروسية، تم إرسال عايشة شما إلى جنوب البلاد. لكن سرعان ما تم تحديد مكانها من قبل السلطات المغربية وعادت إلى طنجة، حيث سُجنت في سجن القلعة. وقد تدخل القنصل الفرنسي، الذي كان يعرفها منذ أن كانت تعمل مع الفنانين، ليخرجها من السجن كي تشتغل معه في الأعمال المنزلية بمقر المفوضية الفرنسية في طنجة.

 

لم ينج رينول من الحرب، حيث قُتل برصاصة في الرأس خلال معركة بوزنفال في 18 يناير 1870. أما كلرين، فقد عاد إلى طنجة في يوليو 1871 هاربًا من القمع الدموي لكومونة باريس. وهناك، التقى مرة أخرى بعايشة شما، التي عادت للاستقرار في المنزل الواقع بشارع الكنيس. في هذا المنزل، رسم كلرين أهم أعماله المتعلقة بالمغرب، وفي أكتوبر ونوفمبر من نفس العام، حقق أيضًا إحدى الأمنيات التي كان يتشاركها مع صديقه الراحل رينول، وهي استكشاف المغرب من الداخل، حيث سافر إلى مدينة فاس برفقة القنصل “تشارلز تيسو” لتقديم أوراق اعتماده للسلطان.

 

قبل مغادرة كْلرين الأخيرة إلى باريس، ألحّت عايشة عليه بأن ترافقه، إذ كانت تعتبره حاميها ومصدر رفاهيتها. ورغم رفضه القاطع، وعدته عايشة بأنها ستلتقي به في فرنسا عاجلاً أم آجلاً.

 

بعد رحيل كْلرين، عادت عايشة لتعيش تحت حماية القنصل الفرنسي وتعمل في مطبخ المفوضية، حيث تعرفت على مجموعة من المحميين، معظمهم من اليهود المغاربة. وهذا ما جعل البعض يعتقد أن عايشة كانت من أصل يهودي، وهو اعتقاد غير صحيح. ويصفها الدبلوماسي والكاتب “موريس باليولوج”، الذي كان يشغل منصب أمين سر المفوضية الفرنسية في عام 1883، في مذكراته الشخصية  قائلا:

“سالومي”، بلعبة القدر الغريبة أراها دائمًا مرتدية سترة صفراء، ووركيها مشدودين بحزام أرجواني عريض، وساقيها مغطاة بتنورة شيفون شفافة مزينة بخطوط ذهبية. لقد أصبحت اليوم طباخة في مفوضية فرنسا، وفي كل صباح، عندما أذهب بحصاني إلى إسطبل المفوضية، أراها مشغولة بأعمالها المنزلية”.

عايشة شامة بنت العربي في اللوحة التي رسمها الفنان المستشرق الأمريكي “فريدريك آرثور بريدمان” Frederick Arthur Brigdman عام 1883، وسماها “عايشة امرأة من المغرب”، وهي موجودة في متحف نيوارك بولاية نيوجيرسي.

 

راودت عايشة في تلك الفترة فكرة الهجرة إلى فرنسا. وسرعان ما غادرت في نفس العام مطبخ القنصلية وسافرت إلى وهران ثم إلى الجزائر العاصمة حيث ركبت الباخرة متجهة نحو فرنسا. وفي مرسيليا، أمضت بضعة أيام تتجول في ميناء المدينة، إلى أن حالفها الحظ والتقت بمحض الصدفة بالفنان “بنيامين كونستانت” الذي كان عائداً من إقامته في طنجة، حيث أعطاها بعض من المال و دلها على عنوان جورج كلرين في باريس. وصلت عايشة بشكل غير متوقع إلى منزل كلرين، الذي لم يكن سعيدًا كثيرًا بلقائها مجَددًا في باريس. وللتخلص منها، منحها بعض المال وقدمها إلى عارضة أزياء من أصل إثيوبي، والتي ستساعدها في استئجار غرفة من تاجر نبيذ إسباني كان يمتلك نزلًا هناك. سترافق عايشة صديقتها الجديدة لتدخل هي أيضًا عالم الموضة وتعمل كعارضة أزياء. وقد أشار كلرين إلى أنها كانت من أبرز عارضات الأزياء في باريس، حيث وصفها قائلاً: “شامة عارضة أزياء استثنائية. تمكنت من التألق في عالم الموضة بسرعة كبيرة. كانت تتمتع بجمال وذكاء، وكانت تتقاضى أجوراً مرتفعة. إنها المرأة المغربية الوحيدة في باريس التي كانت تعرف كيف تعقد ساقيها بأسلوب شرقي، وهي ظاهرة نادرة لا يمكن العثور عليها حتى بين أفضل العارضات الفرنسيات المدربات على تقليد العادات العربية”.

 

لا نعرف الكثير عن نشاط عايشة المهني بباريس، لكن يبدو أنها عملت أيضا كعارضة اللوحات الفنية، وهو ما يؤكده لنا الرسام الأمريكي “فريدريك آرثر بريدجمان” الذي كان مستقرا في ذلك الوقت بنفس المدينة وأراد تخليد هذه المرأة في لوحته الزيتية “عايشة، امرأة من المغرب” (متحف نيوارك نيوجيرسي). ويبدو أن دخول عايشة عالم الموضة قد أتاح لها حياة مليئة بالرفاهية، مما جعل أحد أغنياء باريس يقع في حبها، لكنه سرعان ما تخلى عنها. ويتذكر كلرين عندما التقى بها برفقة عشيقها، حيث كانت ترتدي ملابس فاخرة وأنيقة وقبعة مزينة بالريش.

 

على مر السنوات، ابتعدت عايشة شامة عن عالم الموضة وتوقفت عن الظهور، مما أدى بها إلى الوقوع في بؤس عميق. ويبدو أنها تلقت خلال هذه الفترة الدعم من الرسام المستشرق “غوستاف غيوم”Gustave Guillaumet ، الذي كانت تناديه بحب “بوالدها”. في عام 1888، نشر الصحفي والمؤرخ تشارلز فيرمايتريسCharles Virmaitresمقالًا في مجلة Paris-Palette، حيث أكد أنه رأى عايشة شامة في ساحة سانت ماري في مونمارتر، ووصفها بهذه العبارات:

“عندما تمر بساحة سانت ماري في مونتمارتر، ستقابل فتاة طويلة ونحيفة بشكل مقلق، عيونها الداكنة والمتعبة تتلألأ كالفوانيس وسط سحابة من الضباب، وشعرها كثيف ومجعد، تمشي بتمايل. إنها عايشة، المرأة التي كانت عارضة الرسام هنري رينول في لوحته “سالومي”. وقد وصف فيرمايتريس عايشة بأنها كانت تعاني من اضطرابات عقلية إلى حد ما. عندما كانت تلتقي بأحد المارة، كانت تقترب منه وتروي له مآسيها طلبًا للمساعدة. وإذا لم تتلقَ المساعدة، كانت تعيد سرد قصتها بتوتر، مما يؤدي بها في النهاية إلى البكاء. يتذكر فيرمايتريس أنه عندما التقى بها، قامت بتحريك حجابها كاشفة عن شعرها الأسود الكثيف، وقالت له، “انظر، أنا هي سالومي!”. ويعبر فيرمايتريس عن تأثره الكبير بحالة هذه المرأة المسكينة متسائلا لماذا لم يسعَ الفنانون الذين يعرفونها إلى مساعدتها في العودة إلى وطنها المغرب. وحسب الكاتب جول كلاريتي، تعرضت عايشة لمرض خطير استدعى إدخالها إلى المستشفى، حيث توفيت هناك وهي تشعر بالحزن لعدم قدرتها على العودة إلى وطنها.

 

لوحة بعنوان “سالومي Salomé ” للفنان هنري ريجنولت، (1870، متحف متروبوليطان للفنون بنيويورك)

 

كانت عايشة شامة أول عارضة أزياء مغربية تعمل في باريس، لكن الظروف الصعبة التي واجهتها في طنجة، بالإضافة إلى روحها المضطربة والمكافحة، دفعتها لتغيير مسار حياتها من خلال ارتباطها بالفنانين الأوروبيين، مما مكنها من بناء مسيرتها كعارضة أو “موديل” للرسامين المستشرقين في العاصمة الفرنسية. ومع ذلك، لم تتمكن من التغلب على الفقر والاغتراب والتهميش الاجتماعي. تعتبر عايشة مثالًا على الحياة المليئة بالتحديات للعديد من النساء المكافحات المجهولات اللاتي عملن في مهن مهمشة ومحظورة في مجتمعنا المحافظ خلال تلك الفترة من تاريخ بلادنا، لكن أصولها المغربية ومسيرتها المليئة بالتجارب تجعل منها شخصية فريدة تستحق التعريف والدراسة.

الباحث والدكتور يوسف أكمير

 

خورخي كاربونيل، باحث إسباني
التصنيف : ثقافة منوعات