20 يونيو 2026 / 03:07

بيت الصحافة

غلوريا يونغ، سفيرة بنما السابقة بالمغرب، في حوار مع Mares30: قرار بنما تعليق العلاقات الدبلوماسية مع البوليساريو سيكون له “تأثير الدومينو”

Mares30 - 16 يونيو 2025

حاورها توفيق السليماني

ترجمة: د. محمد الشاربي 

 

إن قرار جمهورية بنما تعليق العلاقات الدبلوماسية مع جبهة البوليساريو، في 21 نوفمبر 2024، يدعو إلى التفكير والتحليل. ليس قرارا عاديا، بل يتعلق الأمر بقرار قد يشكل نقطة تحول في النظرة إلى نزاع الصحراء داخل أمريكا اللاتينية. قرار يمكن أن يكون له “تأثير الدومينو”.

 

ومن أجل فهم وتحليل هذا القرار بشكل كبير، قمنا بإجراء حوار مع خبيرة كبيرة وسياسية محنكة تعرف جيدا ملف الصحراء والسياسات الداخلية والخارجية لبنما.

 

يتعلق الأمر بالسيدة غلوريا يونغ، سفيرة بنما السابقة بالرباط. حاصلة على الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية، سفيرة السلام، أستاذة، باحثة، سياسية، كاتبة، شاعرة، محاضرة دولية… في غشت 2015 تم تعيينها كسفيرة لجمهورية بنما لدى المملكة المغربية.

 

بصفتكم سفيرة سابقة لجمهورية بنما بالمملكة المغربية، كيف تلقيتم القرار الجديد للحكومة البنمية القاضي بتعليق العلاقات الدبلوماسية مع جبهة البوليساريو؟

 

كسفيرة سابقة لبنما بالمغرب، أعتبر أن القرار الأخير الذي اتخذته الحكومة البنمية القاضي بتعليق العلاقات الدبلوماسية مع “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” يمثل خطوة مهمة نحو الانخراط في عملية إيجاد حلول عملية وممكنة لنزاع الصحراء. ويعكس هذا الإجراء الاعتراف بالواقع الجيوسياسي الحالي والرهان أيضا على البدائل أو الحلول التي تعزز الاستقرار والتنمية في المنطقة.

 

ويمثل مخطط الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب عام 2007 حلا واقعيا ومستداما، والذي حظي بدعم مختلف الفاعلين الدوليين. ويسعى هذا النهج إلى منح الصحراء حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية، مع ضمان الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للساكنة الصحراوية، مع الحفاظ على الوحدة الترابية للمغرب.

 

من جهة أخرى، فإن وضعية اللاجئين الصحراويين بمخيمات تندوف بالجزائر مثيرة للقلق. على مدى عقود، عاش هؤلاء الأشخاص في ظروف صعبة، مع تقييد حريتهم في الحركة أو التنقل ومحدودية فرص التنمية. من الضروري إعطاء الأولوية لرفاهية هؤلاء السكان وكذا حقوقهم الإنسانية، من خلال توفير الحلول التي تتيح لهم حياة كريمة وإمكانية الاندماج الكامل في المجتمع.

 

في هذا السياق، يمكن تفسير قرار بنما على أنه دعم للمبادرات التي تسعى إلى التوصل إلى حل سلمي ودائم للصراع، من أجل تعزيز الاستقرار الإقليمي واحترام حقوق الإنسان. ومن الضروري أن يواصل المجتمع الدولي دعم الجهود الرامية إلى إيجاد حل متوافق عليه، يصب في صالح جميع الأطراف المعنية.

 

هل كنتم تتوقعون هذا القرار أم أنه كان قرارا مفاجئا؟

 

على الرغم من أن قرار تعليق العلاقات الدبلوماسية مع “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”  يحدث تغييرا في المشهد الدبلوماسي البنمي، إلا أنني لا أستطيع أن أقول بأنه فاجأني. مرت العلاقات بين بنما والمغرب بمراحل مختلفة على مر السنين، شهدت لحظات من التقارب ولحظات من التباعد. تجدر الإشارة إلى أنه في حكومة الرئيس ريكاردو مارتينيلي (Ricardo Martinelli) حدث نفس الشيء. وفي حكومة خوان كارلوس فاريلا (Juan Carlos Varela)، تمت إعادة ربط العلاقات الدبلوماسية مع “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”.

 

ومن المهم الإشارة إلى أن الحكومة البنمية الحالية أبدت اهتماما واضحا بتعزيز العلاقات مع المغرب، وهو ما تجلى في الإعلان المشترك الصادر في فبراير 2023، حيث أعربت بنما عن دعمها للمقترح المغربي بشأن الحكم الذاتي للصحراء في إطار الأمم المتحدة. وفي هذا الإطار، يمكن تفسير قرار تعليق العلاقات مع “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” على أنه استمرار لهذا التقارب مع المغرب ودعم موقفه حول هذا النزاع الذي دام تقريبا نصف قرن. وبصفتي سفيرة سابقة لبنما بالمغرب، فإنني أدرك أهمية الحفاظ على علاقات ثنائية بناءة مبنية على الاحترام المتبادل. وآمل أن يساهم هذا القرار في تعميق العلاقات بين البلدين وتعزيز الاستقرار في المنطقة.

 

لديكم خبرة كبيرة في المجال الدبلوماسي. كيف طبخ هذا القرار في نظركم؟

 

يعكس القرار الأخير الذي اتخذته الحكومة البنمية القاضي بتعليق العلاقات الدبلوماسية مع “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” دينامية متأثرة بالسياسة الخارجية الاستباقية للمغرب. في السنوات الأخيرة، اعتمد المغرب موقفا أكثر حزما للتعريف بشكل كبير بمقترح الحكم الذاتي للصحراء، سعيا للحصول على دعم المجتمع الدولي. 

 

وتضمنت هذه الاستراتيجية جهودًا دبلوماسية مكثفة، مثل الضغط الدبلوماسي على الدول الحليفة من أجل تغيير موقفها خدمة لمصالحها في الصحراء. علاوة على ذلك، عزز المغرب حضوره في المنظمات الدولية والإقليمية، من خلال المشاركة الفعالة في مشاريع التعاون جنوب-جنوب والتعاون الثلاثي، مما سمح له بزيادة نفوذه في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

 

في نفس السياق، عملت البعثة الدبلوماسية المغربية ببنما بشكل متواصل على تعديل الموقف البنمي حول “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، وذلك باستخدام مجموعة من الأدوات الدبلوماسية والثقافية والتعاونية. ويمكن تفسير قرار بنما على أنه نتيجة لهذه الجهود المبذولة وإعادة النظر في مصالحها الوطنية فيما يتعلق بنزاع الصحراء. ورغم أننا لا نعرف جميع التفاصيل الداخلية المرتبطة بهذا القرار، فمن الواضح أن الجمع بين السياسة الخارجية المغربية المكثفة والاستراتيجية الدبلوماسية المحددة أو المرسومة بشكل جيد قد أثر على تغيير موقف بنما. وتجسد هذه الحالة كيف يمكن تشكيل العلاقات الدولية والقرارات الدبلوماسية من خلال تفاعل وتداخل عوامل متعددة، بما في ذلك الضغط الدبلوماسي والتعاون الدولي والسير في اتجاه المصالح الاستراتيجية.

 

ماذا يمثل قرار تعليق العلاقات الدبلوماسية مع جبهة البوليساريو بالنسبة لبنما، باعتبارها أول دولة في أمريكا اللاتينية تعترف بالجمهورية الصحراوية الوهمية؟

 

يمثل قرار بنما الأخير بتعليق العلاقات الدبلوماسية مع “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” تغييرا كبيرا في سياستها الخارجية، علما أنها كانت أول دولة في أمريكا اللاتينية تعترف بـ”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” وذلك في عام 1978، ثم بدأت العلاقات الدبلوماسية في عام 1979، وتم افتتاح أول سفارة لجبهة البوليساريو في أمريكا اللاتينية مع السفير محمد عبد العزيز، هذا الأخير استقال بعد سنوات من ذلك الكيان ومثل المغرب بإسبانيا في بعثة خاصة.

 

حصل هذا الاعتراف الأول في سياق تاريخي مختلف حيث كانت بنما، تحت قيادة الجنرال عمر توريخوس (Omar Torrijos)، منغمسة في استعادة سيادتها على منطقة القناة (Zona del Canal). وفي ذلك الوقت، كان التضامن مع حركات التحرير الوطني يتماشى مع تطلعات الشعب البنمي إلى تقرير المصير. لكن الآن تطورت الديناميات الجيوسياسية. وقد اعتمد المغرب سياسة خارجية أكثر نشاطا وقدم مخطط الحكم الذاتي للصحراء في عام 2007 سعيا إلى حل النزاع الذي حظي بدعم دولي. ومن ناحية أخرى، حافظت جبهة البوليساريو على موقفها، لكنها تواجه تحديات في تنفيذ أهدافها.

 

ويعكس القرار الذي اتخذته بنما مسألة إعادة تقييم مصالحها الوطنية والتكيف أو التأقلم مع الواقع المعاصر. ومن الممكن تفسير هذا التغيير باعتباره اعترافاً بالحاجة إلى إيجاد حلول عملية وقابلة للتطبيق تساهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي والتنمية المستدامة. بالاضافة إلى ذلك، هذا القرار يسلط الضوء أيضا على أهمية مواءمة السياسة الخارجية مع الظروف الحالية، والسعي دائمًا إلى تحقيق رفاهية الساكنة المعنية واحترام مبادئ السيادة والحكم الذاتي. 

 

باختصار، يمثل تعليق بنما للعلاقات الدبلوماسية مع “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” انتقالاً من موقف التضامن التاريخي إلى موقف يسعى إلى حلول عملية في سياق جيوسياسي متغير. وتبرز هذه الخطوة قدرة بنما على التكيف مع الواقع الراهن وإعادة صياغة أو تحديد علاقاتها الدولية على أساس مصالحها والواقع الذي يشهده العالم.

 

هل سيكون لهذا القرار “تأثير الفراشة” بالنسبة للدول القليلة الأخرى التي تواصل دعم البوليساريو؟

 

من الصعب التنبؤ بشكل دقيق بما إذا كان هذا القرار سيكون له “تأثير الفراشة” بالنسبة للبلدان الأخرى التي لا تزال تعترف بـ”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”. لكن هذا القرار يمكن أن يحدث نتائج أخرى، مثل “تأثير الدومينو”. قد تقوم بعض الدول، وخاصة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، التي تقيم علاقات مع “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، بإعادة النظر في موقفها. ويمكن لبنما من خلال هذه الخطوة أن تحفز باقي الحكومات الأخرى لتحذو حذوها، سواء لدوافع سياسية أو اقتصادية، من أجل توطيد العلاقات مع المغرب.

 

ومن جهة أخرى، لا شك أن قرار بنما يعزز موقف المغرب حول الصراع الدائر في الأقاليم الجنوبية. وهذا يمكن أن يشجع المغرب على تكثيف جهوده الدبلوماسية لجعل المزيد من الدول تقوم بسحب اعترافها بـ”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”.

 

إن غياب الدعم الدولي (لمقترح البوليساريو) يمكن أن يضعف جبهة البوليساريو ويضغط عليها للتفاوض من أجل حل النزاع وفق الشروط التي يقترحها المغرب؛ غير أنني أرى أن هذا الأمر لا يزال بعيدًا بعض الشيء. لكن يمكن لبعض الدول أن تؤكد دعمها “للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” كنوع من التضامن والدفاع عن مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. 

 

ختاما، يمكن القول بأن تأثير قرار بنما سوف يكون بحسب عوامل مختلفة، مثل تطور النزاع الذي يتم مناقشته داخل الأمم المتحدة وأيضا العلاقات الثنائية بين البلدان المنخرطة في الديناميات الجيوسياسية الإقليمية.

 

التصنيف : حوارات