20 يونيو 2026 / 03:07

بيت الصحافة

“سالومي” المغربية في مرآة الفن الاستشراقي 1/2

مارس 30 - 17 ديسمبر 2024

يوسف أكمير/ خورخي كاربونيل

خلال إحدى زياراتي إلى جامعة روفيرا فيرجيلي في إسبانيا، حيث كان لي الشرف أن أقدم محاضرة، اقترح علي صديقي خورخي كربونيل، أستاذ تاريخ الفن في الجامعة، أن أتعرف على إحدى الشخصيات المغربية التي أثارت إعجاب كبار الفنانين الأجانب في أواخر القرن التاسع عشر. إنها عايشة شامة بنت العربي (طنجة 1852 – باريس 1889)، امرأة سبقت عصرها لتصبح أول عارضة أزياء مغربية في عالم الفن والموضة. انتقلت من طنجة “الدولية” إلى باريس “الجن والملائكة” لتبدأ مسيرتها في عرض الأزياء، متحدية بذلك أجمل فتيات إيطاليا وفرنسا.

عندما اطلعت على سيرة عايشة شامة، بنت العربي، زاد إعجابي بها، حيث أتاح لي ذلك فرصة استكشاف العديد من الظواهر الاجتماعية والثقافية التي ميزت المغرب في أواخر القرن التاسع عشر. وقد تمكن صديقي خورخي من إقناعي بالتعمق في هذا الموضوع، حيث زودني بمعلومات كافية لمتابعة مسيرة عايشة الفريدة من خلال نصوص جمعها من مصادر متنوعة. من بين هذه المصادر، هناك رسائل ” هينري رينول” Henri Regnault التي جمعها ونشرها “آرثور دوبارك” في عام 1872، بالإضافة إلى مذكرات الرسام “جورج كليرين” Georges Clairin التي كتبها ونشرها “أندريه بونير” في عام 1906، والتي تتضمن مجموعة من القصص الإخبارية من تلك الحقبة.

    تُعتبر عايشة ومسيرتها موضوعًا ذا أهمية كبيرة، حيث خُلدت في لوحتين فنيتين عالميتين تُعدان من أبرز نماذج الفن الاستشراقي. اللوحة الأولى هي “سالومي” التي رسمها الفنان الفرنسي رينولت عام 1870، وتوجد في متحف متروبوليتان في نيويورك. أما اللوحة الثانية، فقد رسمها الفنان المستشرق الأمريكي “فريدريك آرثور بريدمان” Frederick Arthur Brigdman عام 1883، وسماها “عايشة امرأة من المغرب”، وهي موجودة في متحف نيوارك بولاية نيوجيرسي. عملت عايشة لاحقًا كعارضة أزياء في باريس، لتصبح أول عارضة أزياء مغربية تلج عالم الفن والموضة. ومع ذلك، تظل تفاصيل حياتها الشخصية والمهنية غير معروفة، وكل ما تم جمعه عنها اعتمدنا فيه على وثائق ومصادر تحتوي على معلومات متناقضة.

في عام 1868، قام هنري رينول برحلة إلى إسبانيا برفقة الرسامين جورج كليرين وأديل دافري. خلال هذه الزيارة أتيحت له الفرصة للتعرف عن كثب على أعمال فيلاثكيث وفناني “الباروكو” Barroco في شبه الجزيرة الإيبيرية. نتيجة لهذه التجربة، قام برسم لوحة الفروسية للجنرال “خوان بريم” Juam Prim، التي نالت شهرة واسعة. في العام التالي، عاد رينول وكليرين إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، وتحديدًا إلى منطقة الأندلس، لاستكشاف جمالها ورسم لوحات في قصر الحمراء. استغل رينول وجوده هناك لزيارة المغرب في منتصف دجنبر. بينما كان صديقه كلرين مشغولًا بالرسم في غرناطة، انتقل رينول إلى جبل طارق ليعبر المضيق نحو مدينة طنجة، حيث اقتنع بأنها ستكون المكان المثالي لقضاء الأشهر القادمة، نظرًا لمناخها المعتدل والأجواء المناسبة لإعداد لوحاته الاستشراقية حول التاريخ الأندلسي.

لوحة بعنوان “سالومي Salomé ” للفنان هنري ريجنولت، (1870، متحف متروبوليطان للفنون بنيويورك)

 

بحلول منتصف يناير 1870، كان كلا الرسامين قد وجدا بالفعل مكانًا للإقامة في طنجة، على الرغم من أنهما كانا سيعودان مؤقتًا إلى غرناطة في أبريل بعد أن أرسل رينول لوحته “سالومي” إلى باريس للمشاركة في أحد المعارض. في البداية، استقرا في نزل مملوك لعائلة يهودية، وسرعان ما استأجرا منزلاً يحتوي على فناء في شارع الكنيس بمبلغ عشرين فرنكًا شهريًا. وقاما بتزيين المكان بالأقمشة واللوحات والأدوات الأخرى التي استخدماها كإطار لإبداعاتهما. قام رينول بتصميم هذا الفناء في لوحته “فناء طنجة” المعروضة في متحف الجزيرة بالقاهرة، حيث يظهر الفناء بتفاصيله الزخرفية وبعض الأقمشة المعلقة على الجدران، مثل القماش الأصفر الذي استخدمه الفنان كخلفية في لوحة “سالومي”. كما يظهر نفس الفناء أيضًا كإطار في عمل كلرين الذي يحمل عنوان “مدخنو الأفيون” والموجود في متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك، والذي تم إنجازه عام 1872.

استأجر الفنانان عددًا من الأشخاص للقيام بالأعمال المنزلية، ومن بينهم محمد أقلعي، وهو مغربي ومريد للزاوية العيساوية. سيصبح أقلعي لاحقًا قائدًا لحرس القنصلية الفرنسية، وسيظهر كـ “الجلاد المهيب” في لوحة “إعدام ملوك غرناطة المسلمين دون محاكمة” المعروضة في متحف دورسيه بباريس.

بعد بضعة أيام، انضمت عايشة شاما، بنت العربي، أيضًا للعمل في هذا المنزل، لكنها قبلت أيضًا الاشتغال كعارضة “موديل” لإنهاء لوحة “سالومي”. هذه الفتاة، التي تبلغ من العمر 18 عامًا، والتي التقى بها رينول وكلرين في السوق الكبير، ستصبح لغزًا كبيرًا في عالمهم الطنجي الصغير. تم تزويد عايشة بفساتين للعرض، كما أحضرت صديقاتها للعمل كعارضات، ووافقن على أن يُرسمن، على الرغم من أن خوفهن من انتشار الخبر ونبذ المجتمع الطنجي لهن دفعهن في النهاية للابتعاد عن منزل الفنانين. أما عايشة شاما، فقد أطلق عليها كلرين لقب “عارضتنا المفضلة”.

لا توجد لدينا صور تؤكد هوية عايشة شاما بشكل قاطع، لكن كليرين يصفها كفتاة شابة جميلة ذات بشرة داكنة، وجسد متناسق وأنيق، وأيدٍ نحيلة، وعينين داكنتين ومشرقتين، وشعر أسود متموج يمنحها مظهرًا أنيقًا ويعكس حيويتها وجمال وجهها.

في 17 يناير 1870، أرسل رينول رسالة إلى والده أبلغه فيها بأن عايشة شاما أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الأجواء المنزلية، حيث كانت تدعو دائمًا صديقاتها للعمل معها كعارضات. من جانبه، أوضح جورج كليرين في مذكراته أن عايشة كانت تتحدث القليل من الإسبانية، وكانت مطلقة أو بالأحرى منبوذة بسبب عقمها وعدم إنجابها أطفال. وقد استقرت في منزلهما، حيث لم تغادره قط لتفادي الإهانة والاحتقار الذي كانت تتعرض له من أبناء جلدتها، الذين كانت تكرههم، بينما كانت تفضل التقرب من المسيحيين واليهود من سكان طنجة.

عايشة شامة بنت العربي في اللوحة التي رسمها الفنان المستشرق الأمريكي “فريدريك آرثور بريدمان” Frederick Arthur Brigdman عام 1883، وسماها “عايشة امرأة من المغرب”، وهي موجودة في متحف نيوارك بولاية نيوجيرسي.


وعلى الرغم من التكتم، سرعان ما انكشفت علاقة عايشة شاما بالأجانب وتقرر القبض عليها مما أجبرها على الاختباء في البيت دون أن تطأ قدمها الشارع. وفي إحدى المناسبات القليلة التي خرجت فيها للذهاب إلى الحمام، كادت أن تفقد حريتها وأن يتم القبض عليها، وأُجبرتْ على الفرار بالقفز عبر الأسطح والشرفات. وقد أوضح رينول ذلك في رسالة لوالده أخبره فيها بأن عايشة ذهبت يوما إلى الحمام ملفوفة في “حايكها” ومخفية قوامها. ورغم ذلك طاردها أربعة جنود وأمسك أحدهم بها من لباسها، لكنها تمكنت من الهروب تاركة “حايكها” حيث اختبأت في بيت يهودي، لتقفز عبر الأسطح من شرفة إلى أخرى، وتصل الى البيت وكأنها قطة.

عندما سافر رينول وصديقه كلرين إلى غرناطة في ربيع عام 1870، قاما بترحيل عايشة إلى مدينة تطوان، حيث كانا يدركان المخاطر التي قد تواجهها إذا بقيت في مدينة طنجة. وقد أشار رينو إلى ذلك في رسالة أرسلها إلى والده من مدينة قرطبة بتاريخ 5 أبريل 1870:

“لقد لجأنا إلى جميع الوسائل المتاحة لخداع الشرطة المغربية وإرسال عايشة إلى تطوان، حيث لا يعرفها أحد هناك (…) في الساعة الثامنة صباحًا، وبعد أن وضعت نقودها في حزامها، وغيرت نعالها وملابسها، غادرت عايشة مدينة طنجة برفقة شخص يهودي وصهره الزطاط، الذي كان يحميهم وهو مدجج بالسلاح ويمتطي بغلًا. في تطوان، لن تجد عايشة حياة راغدة كالتي عاشتها معنا. لكن ذلك أفضل لها من الحياة في السجن. وقد بعثتُ برسالة إلى شخص من هناك لكي يساعدها وهو مغربي ثري ولديه سمعة طيبة.

هكذا انتهى الفصل الأول من إقامتنا في طنجة. وربما لن نتعاقد بعد الآن مع أشخاص مغاربة للاشتغال معنا ومرافقتنا، لأنهم قد يدفعون ثمنا باهظا مقابل ذلك، وأيضا لأنني لا أرغب في أن يؤنبني ضميري بسبب الأربعمائة جلدة كعقاب لهم”.

 

يوسف أكمير، باحث وأستاذ بجامعة ابن زهر بأكادير

                                     

خورخي كاربونيل، باحث وأستاذ بجامعة روفيرا فيرجيلي/طاركون
التصنيف : المغرب ثقافة