د. أحمد بن رمضان
ماذا عساني أن أقول حول الكتاب الذي يكرم به الأساتذة الجامعيون أنفسهم والذي قمنا بنشره، عبد ربه الدكتور أحمد بن رمضان من جامعة فاس والزميل الصديق الدكتور أحمد صابر من جامعة ابن زهر بأكادير.
هو مشروع انطلق من مدينة فاس بمناسبة لقاء جمعني بالأخ الدكتور أحمد صابر على هامش تقديمه لترجمته حول الصحراء المغربية. وكان اللقاء فرصة لإخباره بما يدور في خاطري وما حاولت القيام به لتحقيق حلم تكريم الأساتذة الجامعيين من مختلف شعب الدراسات الإسبانية. وكعادتنا في كل لقاء يجمعنا بين الحين والآخر تبدأ الفكرة كمشروع وتتجلى الصورة ونتفق على كيفية الخروج بالمشروع إلى الوجود. وهذا ما كان بالنسبة لكتاب تكريم الأساتذة الجامعيين المُحالين على التقاعد. وللإشارة، وجب التذكير بمساهمة الزميل والصديق الدكتور علال الزعيم، الذي كان حاضرا معنا في اللقاء الأول بفاس والذي وضعنا فيه الأسس الأولى للمشروع وذلك بمدنا بأفكاره وبتصوره، الشيء الذي كان له الأثر الكبير في إغناء ذاك النقاش نظرا لما عوهد فيه من جدية في العمل ونظرة ثاقبة جعلتنا نتحمس أكثر. وبالمناسبة، أتمنى أن يُشاركنا في إنجاز المشروع المقبل، إن شاء الله، والذي سيكون عبارة عن كتاب، سوف نعلن عن موضوعه ومضمونه في حينه.
وبعد ذلك، بأيام قليلة بدأنا العمل بإعداد لائحة المكرمين والاتصال بهم وإخبارهم عبر الورقة التي سبق أن هيأناها في الموضوع. وللتاريخ، هذا هو ثاني كتاب انطلقت فكرته من فاس علما أن الأول كان صدر تكريما للمرحوم الأستاذ والباحث في الدراسات الإسبانية عبد الله جبيلو الذي نشرنا له كتابا وهو عبارة عن تكريم واعتراف بما أنجزه من أعمال وألفه من كتب لازالت تعتبر من المراجع المهمة في الدراسات المتعلقة بالأدب الإسباني والأمريكي اللاتيني، بالإضافةإلى ما تركه في مجال الترجمة.
أود أن أشير، قبل كل شيء، أنه كم من عمل جيد وكم من مشروع ناجح يبدأ بفكرة بسيطة، لكنها مع مرور الوقت سرعان ما تتطور وتنضج إلى أن تؤتي أكلها. بعد ذلك، يتحقق الحلم الذي كانت الشكوك تدور حوله، في البداية، بحيث لم يكن سوى مجرد افتراض قد يرى النور يوما أو يذوب كالسراب ويذهب بدون رجعة ويكون مصيره تلك السلة التي تحتوي على كل ما نهمله ونستغنى عنه إلى الأبد.
كانت فكرة تكريم أساتذة اللغة الاسبانية وآدابها الجامعيين من مختلف شعب الدراسات الاسبانية المغربية قد راودتني منذ بضع سنوات، أي بعد أن أُحلت على التقاعد بفترة. وبفضل النقاشات التي كانت تدور، أحيانا، بيني وبين بعض الزملاء في وضعيتي والذين كان أغلبهم يأسف على عدم الاكثرات به و عدم القيام بتلك الالتفاتة التي ما أحوجه إليها بتكريمه على الخدمات التي قدمها من تكوين وتأطير للأجيال من الطلبة بالإضافة إلى ما أسداه للبحث العلمي وما جاد به وأسس له في مجال تخصصه.
لقد أشرت في ما سبق إلى أن الكتاب هو تكريم كرَّم به أساتذة اللغة الاسبانية الجامعيين أنفسهم وذلك بكتابة كل واحد منهم لسيرته الذاتية مختصرة يكون الهدف منها اطلاع الجيل الحالي على المسيرة الموفقة والتضحيات الجسام لمجموعة من الرواد في تدريس الإسبانيةوثقافتها ونشر أبحاث ومؤلفات ترمي إلى التعريف بثقافة الآخر، الجار الاسباني، القريب والبعيد، في نفس الوقت. فهو من الناحية الجغرافية لا تفصله عن المغرب إلا بضعة كيلومترات ولكن، إلى وقت قريب كانت هناك بعض العراقيل أو لنقول بعض الكليشيهات والأفكار المسبقة الناتجة عن الاختلاف في الدين وفي اللغة والثقافة و تأثير الماضي، خصوصا تلك المواجهات والحروب التي دارت بين البلدين والتي ظلت راسمة في الذاكرة الجماعية الإسبانية. وبدون أدنى شك، فقد ساهمت هذه المجموعة من الباحثين بفضل مشاركتهم في كثير من الندوات وفي مقالاتهم وأبحاثهم واتصالاتهم المباشر بالمثقفين الإسبان في تقريب وجهات النظر وتسهيل التواصل بين البلدين والعمل على محو العديد من تلك الكليشهات و تصحيح تلك الصورة السلبية لـ” المورو” ( العربي، المسلم، والمغربي على وجه الخصوص) والتعريف بالثقافة العربية والمغربية، بالأساس. ولا ننسى الدور الذي كان ولا يزال بعضهم يقوم به في التعريف بقضيتنا الوطنية وهو أمر يرون فيه واجبا وطنيا ومسؤولية كل مثقف وباحث خصوصا بالنسبة لمن يتقن لغة الآخر، الإسبانية في حالتنا هاته، ويعرف حق المعرفة ثقافة وعقلية وسياسة ومشاكل أصحاب هذه اللغة.
هؤلاء الأساتذة يستحقون أكثر من تكريم وعلينا أن نرفع لهم القبعة ونشد على أيديهم ونرد لهم الاعتبار، عرفانا لما أسدوه من أجل الرفع من التكوين والمساهمة في إغناء البحث العلمي في مختلف الجامعات المغربية. من هنا، جاءت فكرة نشر هذا الكتاب الذي نعتبره مساهمة بسيطة ومتواضعة، خصوصا أن مضمونه وما يحتوي عليه من كتابة وتأليف المكرمين أنفسهم. كنا قد طلبنا منهم، بالإضافة إلى نبذة عن سيرتهم الذاتية، مدنا بمقال من اختيارهم يعكس مجال تخصصهم. وهذه فكرة، كان الهدف من ورائها هو إعطاء هؤلاء الأساتذة كامل الحرية في نشر المقال المفضل لديهم من بين مجموعة أعمالهم الكثيرة التي تمثل وتبرز مسارهم الطويل في التدريس والبحث…
في الكتاب، سوف يلاحظ القارئ أن هناك مجموعة أخرى نكرمها ويتعلق الأمر بالمتعاونين الأجانب الذين يرجع لهم الفضل في تكوين وتأطير منذ أواخر الستينات إلى الثمانينات من القرن الماضي، أي إلى أن تمت مغربة الشعب بالكامل، تقريبا، معظم الأساتذة المكرمين. والتذكير بهؤلاء المتعاونين هو تكريم لهم واعتراف منا بما أسدوه لنا من خدمة ومن تشجيع ليس له حدود. تعلمنا منهم الإخلاص في العمل ومد يد المساعدة للطالب وتحفيزه بإعطائه كل ما يحتاج من كتب الأدب الإسباني والأمريكي اللاتيني، بالإضافة إلى مراجع أخرى في اللسانيات التي لم يكن متوفر منها إلا القليل في مكتبة الكلية أو في المكتبات التابعة لما كان يعرف بالمركز الثقافي الإسباني والذي يحمل اليوم إسم معهد ثرفانتيس. فكل الشكر لهم وسنظل ممتنين لهم بما قاموا به وما تخصيص جزء من الكتاب لهم إلا التفاتة بسيطة من جهتنا. وأود أن أشير أن علاقاتنا معهم ظلت لسنين طويلة واستمر التواصل مع أغلبيتهم إن لم نقل كلهم. وهنا، أذكر على سبيل المثال التكريم الذي خصصة أساتذة شعبة الدراسات الإسبانية بالناظور للأستاذ والمستشرق الإسباني رودولفو خيل بن أمية والذي يُشكرون عليه. ولازلنا ننتظر نشر الأعمال المهداة له والتي كان لي شرف المشاركة فيها بمقال حول الأستاذ والباحث خيل الذي قضى معظم حياته بالمغرب.
ومن جهة أخرى، أرجو أن يتفهم الجميع أن الكتاب ليس جامعا وشاملا، بحيث، ونظرا للفترة الزمنية من الستينيات إلى 2024 تعتبر مدة طويلة يصعب فيها إدراج كل أسماء الأساتذة المعنيين بهذا التكريم منهم من انقطعت عنا أخباره ومنهم من لم يعبر عن رغبته في المشاركة في هذا الكتاب إما بعدم الرد أو برفضه وهي حالات نادرة تهم أستاذين أو ثلاثة على الأكثر. وقد يسقط من لائحة المكرمين إسم من الأسماء وهذا مجرد سهو ويرجع بالأساس إلى هذا العمل الذي ليس بالسهل إنجازه وتغطية فترة من الزمن تفوق الخمسين سنة وإدراج الأساتذة المعنيين بمختلف الجامعات المغربية الأحياء منهم والأموات.
إننا عازمون إن شاء الله، على تقديم الكتاب في مختلف الجامعات المغربية وفي المؤسسات والمعاهد التي تشاركنا نفس الاهتمام. ولا ننسى كذلك الجامعات الإسبانية والمعاهد والجمعيات التي ترغب في ذلك. وتجدر الإشارة إلى أن معظم الأساتذة المكرمين كانوا قد التحقوا بالجامعات الإسبانية من أجل الدراسات العليا وتهيئ أطروحة الدكتوراه. في التقديم، سوف نعمل على إعطاء توضيحات أكثر بخصوص الكتاب وحول الأساتذة القدامى الذين بالرغم من كون كثير منهم أُحيل على التقاعد فهو لا يزال حاضرا ويعمل بجد، كالعادة، وحسب استطاعته وقدرته.
– دكتور وباحث في الدراسات الإسبانية