20 يونيو 2026 / 04:11

بيت الصحافة

القواعد لا تتقاعد

مارس 30 - 24 سبتمبر 2024

 

بقلم عبد الرحمان بلعياشي 

لا يختلف إثنان في أن الكون كله يسير وفق قواعد مضبوطة. وفي مستوى آخر، يسير المجتمع الذي نتحرك فيه أو المحيط الذي يحيط بنا أو حتى العشيرة التي ننتمي إليها أو العائلة التي أسسناها، كلها تسير وفق قواعد وضوابط، بعضها أبدي وتابت، وبعضها الآخر عرضي ومؤقت ومتحرك. بعض هذه القواعد عام والبعض الآخر خاص. بعضها أيضا وضعي ومكتوب ومحرر وموثق ومشرع، بينما البعض الآخر متعارف عليه ومعمول به بشكل غير مؤطر. بعض هذه القواعد فعال وناجع ونافع وجامع ومانع، والبعض الآخر مكبل ومحدود الفعالية وناقص التأثير ومقيد ومحبط، طبعا تبعا للسياق والأشخاص والحالات. ما ينفع لهذا أو عند هذا قد يكون عكسه عند ذاك. 

كما أن هناك ثقل الأعراف والعادات والتقاليد التي وجدنا عليها آباءنا، والتي تفرض قواعدها التي لا تناقش، وقوانينها الغير قابلة للنقاش لأنها موروثة ومجربة، ويعتقد أن فاعليتها في تنظيم العلاقات سواء بين الأفراد داخل العشيرة  والقبيلة أو بين العشائر والقبائل تبتت وترسخت على مدى السنين وأبانت عن جدواها من حيث استطاعتها على استباب الأمن  والاستقرار وإحلال السكينة والوئام والود والتفاهم بين المواطنين.

وهناك أيضا ما يسمى بالعادة، أي ما تعود  على القيام به كل شخص باعتباره فردا منفردا متفردا في سلوكه وتصرفاته، سواء في علاقته مع ذاته أو في علاقته مع محيطة الضيق والصغير أو الواسع والكبير. هذه العادة إما أنها مستبدة في حق صاحبها ولا يجني عواقبها سواه، أو مستبدة بالآخر فيقع كامل صداها عليه. العادة مرادف هنا للطقوس، أي مجموع الممارسات والسلوكيات والافعال أو التصرفات التي يقوم بها شخص ما بانتظام وبوثيرة معينة، متقطعة كانت أم مستمرة ودائمة أو حتى متكررة. طقوس تلازمه في كل ما يقوم به وتؤطر سلوكياته وتقيد اختياراته وتبرر توجهاته، ولا يستطيع الانزياح عنها أو الزيغ عن طريقها. فيظل أسيرا لها وتابعا لما تمليه عليه من مواقف وردود أفعال، دون أن تأخذ في الحسبان أن صاحبها جزء من منظومة جماعية لها قواعدها وأنظمتها، لا يمكن مخالفتها أو الخروج عنها. 

كل المجتمعات تسير وفق هذه الحالات وتحت رحمة الأنظمة والقوانين واللوائح والقواعد، الهدف منها ضبط سلوكيات الأفراد والجماعات بحيث تخضع كليا أو جزئيا لمنطق التعايش السليم والآمن والسلس بين مكونات المجتمع. وأي إخلال بها أو عطل طرأ عليها أو حل بها عمدا أو بالصدفة يؤدي لا محالة إلى خلل اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي، قد يكون مداه عابرا للدول أو للقارات. خذ على هذا مثال نظام الطيران الدولي أو البورصة أو على نطاق ضيق، إشارات المرور الضوئية. المجتمع يحب  الإنضباط، ولا يتحقق الا بالخضوع للقواعد التي حددها هو وللوائح التي فصلها على الجماعات، ولو صيغت أحيانا بصيغة المفرد. فيقع الجميع أسيرا لها وتابعا لمقتضياتها ومتحملا لأوزارها، إذ لا أحد يستطيع مخالفتها، فيعاقب دون رحمة أو شفقة، ولا أحد بمقدوره أن يغيرها أو أن يشرع بدلها قوانين أخرى. كما أن الجهة التي نصت عليها وسهرت على وضعها لا تملك القوة على تغييرها على الأقل آنيا. المجتمعات تتحكم فيها آليات وميكانيزمات يلفها الغموض أحيانا وأحيانا أخرى المصالح، فتقع بدورها في فخ قوانين هي من أصرت على وضعها وسهرت على العمل بها طوعا أو كرها. 

القواعد تلازمنا أيضا في أقوالنا وكلامنا، في اللغة أو اللغات التي  تعلمناها ونستعملها  في أحاديثنا اليومية وتواصلنا مع الآخرين وفي كتاباتنا وحتى فيما نقرأه. أي انزياح عن الضوابط  التي تتحكم في حسن استعمالها من نطق أو كتابة يعتبر خرقا للقواعد ويترتب عنه سوء الفهم وسوء التعبير اللذين يعرقلان بلوغ الأهداف التي تقف وراء استعمالها. غير أن احترام القواعد والضوابط اللغوية لا يلغي هامش الحرية الذي تتيحه الأجناس الأدبية مثلا من استعمال للمحسنات البديعية والصور الشعرية والتعبيرات البلاغية التي ترقى باللغة إلى مستوى إبراز جماليتها وشد الأنظار إلى شكلها قبل مضمونها. نفس الشيء يحدث في مجالات أخرى مثل كرة القدم، حيث يوجد حكم لا سلطة تعلو فوق سلطته في رقعة اللعب. بصافرة صغيرة منه يتم وقف اللعبة كلها، وينقسم إذاك الجمهور واللاعبون بين مؤيد للقرار ومناصر له باعتباره الحق المطلق ، وبين معارض له باعتباره جائرا أو قاسيا أو متحيزا حسب مصلحة هذا الطرف أو ذاك. لكن الحكم يفرض قراره في الأخير وينصاع له الطرفان مهما كان بعد أو قرب سلطته التقديرية من الصواب. وقد لا ننتهي من سرد الأمثلة حول التواجد الوازن للقواعد في جميع مناحي الحياة. 

كل شيء يتحرك في المجتمع والأشخاص تموت وتحيا، لكن القواعد تبقى أبدية وأزلية، قد تعدل أو تتغير أو  تستبدل بأخرى أو حتى تلغى، لكنها مستمرة فينا ومعنا، وتتخذ أوجها متنوعة في المجتمع. لا تتقاعد أبدا، توجد في حياتنا اليومية، داخل البيوت وفي الشوارع والإدارات، ترافقنا في الحل والترحال، تصاحبنا في أقوالنا وفي أفعالنا. كل شيء يخضع لسلطتها ولرقابة قبلية كي لا نقع في المحظور ونخالف المألوف والمسموح به والمتعارف عليه أوالمقنن بنصوص وضعية أو شرعية أو عرفية. 

التصنيف : آراء المغرب