حوار وترجمة: محمد الشاربي
مانويل كارميلو فيريا غارسيا، أستاذ حاصل على درجة الدكتوراه في الترجمة التحريرية والترجمة الشفوية من جامعة مالقة (إسبانيا). أستاذٌ رسمي بشعبة الترجمة التحريرية والترجمة الشفوية بجامعة غرناطة (إسبانيا). وقد عمل أستاذاً زائراً في العديد من الجامعات: مدرسة طليطلة للترجمة (إسبانيا)، ومدرسة الملك فهد العليا للترجمة (طنجة، المغرب)، وجامعة سيدي محمد بن عبد الله (فاس، المغرب)، ومعهد مونتيري للدراسات الدولية (كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية)، وجامعة يورك (المملكة المتحدة)، والجامعة المستقلة لمدريد (إسبانيا)، وجامعة ألكالا دي إيناريس (إسبانيا)، والمجلس الأعلى للبحوث العلمية (CSIC)، والمركز الوطني للاستخبارات (CNI)، وغيرها.
عمل مانويل فيريا مترجماً فورياً (عربي-إسباني) في المحكمة الإقليمية في مالقة (إسبانيا). كما ترجم العديد من الكتب من العربية والإنجليزية إلى الإسبانية، منها كتاب “نحن والتراث” للفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري، ورواية “ذاكرة للنسيان” للكاتب الفلسطيني محمود درويش.
في عام 2014، اختير عضوًا في لجنة تحكيم جائزة الترجمة الوطنية الإسبانية.
منذ عام 2009، يعمل مانويل فيريا مترجمًا متعاقدًا مع القسم الإسباني في الأمم المتحدة بجنيف.
له العديد من الكتب وأكثر من ثلاثين مقالًا. قام بتأليف “قاموس المصطلحات القانونية العربية-الإسبانية” (آرييل، برشلونة، 2006)، وهو أول قاموس للمصطلحات القانونية من العربية إلى الإسبانية، وكتاب “مترجمو اللغة العربية في الدولة الإسبانية: من الحماية إلى يومنا هذا” (بيلا تيرا، برشلونة، 2012) الذي شارك في تأليفه مع الدكتور خوان بابلو أرياس توريس، إلى جانب العديد من الأعمال الأخرى.
في هذا الحوار مع جريدة “مارس30″، يناقش المترجم والباحث الإسباني مانويل فيريا غارسيا عدة مواضيع مهمة: بداياته مع اللغة العربية، صورة ما هو عربي وإسلامي في إسبانيا، الموروث الفلسفي العربي، الترجمة التحريرية والترجمة الشفوية، المغرب، إلخ.
– أنت أستاذ جامعي حاصل على درجة الدكتوراه في الترجمة التحريرية والترجمة الشفوية من جامعة مالقة (إسبانيا). تعمل الآن كمترجم فوري ومترجم تحريري للغة العربية. كيف بدأت علاقتك باللغة العربية؟
– بدأتُ دراسة اللغة العربية منذ كنت شابا. كان والدي قد اعتنق الإسلام. أخبرني أن هناك إمام شاب في المسجد جاء ليصلي بالناس خلال شهر رمضان (في ذلك الوقت، كان عدد المسلمين في مالقة قليلًا جدًا). وقال لي أيضا أن ذلك الشاب يتحدث الإنجليزية ويرغب في تعلم الإسبانية بعض الشيء: فرصة من أجل تبادل اللغات، يعلمني العربية وأعلمه الإسبانية. وبالتالي، وافقتُ، وأعجبتني العربية. بعد ذلك، التحقتُ بمعهد اللغات في مالقة ودرستُ اللغة العربية هناك لمدة عام.
في الجامعة، التحقتُ في بداية الأمر بشعبة الفلسفة، ولكن لأنني أردتُ مواصلة دراسة اللغة العربية، انضممت أيضًا إلى شعبة فقه اللغة. في النهاية، تركتُ الفلسفة وتابعتُ دراستي في فقه اللغة العربية في مدينة غرناطة. بعد تخرجي، وجدت عملاً كمترجم، وشيئاً فشيئاً، وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.
– ماذا يمكننا القول عن الاهتمام بالترجمة (عربي/إسباني-إسباني/عربي) في إسبانيا؟
– لا شيء تغير، ولن يحدث أي تغيير جوهري يمكنه أن يقلل من الاهتمام باللغة العربية والترجمة العربية في إسبانيا.
بدايةً، إنها مسألة تهم الدولة (مسألة رسمية). في النهاية، أعتقد أن هناك اهتمام بهذه الأمور في إسبانيا.
– كيف هي صورة ما هو عربي وإسلامي في إسبانيا؟
– لا أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال تعتبر سهلة. بدايةً، لأنني لا أعتقد أن هناك صورة واحدة لما هو عربي وإسلامي في إسبانيا. باختصار شديد، يمكنني القول إنه بشكل عام، في إسبانيا، هناك فصل نسبي بين الماضي العربي لشبه الجزيرة الأيبيرية والحاضر العربي للدول المجاورة وللمهاجرين.
أعتقد أيضًا أنه بسبب التأثير المغاربي، لا يُميّز الإسبان بوضوح بين “عربي” و”إسلامي”: فهم يستغربون لما يسمعوا بوجود عرب مسيحيين، على سبيل المثال.
– ما هي التحديات التي تواجه ترجمة النصوص القانونية للدول الإسلامية والمكتوبة باللغة العربية؟
– بشكل عام، أعتقد أنها نفس تحديات الترجمة القانونية عمومًا. إذا ركزنا فقط على نصوص قانون الأسرة -أو مدونة الأسرة- (لأن هناك أنواعًا عديدة من النصوص القانونية للدول الإسلامية دستوريا، بعضها في الواقع ترجمات عربية لنصوص فرنسية أصلية)، أقول إن الاختلاف الوحيد ربما يكمن في وجود مصطلحات لا نجدها في النصوص الإسبانية الموازية، والتي يجب ترجمتها، في هذه الحالة، باستخدام عبارات توضيحية.
– خلال فترة مدرسة طليطلة للمترجمين، كانت الترجمة تُعتبر جسرًا ثقافيًا بالغ الأهمية. كيف أثر ذلك على مجال الترجمة في إسبانيا تحديدًا، وفي العالم عمومًا؟
– لقد حوّلت هذه الظاهرة شبه الجزيرة الأيبيرية إلى جسر ثقافي من خلال الترجمة.
بالنسبة لإسبانيا، شيء مذهل جدا. أما على مستوى العالم عمومًا، فمن المعروف أن هذه الترجمات أعطت دفعة قوية للعلوم والفكر الأوروبيين، وشكّلت الخطوة الأولى لما يُعرف بـ”عصر النهضة”.
– كيف تنظر إلى التراث الفلسفي العربي (الفارابي، ابن سينا، ابن باجة، ابن رشد، ابن خلدون، وغيرهم)؟
– يُعدّ التراث الفلسفي العربي جزءًا من الثقافة المشتركة في جميع أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط والعالم “الغربي”. لا توجد ثقافة يهودية-مسيحية وثقافة إسلامية، بل هي ثقافة واحدة. دائما كنا ككتلة ثقافية واحدة.
لذا، يُعدّ التراث الفلسفي العربي إرثًا مشتركًا للعرب والأوروبيين. فابن رشد وابن عربي والغزالي جزء من التراث الثقافي المشترك للعرب والأوروبيين، ونفس الشيء تمامًا يقال عن أرسطو.
– حدثنا قليلاً عن الموريسكيين واستخدامهم للغة الأعجمية (الألخاميادو).
– الموريسكيون هم أشخاص عاشوا، بسبب ظروف معينة، تحت احتلال أجنبي سعى إلى طمس هويتهم الثقافية.
في بعض الأحيان، حتى وإن كتبوا نصوصهم بالقشتالية أو الكاتالونية، كانوا يستخدمون الخط العربي. تُعرف هذه النصوص باسم “الألخاميادو”.
ليست هذه ظاهرة نادرة أو غريبة، وليست حكرًا على شبه الجزيرة الأيبيرية: فقد وُجدت كتابة الألخاميادو أيضا في دولة الصين.
– لقد ترجمتَ بعض الأعمال الأدبية من العربية إلى الإسبانية، مثل رواية “ذاكرة للنسيان” للكاتب الفلسطيني محمود درويش. هل ما زال هناك اهتمام بالأدب العربي في إسبانيا؟
– نعم، هناك اهتمام، كما كان الحال في القرن العشرين، غير أن هذا الاهتمام لا يُقارن مع الاهتمام بالآداب الأخرى الأكثر هيمنة، وخاصة الأدب الأنجلوساكسوني.
لا يقتصر هذا الأمر على الأدب العربي فحسب، بل لا يوجد أدب آخر في العالم يثير نفس الاهتمام الذي يثيره الأدب الأنجلوساكسوني في الثقافات الأخرى. وهذا ما يُسمى ب “الهيمنة الثقافة”. أليس كذلك؟
على أي حال، هناك حقيقة نعيشها الآن تبرر استعمالك لكلمة “ما زال” في سؤالك: الآن تقريبا لا أحد يقرأ الأدب، لا العربي ولا غيره. اليوم، يهيمن الجانب السمعي-البصري.
– كيف ترى مستقبل الترجمة في إسبانيا؟
– مستقبل الترجمة، في إسبانيا كما في بقية بلدان العالم الأخرى، غير واضح المعالم، غامض، بسبب التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي. تتطور هذه المهنة بوتيرة مذهلة.
– كيف ترى العلاقات الثقافية بين المغرب وإسبانيا؟
– العلاقات الثقافية بين إسبانيا والمغرب تعتبر ضئيلة وضئيلة جدا.
– ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المستعربون والمترجمون الإسبان في بناء جسور التواصل بين شبه الجزيرة الأيبيرية والعالم العربي-الإسلامي، وفي القضاء أيضا على الصور النمطية والأحكام المسبقة؟
-حسنًا، أعتقد أنه ينبغي عليهم القيام بدورهم قدر الإمكان في هذا الصدد، رغم أنه دور غير مؤثر بشكل كبير بالمقارنةً مع دور وتأثير الإعلام والإنتاجات السمعية -البصرية.
– عملتَ أستاذاً زائراً في عدة جامعات مغربية: مدرسة الملك فهد العليا للترجمة (طنجة) التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، وجامعة سيدي محمد بن عبد الله (فاس). حدثنا عن هذه التجربة.
– كانت تجربة رائعة ومُلهمة. يسعدني تدريس الطلاب المغاربة، ولطالما شعرتُ باحترامهم الكبير لي.
– كم مرة زرتَ المغرب؟ وما هو انطباعك عن هذا البلد؟
– لم أعش طويلا في المغرب، لكنني زرته مرات عديدة. عندما أتحدث العربية، أتحدث بلسان مغربي واضح.
غير أنه في مرحلة معينة من حياتي، ولظروف شخصية مختلفة، توقفتُ عن الذهاب إلى المغرب. استغرقني الأمر قرابة عشرين عاماً للعودة. عندما عدتُ، وجدتُ البلد قد تغير كثيراً:
من الناحية الاقتصادية، تطور بلا شك نحو الأفضل؛ أما الجوانب الأخرى، فقد خضع البلد، شأنه شأن بقية دول العالم الأخرى، للعولمة إلى حد كبير. طنجة التي عرفتها من قبل لم تعد موجودة الآن: ربما بدأت أتقدم في السن.
– أخيرًا، ما هي الرسالة (الرسائل) التي تود توجيهها إلى القاريء الإسباني والعربي؟
– حسنًا، أودّ أن أنقل لهم نفس الرسالة التي أراد برتراند راسل إيصالها للأجيال القادمة:
“أود أن أقول شيئين. أحدهما فكري والآخر أخلاقي.
الشيء الفكري الذي أود أن أقوله لهم هو كالتالي: عندما تدرس أي مسألة أو تتأمل في أي فلسفة، فقط اسأل نفسك ما هي الوقائع وما هي الحقيقة التي تعززها تلك الوقائع. لا تترك نفسك مطلقًا أن تتأثر بما تتمنى أن تؤمن به، أو بما تظن أنه قد يحمل آثارًا اجتماعية مفيدة لو أنك آمنت به. ولكن انظر فقط إلى الوقائع، ذلك هو الشيء الفكري الذي أود قوله.
أما الشيء الأخلاقي الذي أتمنى قوله لهم هو بسيط جداً. أود أن أقول: الحب حكمة والكراهية حُمق. في هذا العالم الذي يترابط أكثر وأكثر بشكل وثيق، علينا أن نتعلم التسامح مع بعضنا البعض. علينا أن نتعلم تقبل حقيقة أن بعض الناس قد يقولون ما لا نحب. بهذه الطريقة فقط نستطيع أن نعيش معاً. ولو أردنا العيش معاً -لا الموت معاً- فإنه يتوجب علينا تعلم شيء من الإحسان والتسامح، الأمر الذي يعتبر حيوياً للغاية لإستمرار الحياة البشرية على هذا الكوكب”.