يحذّر مركز برشلونة للشؤون الدولية (CIDOB)، وهو مركز أبحاث مرموق، من أن سنة 2026 ستكون عاماً لإعادة الضبط العالمي، تطبعه جيوسياسية قاسية، حيث سيغدو التكيّف مسألة بقاء بالنسبة للدول والفاعلين الدوليين. جاء ذلك في تقرير بعنوان: «العالم في 2026: عشرة مواضيع سترسم الأجندة الدولية»، وهو ثمرة تفكير جماعي لفريق البحث بالمركز، منسَّق من طرف كارمي كولومينا، وبمساهمات لأكثر من ثلاثين خبيراً في العلاقات الدولية والجيوسياسية.
ينطلق التقرير من فرضية واضحة مفادها أن «الترامبية» دشّنت مرحلة جديدة في توظيف الإكراه الاقتصادي والتكنولوجي، مسرِّعة الانتقال نحو نظام دولي قائم على منطق الصفقات، شديد التقلب، وأقل خضوعاً للقواعد والمعايير المشتركة.
في هذا السياق، لم يعد السلم مجرد قيمة سياسية أو أخلاقية، بل تحوّل إلى مورد ذي مردودية اقتصادية، قابل للخصخصة والتسليع عبر ما يسميه التقرير «دبلوماسية المحاباة»، التي ترافق صعود التدخل العسكري والتكنولوجي.
وبحسب تحليل المركز، ستختبر سنة 2026 حدود أدوات الحوكمة العالمية التقليدية. فالقانون الدولي يتعرّض للتآكل على يد القوى الكبرى، فيما تتصاعد المنافسة على الموارد، ويزداد خطر سوء التقدير أو الاعتداءات الانتهازية.
كما يدخل ما يُعرف بـ«الضبط الاستراتيجي»، المصمَّم لتفادي التصعيد العسكري، مرحلة أزمة، في ظل مشهد تجاوز فيه العنف السياسي 550 حادثاً يومياً خلال سنة 2025، وبلغت الهجمات الجوية وبالطائرات المسيّرة مستويات قياسية، مترافقة مع إنفاق دفاعي غير مسبوق.
ويقدّم التقرير هذه الصورة عبر عشرة محاور كبرى ترسم ملامح الأجندة الدولية، ويصنّفها المركز رمزياً ضمن أربع فئات: الرابحون، والانتهازيون، والصامدون، والتائهون. ففي فئة الرابحين يبرز الإفلات من العقاب، وخصخصة السلم، وإعادة التسلح التكنولوجي والعسكري.
أما الانتهازيون، فيجدون مجالاً في السباق العالمي لتنويع التحالفات، وفي النقاش حول ما إذا كان هناك كبح حقيقي لفقاعة التكنولوجيا.
وفي فئة الصامدين تظهر الفجوة الجيلية، ولا سيما الهوة بين تطلعات وواقع جيل Z، إلى جانب صعود اقتصاد-اجتماع الخوف.
في المقابل، يجسّد «التائهون» حالة الارتباك الاستراتيجي الأوروبي، وتوظيف المناخ جيوسياسياً، وتسارع النزعة الاستبدادية داخل الولايات المتحدة، وهي عوامل تعمّق الإحساس بغياب قيادة عالمية.
ويؤكد التقرير أن الأمر لا يقتصر على رابحين وخاسرين فقط. ففي الجنوب العالمي تبرز «فرص متعددة» لفاعلين يعرفون كيف يتحركون ببراغماتية على الرقعة الدولية الجديدة. فالصين تسعى إلى إسقاط صورة الاستقرار عبر توسيع الأسواق للحفاظ على نموها الاقتصادي، ودول الخليج تعزّز حضورها الدبلوماسي والتكنولوجي، فيما تستكشف الهند تقارباً قائماً على منطق الصفقات مع كلٍّ من بكين وموسكو.
وفي المقابل، يبدو الاتحاد الأوروبي عالقاً في ردّ فعل يركّز تقريباً حصراً على الدفاع، بنتائج محدودة ومن دون سردية استراتيجية واضحة.
وبالنسبة إلى مركز CIDOB، فإن السؤال الجوهري المطروح في 2026 هو كيفية بناء نظام دولي من دون ثقة، في وقت تضعف فيه أطر الحوكمة وتتقوى في سياسة هيمنة القوي . إن إعادة التشكيل المتسارعة للروابط التجارية والمالية والجيوسياسية، إلى جانب ارتدادات الرسوم الجمركية والنزعة التوسعية التدخلية، تكرّس مقولة: قانون الأقوى يعود ليفرض نفسه كمبدأ ناظم للنظام الدولي.
وخلاصة القول، يخلص التقرير إلى أن العالم يعيد تموضعه، وأن قواعد اللعبة باتت أكثر وضوحاً لمن يعرف كيف يقرأها. لن تكون سنة 2026 مجرد عام انتقالي، بل نقطة تحوّل يُحسم فيها من ينجح في التكيّف مع نظام فوضوي، ومن يصمد من الهوامش، ومن يظل تائهاً أمام جيوسياسية لم تعد تمنح فترات هدنة.