20 يونيو 2026 / 03:06

بيت الصحافة

قمة مغربية-إسبانية في سياق وسباق خاصَّين و”سيارة بلا وقود”

مارس 30 - 4 ديسمبر 2025

توفيق سليماني*

لتفهموا السياق والسباق الخاصيين القشتاليين اللذين تُعقد فيها القمة المغربية الإسبانية، يجب أن نعود إلى فبراير سنة 2018. كان حينها بيدرو سانشيز يقود المعارضة، وتوجّه إلى رئيس الحكومة حينئذ، اليميني ماريانو راخوي، بعبارة حفظتها الذاكرة السياسية الإسبانية المعاصرة، قائلاً إن حكومة بدون قانون مالية هي أشبه بسيارة بلا وقود. ردّد سانشيز هذا الكلام بعد تأخر راخوي في المصادقة على قانون المالية.

واليوم، خرج اليمين ليذكّر سانشيز بأنه يحكم منذ سنة 2023 دون قانون مالية، كما أنه يحكم منذ أسابيع بدون أغلبية في البرلمان بعد القطيعة مع الحزب الكتالاني الانفصالي مع من أجل كتالونيا. هذا المشهد الاستعاري الذي ينطلق من الواقع، إذا أضفنا إليه دخول أحد المقرّبين من سانشيز إلى السجن وخروج أحدهم أيضاً منه، يعطينا صورة عن الأجواء التي تُنظم فيها القمة المغربية الإسبانية بعيداً عن خطاب “العام زين” الذي لا يغني ولا يسمن من جوع. 

إنها قمة “بلا وقود” من الجانب الإسباني. وإذا أردنا أن نكون دقيقين، فهي قمة اقتصادية وتجارية واستثمارية أكثر منها جيوسياسية. صحيح أن الوقود موجود في السيارة المغربية بحكم أن السياسة الخارجية لا تتغير بتغير الحكومات، كما أن القرارات الكبرى المرتبطة بالعمل الخارجي ليست من اختصاص الحكومة. وهذا من حسنات نظام الحكم بالمغرب. وهو الشيء الذي تفتقر إليه إسبانيا حالياً.

منذ عقدين، غابت الاستمرارية في السياسة الخارجية الإسبانية. لكن لن تتغير كثيراً تجاه المغرب في الشهور والسنوات القادمة حتى ولو وصل الحزب الشعبي للحكم. وهنا وجب التذكير بالحكم والحكمة التاريخيين لمانويل أثانيا، رئيس الجمهورية الثانية الإسبانية، عندما كتب، في 16 شتنبر 1923، أي قبل أسبوع واحد فقط من الانقلاب العسكري الذي قاده ميغيل بريمو دي ريفيرا: «أعمى (أعمى من الغرور) مَنْ لا يدرك أن المغاربة يؤثّرون في إسبانيا أكثر بكثير مما نؤثّر نحن الإسبان في المغرب».

قمة مقيدة بسباق داخلي 

منذ أن أعلنت إسبانيا، في أبريل 2022، دعمها الواضح والصريح لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية خلال زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الرباط، دخلت العلاقات الثنائية مرحلة جديدة تُوصف بكل ثقة بأنها الأفضل منذ عقود. فمنذ تلك الليلة الرمضانية في أبريل، تسير الشراكة بين البلدين في منحى تصاعدي ثابت، وتحقق مشاريعها ومذكراتها نتائج ملموسة، رغم ما يحاول اليمين المحافظ بقيادة الحزب الشعبي واليمين المتطرف بقيادة حزب فوكس اختلاقه من ضجيج سياسي بلا سند في إطار السباق والتسابق السياسي الانتخابي.

منذ القمة الثنائية السابقة في فبراير 2023، لمسنا تقدماً في كل القطاعات تقريباً: الصناعة، النقل، الأمن، التعاون الفلاحي والبحري، الاستثمار، الطاقات المتجددة، الابتكار… إلا قطاعاً واحداً ظلّ متعثراً بشكل غير مفهوم: اللغة الإسبانية في المغرب. ففي الوقت الذي تتقدم فيه الشراكات الاقتصادية بخطى واسعة، تعيش اللغة الإسبانية تراجعاً صامتاً داخل المؤسسات العمومية والجامعات المغربية، وكأن 600 مليون متحدّث بالإسبانية حول العالم لا يشكّلون قيمة استراتيجية. نقول هذا اليوم كما قلناه بالأمس، إدراكاً منا أن لا أحد سيصغي، لكن “اللهم إني قد بلّغت”.

أما في إسبانيا، فالوضع الداخلي لا يساعد حكومة سانتشيز على نسج مواقف سياسية جريئة. يعيش سانتشيز أضعف أيامه في الحكم، أو لنقل كما يقول الإسبان sus horas bajas. فبعد أن سحب حزب Junts per Catalunya دعمه للتحالف، لم يعد لدى سانتشيز أغلبية برلمانية، وصار يمرّر القرارات بالمراسيم ويتجنب البرلمان. ثلاث سنوات دون قوانين مالية، وخسارة شخصيات مقرّبة مثل لويس آبالوس وسردان داخل الحزب… كلها مؤشرات على حكومة محاصرة من اليمين واليمين المتطرف.

لهذا لا أتوقع أن يذهب سانتشيز أبعد مما ذهب إليه في أبريل 2022. لا يمكن انتظار مواقف شبيهة بالاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، أو بموقف فرنسا. في القضايا الكبرى — مثل مراقبة المجال الجوي بالصحراء أو ترسيم الحدود البحرية قبالة جزر الكناري — قد تكون الخطوات محدودة.

في الشق السياسي الذي يهم قضية الصحراء المغربية، أتوقع أن يعيد الإعلان المشترك (إعلان مدريد) التوكيد على ما جاء في البند الثامن من “إعلان الرباط” الذي حمل حينئذ 74 بنداً، والذي قال بالحرف: “في ما يتعلق بقضية الصحراء الغربية، تجدد إسبانيا التأكيد على الموقف الذي عبّرت عنه في الإعلان المشترك المعتمد في 7 أبريل 2022، بمناسبة اللقاء الذي جمع صاحب الجلالة الملك محمد السادس برئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز”. (المصدر: الإعلان في نسخته الإسبانية).

وللتذكير فإن خريطة الطريق المعتمدة بالرباط في 7 أبريل 2022 تنص في البند الأول من أصل 16 بنداً على أن: “إسبانيا تعترف بأهمية قضية الصحراء الغربية بالنسبة للمملكة المغربية، وبالجهود الجدية وذات المصداقية التي تبذلها الرباط في إطار الأمم المتحدة للتوصل إلى حل مقبول من الأطراف. وفي هذا السياق، تعتبر إسبانيا مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب عام 2007 الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل هذا النزاع”. (المصدر: النسخة الإسبانية من الإعلان). 

وعليه، يمكن أن نتحدث عن قمة يغلب عليها الاقتصاد والتجارة والصناعة والاستثمار، وقد تكون هذه القمة هي الأكثر إنتاجية منذ 20 سنة. وربما يمكن وصفها فعلاً بأنها “قمة اقتصادية وتجارية بامتياز”، حتى وإن كانت خلفيتها الجيوسياسية هي الأهم.

حاجة ملحة إسبانية

الحقيقة أن إسبانيا كانت بحاجة لهذه القمة أكثر من المغرب. فلو لم تُعقد بعد ثلاث سنوات، لاعتُبر ذلك هزيمة سياسية لسانتشيز، الذي كان سيُتهم بأنه رغم علاقته الجيدة بالرباط، فشل في تنظيمها. نذكّر هنا أن القمم المغربية–الإسبانية، التي بدأت سنة 1991، لم تحافظ على انتظامها منذ 2008 بسبب الأزمات السياسية الدورية بين البلدين، أحياناً، وبسبب الوضع الداخلي الإسباني في أحايين أخرى. انتظرنا بين القمة التاسعة (2008) والعاشرة (2012) أربع سنوات لعقدها، ثم ثلاث سنوات أخرى لعقد القمة الـ11 (2015)، ثم ثماني سنوات حتى القمة الـ12 (2023)، والآن القمة الـ13 في دجنبر الحالي 2025.

المسافات الزمنية الفاصلة بين القمم تُظهر بوضوح أن تنظيمها كان دائماً تحدّياً سياسياً. وفشل تنظيمها يُقرأ في الداخل الإسباني كفشل حكومي مباشر.

سياق وسباق هذه القمة صعب، وهو الأمر الذي يفسر كذلك ضعف حضور عدد الوزراء واللقاءات الثنائية الوزارية هذه المرة مقارنة مع قمة 2023 بالرباط والتي شارك فيها 15 وزيرا مغربيا و12 وزيرا إسبانيا، وتم اعتماد 74 بندا، وتوقيع اكثر من 20 مذكرات تفاهم واتفاقية.

ورغم عدم ملاءمة السياق الإسباني الداخلي لانتزاع مواقف كبرى، إلا أنّ السياق العام للعلاقات الثنائية مواتٍ جداً. فمدريد تحتاج هذه القمة كما تحتاج الأرض مطر شهر ماي، agua de mayo، لتعيد تأكيد استقرار علاقاتها مع الرباط، وتثبت أن الشراكة الاستراتيجية مع المغرب خيار ثابت لا تهزّه عواصف السياسة الداخلية.

هكذا، يمكن القول إنّ القمة لن تخرج بقرارات سياسية وجيوسياسية كبرى، جريئة ومتقدمة، لكنها ستعزّز ما يُعرف عند أهل الاختصاص في العلاقات المغربية الإسبانية بـ “حزمة المصالح”، colchón de intereses؛ بمعنى اقتصاد أقوى، صناعة مشتركة، تعاون أمني راسخ، ورؤية سياسية متينة. وكل ذلك يؤكد حقيقة واحدة: العلاقات المغربية–الإسبانية اليوم في أفضل أحوالها منذ نصف قرن، حتى ولو غابت الخطوة التي ينتظرها الجميع، ومهما كانت ضوضاء الداخل الإسباني.

——————————————-

* صحافي وباحث في العلاقات المغربية الإسبانية

التصنيف : اسبانيا المغرب تحاليل