20 يونيو 2026 / 05:23

بيت الصحافة

الرئيس ليس لديه من يراسله

مارس 30 - 28 نوفمبر 2025

توفيق سليماني*

في خطوة سياسية غير متوقعة وبعيدة تماماً عن التوافق الدولي الجديد حول قضية الصحراء، استقبل رئيس كولومبيا، غوستافو بيترو، في بوغوتا مبعوث جبهة “البوليساريو” إلى أمريكا اللاتينية. لم يكتفي غوستافو بالصورة، بل نشر رسالة كرر فيها دعمه للانفصال ولـ“استفتاء” لم يعد موجوداً منذ سنوات في أجندة الأمم المتحدة. وباستعارة العنوان الجميل لإحدى روائع الكاتب الكولومبي العالمي غابرييل غارثيا ماركيز، فإن بيترو “ليس لديه من يراسله”. فالرواية تتحدث عن عقيد متقاعد يعيش في البؤس. ونفس المضمون قد ينطبق على بيترو الأقرب إلى رئيس متقاعد منه لرجل دولة. كما أن الانتخابات الرئاسية في كولومبيا على الأبواب (2026)، مما قد يساعد على فهم تصرف الرئيس الكولومبي الذي تؤكد كل استطلاعات الرأي أنه انتهى.

هذا الفعل الدبلوماسي يعتبر دليلاً على أن الرئيس الكولومبي —الذي يزداد عزلة— ما يزال عالقاً في خطاب ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهو التاريخ الذي اعتمد فيه مجلس الأمن القرار التاريخي 2797 الذي كرّس حصرية مبادرة الحكم الذاتي باعتباره الأساس الجاد والواقعي الوحيد لحل نهائي للنزاع.

صرّح بيترو في منشوره بأن الأمم المتحدة “وافقت على إجراء استفتاء ليقرر الشعب الصحراوي استقلاله”. غير أن هذا التصور تجاوزه الزمن منذ أكثر من عقدين، وتم دفنه نهائياً بالقرار الأخير الذي يستبعد أي خارطة طريق غير المبادرة المغربية.

ويرجح هذا الخطأ المفاهيمي فرضية أن الرئيس الكولومبي لا يملك فريقاً دبلوماسياً يقدّم له المشورة المناسبة، وأنه ما يزال يتحرك ضمن إطار ذهني يعود  لتسعينيات القرن الماضي. كما أن مواجهته الشخصية مع رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، بعيداً عن مصالح الكولومبيين، تُظهر مدى عزلة الرئيس اليساري الجذري عن الواقع الحقيقي.

إن لقاء بيترو مع مبعوث “البوليساريو” لا يغيّر شيئاً في التوازن الدولي حول ملف الصحراء، إذ إن كولومبيا ليست فاعلاً مؤثراً في هذا الملف. كما أن بيترو لا يحظى بدعم غالبية الكولومبيين. فالشعب الكولومبي صديق للمغرب، غير أن الإيديولوجيا تمنع بيترو من رؤية الحقائق والواقع.

وتُقرأ هذه المبادرة باعتبارها مجرد تصرف للاستهلاك الداخلي؛ وربما يمكن القول إنه عمل رمزي بلا وزن حقيقي لا في المنطقة ولا في الأمم المتحدة.

وبينما يحاول الرئيس الكولومبي إحياء خطابات قديمة في سياسته الخارجية، تزداد تعقيدات الوضع في بوغوتا. فقد عاقب المجلس الوطني للانتخابات مؤخراً الحملة التي أوصلته إلى السلطة سنة 2022 بسبب تجاوز سقف التمويل وإخفاء مصادر تبرعات، ما فجّر عاصفة سياسية قبل أشهر قليلة من بدء الدورة الانتخابية لعام 2026.

وتجاوزت قيمة الغرامات —المفروضة على فريق حملته— 1.5 مليون دولار، الأمر الذي زاد التوتر المؤسسي وأضعف صورة رئيس تبدو إعادة انتخابه أو استمراريته السياسية أقل احتمالاً من أي وقت مضى.

وفي خضم العقوبات والتشدد الأيديولوجي للرئيس والمشهد الانتخابي الصعب، يبدو لقاء بيترو مع مبعوث “البوليساريو” مجرد خطوة مرتجلة ورمزية وبلا أي أثر جيوسياسي، وتُجسد انفصاله عن الهندسة الدبلوماسية الدولية الجديدة المتعلقة بملف الصحراء. يبدو أن الأمور اختلطت على الرئيس الكولومبي إذ لم يعد يفرق بين القضايا العادلة مثل القضية الفلسطينية، والقضايا المفتعلة مثل المطالب الانفصالية لجبهة البوليساريو تحت غطاء الجزائر ومن يحركها أيضا .

—————————-

* صحافي متخصص في الشأن المغربي الأمريكولاتيني

التصنيف : أمريكا اللاتينية الصحراء