توفيق سليماني*
الاحتفال بالنصر والذكرى الخمسينية للمسيرة الخضراء لا يجب أن يلهينا عن رصد وتحليل ما يجري في الجوار القريب والبعيد. ما يحدث اليوم وعلى مدار الساعة لا يسمح بالاسترخاء. إنه زمن يَصْدُقُ فيه القول المأثور: «الوقت من ذهب». فقد أصبحت السياسة والجغرافيا عاملين حاسمين في ملامح النظام الدولي الجديد الذي يمرّ بمخاض الولادة.
مناسبة تحرير هذا المقال هو إعلان إسبانيا تخصيص مليارات اليوروهات لتعزيز قدراتها المينائية والبحرية. مستجد يهم المغرب أيضاً، بحكم الجوار وتشابك المصالح والتنافس البحري واللوجستي؛ وليس بالضرورة العسكري.
في عام 2014، قال الكاتب الأمريكي والتر راسل ميد في مقال بمجلة فورين أفيرز إن «الجيوسياسة قد عادت». عادت المنافسة بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا)، وعادت معها أهمية الخرائط والممرات البحرية والحدود والموارد. عاد الصراع حول الطاقة، الموانئ، الممرات البحرية والموقع الجغرافي. والمنعطف التاريخي الذي تعرفه قضية الصحراء بعد قرار مجلس الأمن الأخير لا يمكن فهمه أيضاً بعيداً عن «عودة الجغرافيا».
لم يعد الميناء مجرد رصيف لرسوّ السفن أو نقطة لعبور الأشخاص والبضائع. في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والجيو-اقتصادية، أصبحت الموانئ مراكز ثقل استراتيجي تحدد موقع الدول في خريطة النفوذ العالمي. ومع عودة الجغرافيا إلى قلب القرارات الكبرى، تتجه الدول إلى بناء سلاسل لوجستية جديدة تحمي أسواقها وتؤمّن مسارات قوتها.
في هذا السياق، أعلن وزير النقل والتنقل المستدام الإسباني، أوسكار بوينتي، عن خطة استثمارية تفوق 7 مليارات يورو لتطوير الموانئ الخاضعة للدولة خلال الفترة 2025–2029، بهدف تعزيز التنافسية ورفع الطاقة الاستيعابية وربط الموانئ بشبكات النقل البري والسككي. وتشمل الخطة 46 ميناء تديرها 28 هيئة مينائية، مع تركيز خاص على موانئ فالنسيا، برشلونة، الجزيرة الخضراء وجزر الكناري؛ وهي موانئ ذات ارتباط مباشر أو غير مباشر بموانئ المغرب، وربما تأثرت بالثورة التي شهدها القطاع المينائي المغربي.
فخلال السنوات الأخيرة، أطلق المغرب سياسة مينائية متقدمة جعلت من ميناء طنجة المتوسط واحداً من أكبر موانئ العالم من حيث الربط البحري، إلى جانب مشاريع مهيكلة مثل الناظور غرب المتوسط، والداخلة الأطلسي المقابل لجزر الكناري. وقد أعادت هذه المشاريع رسم مسارات التجارة بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، وجعلت المغرب فاعلاً رئيسياً في ما يُمكن تسميته اليوم بـ«اقتصاد الممرات البحرية». فميناء الداخلة الأطلسي مهيأ لأن يصبح صلة وصل بحرية بين إفريقيا وأوروبا والأمريكتين وآسيا.
وتدرك إسبانيا أن أي تراجع في تنافسية موانئها سيُضعف موقعها في سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ظل تنافس مباشر مع المغرب. لذلك تتجه استثماراتها نحو التوسع، والتحول البيئي، والربط السككي، وتطوير موانئ أكثر اندماجاً مع النسيج الحضري والاقتصادي.
إنها معركة الموانئ في زمن تتحدد فيه القوة بقدرة الدول على التحكم في العقد اللوجستية. وفي هذا التوازن الجديد، يحضر المغرب بقوة. غير أن الجار، مهما كان شريكاً وصديقاً، يفكر أيضاً في مصلحته. لقد عادت الجغرافيا إلى المنطقة، وهذه إشارات للبحارة.
Aviso a navegantes.
———-
*صحفي وباحث متخصص في الشأن المغربي الإسباني والأمريكولاتيني.