حوار وترجمة: محمد الشاربي
روسا إيزابيل مارتينيز ليو، أستاذة وباحثة إسبانية بارزة في مجال الدراسات العربية والإسلامية. حاصلة على الإجازة في فقه اللغة العربية من جامعة الأوتونوما بمدريد عام 1983. وحاصلة على درجة الدكتوراه في الدراسات العربية من نفس الجامعة عام 1991. وتشتغل الآن كأستاذة في جامعة مالقة.
وهي مترجمة أدبية لها مساهمات أكاديمية هامة في الأدب العربي المعاصر، والأندلس، وترجمة الشعر العربي إلى الإسبانية. ونالت جوائز أكاديمية متميزة.
درّست وألقت محاضرات في العديد من الجامعات المرموقة حول العالم، منها جامعات في مصر، إيطاليا، التشيلي، وشاركت في تنظيم وإدارة ندوات ومؤتمرات تهتم بالأدب والقضايا العربية (مثل الشعر الفلسطيني).
تركز أبحاثها على اللغة والأدب العربي، والأندلس من منظور معاصر، بالإضافة إلى حضور الثقافة العربية في أمريكا اللاتينية، إلخ.
في هذا الحوار الحصري مع جريدة “مارس 30″، تتناول المستعربة والمترجمة الإسبانية روسا إيزابيل مارتينيز عدة مواضيع مهمة: بداية ارتباطها باللغة العربية، وضعية اللغة العربية في إسبانيا، صورة العرب والإسلام في إسبانيا، الأندلس، الاستعراب الإسباني، الشعر العربي، الترجمة، المغرب، إلخ.
– أنتِ أستاذة حاصلة على درجة الدكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية من جامعة الأوتونوما بمدريد (إسبانيا). حدثينا قليلاً عن بداية ارتباطك باللغة العربية. ونود أيضاً معرفة سبب اهتمامكِ بـ “الدراسات العربية والإسلامية”.
– وُلدتُ في القاهرة، ورغم أنني جئتُ إلى إسبانيا وأنا رضيعة، إلا أن أول هواء تنفسته، الهواء الذي منحني الحياة، كان هواء القاهرة. ولذلك أدرجتُ إهداءً خاصا للعاصمة المصرية في كتابي الأخير حول صلاح عبد الصبور، الموسوم بــ “أصوات وصمت شاعر رزين: صلاح عبد الصبور (مصر 1931-1981)”.
في المنزل كنا نتحدث القشتالية/الإسبانية. وكان أصدقاء والديّ العرب يزوروننا باستمرار. لطالما أذهلني دفء هؤلاء الناس وكرم ضيافتهم، وكيف كانوا يداعبون أقدامهم بيدٍ بينما يمسكون زهرةً باليد الأخرى، وكيف كانوا يبتسمون وينظرون إلينا بنظرات حانية، وكيف كانوا يتبادلون الشيشة (النارجيلة)… ذلك الشعور بالدفء والترحاب والإنسانية لامس روحي.
في فترة الشباب، بدأتُ قراءة روايات نجيب محفوظ (المترجمة إلى الإسبانية)، وانبهرتُ بالعالم المصري الذي وصفه الكاتب ببراعةٍ فائقة: كأن عبيره كان حاضرًا، يكاد يكون ملموسًا بفضل أسلوب محفوظ الأدبي البارع. تلك الشخصيات النابضة بالحياة والمشاعر، ذلك النبض الداخلي في كل زاوية من زوايا القاهرة، ذلك “الصراع” الصوفي بين الظاهر والباطن – كل ذلك كان آسرًا.
عندما التحقتُ بجامعة الأوتونوما بمدريد، كان هدفي الحصول على الإجازة في فقه اللغة الإسبانية (لطالما انجذبتُ إلى العصر الذهبي، وخاصة “جيل 98″، و”جيل 27”). لكن في سنتي الأولى، حظيتُ بأستاذ لغة عربية استثنائي: بيدرو مارتينيث مونتابيث؛ لدرجة أنني في سنتي الثانية كنتُ قد حسمتُ الأمر تمامًا من أجل دراسة اللغة العربية.
سافرتُ إلى مصر لإتمام أطروحتي للدكتوراه، وزرتُ العديد من الدول العربية: مصر، العراق، سوريا، لبنان، الأردن، اليمن، المغرب، ليبيا، تونس، وقطر. أعجبني كثيرا أهلها وشعرهم. في الواقع، يعتبر العرب والشعر العربي من أكثر الأمور التي جذبتني خلال تلك التجربة.
– هل ما زال هناك اهتمام بـ “الدراسات العربية والإسلامية” في إسبانيا؟
– نعم، بالطبع، هناك اهتمام وسيظل موجودًا دائمًا، لكن بدرجات متفاوتة، تبعًا للظروف الجغرافية والاجتماعية والسياسية.
– ما هو التصور السائد في إسبانيا عن كل ما هو عربي وإسلامي؟
– لا يمكن التعميم، إذ يعتمد الأمر على الزمان والمكان والواقع الاجتماعي والسياسي. ولكن في كثير من الأحيان، لا يميز الناس بين “عربي” و”إسلامي” (سواء عن قصد أو غير قصد)، وعمومًا، هناك جهل حول جوهر الإسلام.
– لقد درّست في جامعات مختلفة حول العالم: إسبانيا، إيطاليا، جمهورية التشيك، أمريكا اللاتينية، وغيرها. كيف ينظر الطلاب في هذه البلدان إلى الثقافة العربية والإسلامية؟
– يعتمد الأمر أيضًا على كل بلد ومدينة، وفي النهاية، على الظروف الخاصة بكل بلد. ففي التشيلي، على سبيل المثال، يوجد أحد أبرز مراكز الدراسات العربية، وهو مركز إيوخينيو تشاوان للدراسات العربية (Eugenio Chawán) في جامعة التشيلي. بما أن سانتياغو تضم جالية كبيرة من أصول عربية، معظمهم من الفلسطينيين، فإن ارتباطهم بالثقافة العربية واضح، وربما أقل وضوحًا بشأن الإسلام، نظرًا لأن أغلبهم مسيحيون.
في إيطاليا، كانت تصورات كلها إيجابية للغاية: من فلورنسا إلى ليتشي، مرورًا بروما ونابولي، يتمتع الطلاب عمومًا بفهم جيد للثقافة العربية والإسلامية ويحترمونها.
– بالحديث عن تاريخ الأندلس، أو بالأحرى، الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، ما الذي يحتاجه الإسبان، بشكل عام، ليغيروا نظرتهم إلى الثقافة العربية والإسلامية؟
– أشير إلى الأندلس وأكتبها بهذا الاسم (Alándalus) (بدون واصلة، لأنها مصطلح وواقع قائم بذاته).
في رأيي، المطلوب من الأوساط الأكاديمية – الجامعة – وهو مجال تخصصي، هو محاولة تقدير الأندلس من منظور تعددي، ومحاولة دمج مختلف الأبعاد، وعدم إغفال البُعد الثقافي أبدًا. كانت هناك لقاءات وخلافات، صراعات وحلول… وفوق كل ذلك، كانت هناك ثقافةٌ التي غالبًا ما تتعرض للنسيان.
– في مجال الترجمة، ترجمت العديد من الأعمال الشعرية لبعض أبرز شعراء العرب المعاصرين، منهم أمل دنقل، وصلاح عبد الصبور، ومحمود درويش، ونزار قباني، وعبد الوهاب البياتي، وغيرهم. حدثينا قليلًا عن تجربتك في مجال الترجمة. أين تتجلى صعوبة ترجمة الشعر من العربية إلى الإسبانية؟
– من خلال تجربتي كمترجمة من العربية إلى الإسبانية والإيطالية، أرى أن ترجمة الشعر عمليةٌ معقدةٌ بقدر ما هي آسرة. في رأيي، تكمن الصعوبة الأساسية في عدم تقدير معنى الترجمة الأدبية، أو الشعرية تحديدًا، والشعور به وفهمه فهمًا حقيقيًا. أعتقد أن الخطوة الأولى، بعد الفهم الحرفي للقصيدة، هي الشعور بها، وتجربتها داخليا جسديا… كما يقول أدونيس: “ليست الروح هي التي تتذكر، بل الجسد”.
خلال القيام بالترجمة أحاول أن أدع القصيدة “تتغلغل في داخلي”، إن صح التعبير، وتستحوذ على كياني، وعقلي وروحي، وتستقر هناك بقدر ما تحتاج، ثم تظهر في اللغة الهدف. حينها أدرك “جودة” الترجمة: بعد ترجمة القصيدة، لم أعد الشخص نفسه، بل أصبحتُ أكثر ثراءً كإنسان من خلال تلك التجربة الشعرية.
– في نفس السياق، كيف تنظرين إلى الأدب العربي؟
– بشكل عام، يتميز الأدب العربي بجودة عالية، وكذلك المترجمون الذين ساهموا وما زالوا يساهمون في نشرها والتعريف بها. في رأيي، تُرجمت معظم أعمال كبار الأدباء، مثل طه حسين، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، إلخ، ترجمةً ممتازة، من طرف مجموعة من المترجمين، بدءًا من إميليو غارسيا غوميز.
– ماذا تقولين عن شخصية دون كيخوتي في الشعر المصري المعاصر؟
– لقد كتبتُ مقالًا حول هذا الموضوع. يمكن النظر إلى شخصية دون كيخوتي من زوايا مختلفة: فارس جوال، ومناضل لا يكلّ من أجل قضايا خاسرة، واستعارة للحالم المعاصر. أستحضر هنا عبارة قالها الدكتور خالد الكركي ذات يوم خلال حصة مادة “تذوق النصوص الأدبية” في إطار أحد فصول دراستي بجامعة عمّان: “لم يبقَ للعرب إلا أن يحلموا”.
– ماذا يُمثّل بالنسبة لك المستعرب الإسباني الكبير بيدرو مارتينيث مونتابيث؟ كيف هو واقع الاستعراب الإسباني اليوم؟
– بصفته أستاذاً، كان فريدا من نوعه بلا شك: أسلوبه في التدريس، وتعريفنا بقواعد اللغة العربية، ودلالاتها، واللغة عموماً، والثقافة، والعرب. لقد جعلنا نُدرك ونشعر بأن العرب، قبل كل شيء، بشر، وبهذا المعنى، فهم بحاجة إلى الحرية أولاً وقبل كل شيء؛ حرية أن يكونوا على طبيعتهم، وأن يعيشوا.
كانت دروسه متعة حقيقية، ومصدراً للحكمة الحقيقية. أخبرك أنني التحقت بجامعة الأوتونوما بمدريد لدراسة فقه اللغة الإسبانية (لأنني أحببت وما أزال أحب الشعر الإسباني – جيل 1927 بشكل خاص – ومسرح العصر الذهبي)، ولكن في سنتي الأولى كان أستاذي مارتينيث مونتابيث، وقد أبهرني كثيرا واخترت في آخر المطاف اللغة العربية. لم أندم على هذا الاختيار أبداً. اختيار الدراسات العربية كان من أفضل القرارات الناجحة في حياتي. فقد تعلمت من العرب الكثير من الأشياء: الاستمتاع باللحظة، والحب، والرضا بالقليل،… رغم أن الهوية العربية بدأت تتلاشى منذ حرب العراق والكويت، مما تسبب في أزمة شخصية ومهنية كبيرة. لهذا السبب تحديدًا بدأت أسافر أكثر إلى إيطاليا، ثم إلى أمريكا، لأبحث حول العرب في أمريكا. ورغم ذلك، مازلت أحب العرب.
فيما يخص وضعية الاستعراب الإسباني اليوم، في الواقع يصعب تلخيصها في بضعة أسطر. أنا شخصيًا اتبعت، وما زلت أتبع، مسارًا مستقلًا. أشعر براحة كبيرة في جامعة مالقة على جميع المستويات.
– كيف ترين العلاقات الحالية بين إسبانيا والعالم العربي-الإسلامي؟
– هذا موضوع معقد أيضًا، ويتطلب العديد من الجوانب والتفاصيل الدقيقة. لا أعتقد أنه من الممكن التعميم. لا يوجد عالم عربي-إسلامي واحد، ولا توجد “إسبانيا” واحدة.
على أي حال، وباختصار شديد، أرى أن أقرب واقع لإسبانيا في هذا السياق اليوم هو المغرب.
أعتقد أننا، كإسبان، حظينا بفرص قيّمة كثيرة مع العالم العربي-الإسلامي، ولكننا للأسف لم نحتفظ عليها.
– ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المستعربون الإسبان من أجل بناء جسور التواصل بين شبه الجزيرة الإيبيرية والعالم العربي-الإسلامي؟
– أؤكد أنه لا يوجد نمط واحد من الاستعراب أو المستعربين في شبه الجزيرة الإيبيرية، كما أنه لا يوجد واقع عربي-إسلامي واحد.
أنا شخصيًا، في جامعة مالقة، وبفضل أبحاثي الأخيرة، أعمل على تعزيز العلاقات مع المناطق الأمريكية ذات الكثافة السكانية العالية من أصول عربية: التشيلي، والأرجنتين، والمكسيك، والبرازيل، ومنطقة الحدود الثلاثية لنهر بارانا. من خلال مشروع REDUMAxPalestina، ندعم القضية الفلسطينية التي يجب ألا تُنسى أبدًا. كما أواصل عملي في الترجمة الأدبية. على سبيل المثال، أقوم حاليًا بترجمة رواية “البيت الأندلسي” الرائعة للكاتب واسيني الأعرج، بالتعاون مع الأستاذة الجزائرية خرج عميزة من جامعة مستغانم.
– كم مرة زرت المغرب؟ كيف وجدتي هذا البلد؟
– زرت المغرب أربع مرات. إنه بلد غني جدًا بالتنوع: هناك تنوع على مستوى اللهجات، والأشخاص، والمناظر الطبيعية، والروائح، والنكهات، والألوان… آخر مرة زرت فيها المغرب كانت برفقة والدي، الأستاذ مارتينيث مونتابيث، واستمتعنا كثيرًا. ذات مرة كنا نشاهد مباراة كرة قدم في مقهى يعجّ بالمغاربة، وأتذكر أن والدي مازحني بابتسامة عريضة (كان يتمتع بروح دعابة رائعة، وكنا نتشارك شغفًا كبيرًا بهذه الرياضة… وما زلت كذلك): “يا ابنتي، يبدو الأمر وكأنه ثورة المرينيين”.
– أخيرًا، ما هي الرسالة التي تودّين توجيهها للقارئ الإسباني والعربي؟
– لديّ العديد من الرسائل. باختصار، الرسالة الأساسية هي رسالة الوئام والتسامح والقبول. أقول ما اقترحته عنوانًا لمقال كتبته عن أدونيس وكتابه الرائع “موسيقى الحوت الأزرق”: “المعرفة أساس الفهم”.