تحولت أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، الواقعة بمدينة سلا، إلى أحد أهم المشاريع الرياضية بالمملكة وإلى ركيزة أساسية في استراتيجية المملكة الرامية إلى بناء جيل جديد من اللاعبين القادرين على المنافسة في أعلى المستويات الدولية. ومع الإنجازات التي حققتها الكرة المغربية خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد بلوغ نصف نهائي كأس العالم 2022 والاستعداد لتنظيم مونديال 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، أصبحت الأكاديمية محط اهتمام متزايد باعتبارها أحد أسرار النهضة الكروية المغربية.
تأسست الأكاديمية سنة 2010 بمبادرة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في إطار رؤية تهدف إلى الرفع من مستوى كرة القدم الوطنية من خلال الاستثمار في التكوين القاعدي واكتشاف المواهب الشابة وصقلها وفق معايير احترافية عالمية. ومنذ انطلاقها، نجحت في فرض نفسها كواحدة من أبرز مراكز التكوين في القارة الإفريقية، وفق تقرير مطول لصحيفة “إلباييس” الإسبانية.
ويقود طارق الخزري، المسؤول عن استقطاب المواهب ومدير قطب التكوين، عملية البحث عن اللاعبين الواعدين عبر مختلف مناطق المملكة. ويعتبر الخزري أن نجاح المشروع يرتكز أساسا على حسن اختيار المواهب في سن مبكرة، مؤكدا أن امتلاك أفضل اللاعبين يشكل الأساس الحقيقي لأي مشروع تكويني ناجح.
وقد بدأت ثمار هذا العمل تظهر بوضوح على مستوى المنتخبات الوطنية. ففي مونديال قطر 2022، الذي شهد وصول المنتخب المغربي إلى نصف النهائي كأول منتخب إفريقي يحقق هذا الإنجاز، ضمت التشكيلة أربعة لاعبين تخرجوا من أكاديمية محمد السادس، وهم يوسف النصيري وعز الدين أوناحي ونايف أكرد وأحمد رضا التكناوتي.
كما واصلت الأكاديمية- تضيف إلباييس- تقديم مواهب جديدة للكرة المغربية، حيث ساهم عدد من خريجيها في تتويج المنتخب المغربي بكأس العالم لأقل من 20 سنة سنة 2025. وضمت التشكيلة الأساسية للمباراة النهائية أربعة لاعبين من أبناء الأكاديمية، من بينهم المهاجم الزبيري الذي سجل هدفي الفوز في النهائي أمام الأرجنتين واختير من بين أفضل لاعبي البطولة.
وتضم الأكاديمية حاليا خمسة فرق موزعة على الفئات العمرية من أقل من 13 سنة إلى أقل من 21 سنة. وتخوض هذه الفرق منافسات ضد فئات عمرية أكبر من سنها بهدف رفع مستوى التحدي وتسريع تطور اللاعبين.
وتبدأ عملية التكوين عبر شبكة من مراكز اكتشاف المواهب المنتشرة في مختلف جهات المملكة، حيث يتم تتبع مئات الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و13 سنة. وبعد سنوات من المراقبة والتقييم، يتم اختيار أفضل العناصر للالتحاق بالأكاديمية في سلا، حيث يقيمون ويدرسون ويتدربون إلى غاية بلوغ سن الرشد.
ويتميز البرنامج التكويني بشموليته، إذ توفر الأكاديمية للاعبين الإقامة الكاملة والتعليم والدعم الطبي والنفسي والتغذية والتدريب الرياضي في منشآت حديثة تعتبر من بين الأفضل على الصعيد الإفريقي. كما يضم المركب فضاءات للترفيه ومسجدا ومرافق متكاملة تتيح للاعبين التركيز الكامل على تطوير قدراتهم.
ويحظى الجانب النفسي بأهمية خاصة داخل المشروع، حيث يشرف مختصون في علم النفس الرياضي على مواكبة اللاعبين منذ الأيام الأولى لوصولهم، خاصة خلال مرحلة الابتعاد عن أسرهم، بهدف إعدادهم لتحمل الضغوط المرتبطة بالمنافسة الاحترافية.
وتمكنت الأكاديمية خلال السنوات الماضية من تخريج عشرات اللاعبين الذين ينشطون اليوم في الأندية الأوروبية وفي البطولة الاحترافية المغربية. ويعتبر المهاجم ياسر الزبيري أحد أبرز النماذج الحديثة لهذا المسار، بعدما قضى أكثر من عشر سنوات داخل منظومة التكوين قبل انتقاله إلى البرتغال ومن هناك إلى نادي ستاد رين الفرنسي.
ولا يقتصر تأثير الأكاديمية على تكوين اللاعبين فقط، بل أصبح نموذجها مرجعا لتطوير مراكز التكوين التابعة للأندية المغربية. وفي هذا الإطار، أطلقت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط سنة 2024 فرعا رياضيا جديدا يهدف إلى دعم تكوين المواهب الشابة والمساهمة في إنشاء وإدارة أكاديميات ومراكز تدريب عالية المستوى تحت إشراف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
وقد بدأت عدة أندية مغربية، من بينها الفتح الرباطي والجيش الملكي، في تحديث بنياتها التكوينية واستقطاب خبرات أجنبية للاستفادة من أفضل التجارب الأوروبية في مجال التكوين، سعيا إلى إنتاج جيل جديد من اللاعبين القادرين على المنافسة قاريا ودوليا.
كما تعتمد الأكاديمية على الانفتاح على التجارب العالمية من خلال الاستعانة بمدربين وخبراء من بلجيكا وهولندا وإسبانيا وغيرها من الدول الأوروبية، بهدف نقل أحدث المناهج التدريبية وإعداد اللاعبين للتأقلم مع متطلبات كرة القدم الحديثة.
وفي نهاية كل موسم، تنظم الأكاديمية دوريات ولقاءات رياضية تستقطب كشافي الأندية الأوروبية ووكلاء اللاعبين، ما يتيح للمواهب الشابة فرصة توقيع أول عقودها الاحترافية والانطلاق نحو مسارات كروية دولية.
ومع انطلاق كأس العالم 2030، تواصل أكاديمية محمد السادس لعب دور محوري في مشروع المغرب الكروي، باعتبارها نموذجا يجمع بين الاستثمار في الشباب والتكوين عالي المستوى والرؤية الاستراتيجية طويلة المدى، بما يضمن استمرارية النجاحات التي حققتها الكرة المغربية خلال السنوات الأخيرة ويعزز مكانة المملكة كإحدى القوى الصاعدة في كرة القدم العالمية.