اعتبر خافيير صولانا، وزير الخارجية الإسباني الأسبق والأمين العام السابق لحلف “الناتو” والممثل الأعلى الأسبق للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، أن العالم يعيش اليوم تحولا جذريا وغير مسبوق في العلاقات الدولية، مؤكداً أن وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض “أنهى التعددية الدولية” التي حكمت العالم لعقود بعد الحرب الباردة.
وفي حوار مطول مع صحيفة “إل باييس” الإسبانية، قال صولانا إن النظام الدولي القائم على المؤسسات والتعاون المتعدد الأطراف دخل مرحلة الانهيار، مضيفاً: “مع وصول ترامب انتهت التعددية الدولية. لا أعرف إن كانت ستعود مستقبلاً، لكن إذا عادت فلن تكون كما عرفناها”.
وأعرب المسؤول الأوروبي السابق عن قلقه الكبير من شخصية ترامب نفسها، معتبراً أن ما يحدث اليوم في العالم يمثل أخطر تحول جيوسياسي عاشه خلال حياته السياسية الطويلة. وقال: “لم أكن أتوقع أن أرى خلال حياتي رئيساً أمريكياً يقول إن الأوروبيين هم خصومه”.
وربط صولانا التحولات الحالية بالأحداث التي أعقبت هجمات 11 شتنبر 2001 بالولايات المتحدة، مؤكداً أن تلك الهجمات غيرت مسار العالم بالكامل. وكشف أنه كان موجوداً في أوكرانيا رفقة رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك، رومانو برودي، عندما تلقى خبر الهجمات، مضيفاً أن العالم دخل منذ ذلك اليوم مرحلة جديدة من الحروب والتوترات المستمرة.
وقال صولانا إن الولايات المتحدة بعد الهجمات ركزت بشكل كامل على “الانتقام”، معتبراً أن ذلك أدى إلى اختلالات كبيرة في العلاقات الدولية وأثر حتى على العلاقة بين واشنطن وموسكو.
وتوقف السياسي الإسباني المخضرم عند علاقته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مشيراً إلى أنه عرفه منذ فترة عمله داخل جهاز الاستخبارات“كي جي بي”، ثم عندما أصبح رئيساً للوزراء وبعدها رئيساً لروسيا. وأضاف أن بوتين كان يحمل “قليلاً من الود” تجاه بعض المسؤولين الأوروبيين خلال تلك المرحلة.
كما حذر صولانا من التراجع المتزايد للدور الأوروبي في ملفات الأمن والسلم الدوليين، مذكراً بأن الاتحاد الأوروبي خلال فترة توليه المسؤولية قاد عمليات لحفظ السلام في عدة مناطق، بينها الكونغو وبين غزة ومصر، معتبراً أن أوروبا فقدت جزءاً كبيراً من حضورها وتأثيرها الدولي.
وفي حديثه عن مستقبل أوروبا، أكد صولانا أن القارة تواجه مرحلة شديدة الحساسية بسبب صعود اليمين المتطرف، وتداعيات “البريكست”، والتوتر المتزايد مع الولايات المتحدة، إلى جانب التحديات الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
واعتبر أن الذكاء الاصطناعي يمثل إحدى أخطر المعارك المستقبلية، محذراً من ترك هذه التكنولوجيا دون ضوابط أو تنظيم دولي. وقال إن كبار المستثمرين والشركات العملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي يرفضون أي تنظيم حقيقي، وهو ما قد يتحول إلى “مشكلة كبرى” مستقبلاً.
وفي الشأن الإسباني، أكد صولانا أن الاقتصاد الإسباني ما يزال يحظى باحترام المؤسسات الدولية والأوروبية، لكنه عبّر عن قلقه من حدة الاستقطاب السياسي والتوتر القائم بين الحكومة والمعارضة، معتبراً أن غياب الحوار السياسي “ليس أمراً جيداً لإسبانيا”.
كما أبدى مخاوفه من تنامي شعور الإحباط لدى الأجيال الشابة بسبب تراجع الآفاق المستقبلية، مشيراً إلى أن نتائج استطلاعات الرأي المتعلقة بتوجهات الشباب السياسية “تثير القلق”.
وتطرق صولانا أيضاً إلى الجدل المرتبط هذه الأيام بقضية رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق، خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو، بعد توجيه اتهامات له باستغلال النفوذ وتبييض الأموال، قائلاً إن الصورة التي يقدمها التقرير القضائي الأخير “لا تشبه صورة ثاباتيرو الذي يعرفه”، مضيفاً: “أشعر بحزن كبير. لا أجد في مساره شيئاً يشبه ما يروى عنه اليوم”.
وختم صولانا حديثه بالتأكيد على أن أوروبا والعالم يعيشان مرحلة انتقالية عميقة، وأن العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا “لن تعود كما كانت”، في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من معركة النفوذ العالمية الجديدة.