كشف المؤرخ الإسباني، خوان فرانسيسكو فوينتيس، أحد أبرز المتخصصين في تاريخ المرحلة الانتقالية بإسبانيا، أن وصول أدولفو سواريث إلى رئاسة الحكومة الإسبانية سنة 1976 لم يكن متوقعا حتى داخل دوائر السلطة نفسها، معتبرا أن الرجل نجح، لسنوات، في بناء صورة “سياسي عادي” لإخفاء طموحه الحقيقي وقدرته على الوصول إلى مركز القرار.
وقال فوينتيس، في حوار مطول نشرته صحيفة “إلباييس” الإسبانية بمناسبة الذكرى الخمسين لتعيين سواريث رئيسا للحكومة، إن “أحدا لم يكن يتخيل أن سواريث سيكون مرشح الملك خوان كارلوس”، مضيفا أن الأمر كان “النتيجة النهائية لنجاح عملية التمويه السياسي التي مارسها منذ بداية مسيرته”.
ويعد خوان فرانسيسكو فوينتيس صاحب واحدة من أهم السير السياسية التي كتبت عن أدولفو سواريث، الرجل الذي قاد الانتقال الإسباني من الديكتاتورية إلى النظام الديمقراطي بعد وفاة الجنرال فرانكو، حيث أعاد المؤرخ الإسباني إصدار كتابه في نسخة جديدة ومحينة تتزامن مع عودة النقاش داخل إسبانيا حول إرث “الانتقال الديمقراطي”.
واعتبر المؤرخ أن سواريث لم يكن ينتمي إلى النخب التقليدية للنظام الفرانكوي، ولا إلى العائلات النافذة أو جماعات الضغط القوية داخل الدولة الإسبانية، بل كان يشعر، منذ وصوله إلى مدريد في خمسينيات القرن الماضي، بأنه “شخص خارج النخبة”.
وأوضح أن هذا الإحساس بالهامش الاجتماعي والسياسي دفعه إلى تطوير استراتيجية قائمة على “التخفي” وعدم إثارة مخاوف مراكز القوة، وهو ما سمح له بالتقدم تدريجيا داخل النظام دون أن ينظر إليه باعتباره تهديدا.
وقال فوينتيس إن “سواريث كان يقدم نفسه دائما باعتباره سياسيا عاديا ودون طموحات كبيرة، ولذلك لم يكن أحد يشك فيه”، مضيفا أن هذه القدرة على التكيف والاندماج داخل السلطة دون الاصطدام المباشر بالنخب التقليدية شكلت أحد أسرار صعوده المفاجئ.
ورغم الانتقادات التي تعرض لها سواريث لاحقا بسبب محدودية تكوينه الفكري، يرى المؤرخ الإسباني أن الرجل امتلك صفات سياسية استثنائية، أبرزها الحدس والقدرة على التعلم السريع والخيال السياسي والطموح الكبير.
وأكد أن شخصية سواريث ظلت “غامضة” حتى بالنسبة لأقرب المقربين منه، موضحا أن الرجل “بنى في الظل شخصية لم يكن أحد يعرفها”، قبل أن يفاجئ الجميع بعد تعيينه رئيسا للحكومة باتخاذ قرارات غير متوقعة غيرت مسار تاريخ إسبانيا.
ومن بين أبرز الاستدلالات التي قدمها فوينتيس لفهم شخصية سواريث، حديثه عن العلاقة الخاصة التي ربطته بالتلفزيون، معتبرا أن الإعلام التلفزيوني كان “إحدى أكبر مدارس السلطة” بالنسبة إليه.
وقال المؤرخ إن “سواريث لا يمكن فهمه دون التلفزيون”، موضحا أن الرجل كان يدرك مبكرا أهمية الصورة والاتصال السياسي، في وقت لم يكن فيه البرلمان يتمتع بنفس القوة الرمزية والجماهيرية داخل المجتمع الإسباني الخارج لتوه من الديكتاتورية.
وفي سياق تحليله للعلاقة بين سواريث والملك خوان كارلوس، وصف فوينتيس الرجلين بأنهما “روحان متشابهتان”، مشيرا إلى أنهما ينتميان إلى جيل واحد عاش آثار الحرب الأهلية الإسبانية وسعى إلى تجاوز صراعات الماضي.
وأضاف أن الاثنين كانا ينتميان أيضا إلى “عائلات مفككة” وعاشا شعورا مبكرا بعدم الاستقرار، وهو ما جعلهما يتقاسمان، حسب تعبيره، “الرغبة في تغيير مسار التاريخ وعدم تكرار مآسي الأجيال السابقة”. فحتى الملك خوان كارلوس في سيرته الذاتية الصادرة مؤخرا تحت عنوان “المصالحة”، اعترف بالدور الكبير الذي لعبه أدولفو سواريث.
غير أن العلاقة القوية بين الملك ورئيس الحكومة بدأت تتدهور تدريجيا مع تعمق الأزمة السياسية والأمنية والاقتصادية داخل إسبانيا أواخر سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي.
وأشار فوينتيس إلى أن سنة 1980 شكلت نقطة التحول الأساسية، في ظل تصاعد الإرهاب (يقصد حركة إيتا) والأزمة الاقتصادية والانقسامات داخل حزب “اتحاد الوسط الديمقراطي” الذي قاده سواريث، إضافة إلى تزايد الضغوط داخل المؤسسة العسكرية.
وكشف المؤرخ أن الملك خوان كارلوس بدأ، بشكل غير مباشر، يبعث رسائل إلى سواريث تفيد بضرورة “التغيير”، موضحا أن العلاقات بين الرجلين “تكاد تكون انهارت” خلال تلك المرحلة.
وأضاف أن سواريث شعر تدريجيا بأنه فقد “دفء الملك” والدعم السياسي الذي كان يعتبره أساسيا لاستمراره في الحكم، خاصة في ظل التوتر المتزايد مع الجيش والنخب الاقتصادية التقليدية.
وأشار فوينتيس إلى الجدل المرتبط بإمكانية وجود ضغوط مورست على سواريث للاستقالة قبل محاولة الانقلاب العسكري في 23 فبراير 1981.
ورغم أنه لم يؤكد بشكل مباشر أن الملك طلب من سواريث التنحي، فإنه أشار إلى أن “تسلسل الأحداث” يسمح بقراءات متعددة، موضحا أن رئيس الحكومة الإسباني شعر، في نهاية المطاف، بأنه “أصبح وحيدا تماما”.
كما أشار إلى أن سواريث دخل، خلال أشهره الأخيرة في السلطة، في حالة من الشك والاكتئاب النفسي، مستشهدا بشهادات قياديين سابقين في حزبه تحدثوا عن إصابته بـ”اكتئاب سريري” سنة 1980.
وفي المقابل، رفض المؤرخ الإسباني نظرية “المؤامرة الكبرى” التي كان سواريث يتحدث عنها أحيانا، لكنه أقر بأن الرجل كان يشعر فعلا بأنه يواجه تحالفا من النخب السياسية والاقتصادية والعسكرية التي لم تكن راضية عنه.
وأكد فوينتيس أن صورة سواريث تعرضت، بعد محاولة الانقلاب العسكري، لنوع من التراجع لصالح صورة الملك خوان كارلوس باعتباره “منقذ الديمقراطية”، غير أنه شدد على أن سواريث ظل “المهندس الحقيقي للانتقال الديمقراطي”.
واعتبر أن المشهد الذي ظهر فيه سواريث جالسا داخل البرلمان أثناء إطلاق النار خلال محاولة الانقلاب العسكري، بينما كان معظم النواب مختبئين، يمثل “أقوى خطاب سياسي في الدفاع عن السيادة الوطنية والديمقراطية الإسبانية”.