حذر الفيلسوف والمفكر المتخصص في قضايا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يوك هوي، من التحول الذي تشهده الشركات التكنولوجية الكبرى، معتبرا أنها لم تعد مجرد شركات تقنية، بل أصبحت “شركات مالية” تسعى إلى التحكم في حياة الأفراد وتوجيهها عبر الخوارزميات والبيانات والذكاء الاصطناعي، في وقت تتزايد فيه المخاوف العالمية من هيمنة وتحكم عمالقة التكنولوجيا في المجتمعات والديمقراطيات وسوق الشغل.
وجاءت تصريحات الفيلسوف المولود في هونغ كونغ، في حوار مطول نشرته صحيفة “إلباييس” الإسبانية، على هامش زيارته الأخيرة إلى مدريد للمشاركة في لقاء فكري نظمته “كونديدوكي”، حيث ناقش مستقبل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعلاقة بين الإنسان والخوارزميات.
ويعد يوك هوي واحدا من أهم الأصوات الفكرية التي تشتغل اليوم على فلسفة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، خاصة بعد صدور كتبه الأخيرة مثل “الآلة والسيادة” و”ما بعد أوروبا”، حيث يدافع عن مفهوم “التنوع التكنولوجي” كبديل عن النموذج التكنولوجي العالمي الموحد الذي تفرضه الشركات الكبرى والدول الصناعية.
وقال الفيلسوف إن “معظم هذه الشركات هي، في المقام الأول، شركات مالية، وبعدها شركات تكنولوجية”، موضحا أن الخطر الحقيقي لا يتمثل فقط في فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، بل في خلق نمط جديد من السيطرة اليومية على الأفراد والعاملين.
واستدل يوك هوي بقطاع خدمات التوصيل والعمل عبر التطبيقات الرقمية، معتبرا أن الخوارزميات أصبحت تتحكم بشكل كامل في العمال، من خلال تقييم الأداء وتحديد المسارات واحتساب الزمن وفرض العقوبات الرقمية بشكل مستمر. وأضاف أن الكثيرين اعتقدوا في البداية أن هذا النوع من العمل يمنح مرونة أكبر، “لكن الحقيقة أن حياتك تصبح مرتبطة بالكامل بالخوارزمية”.
وأكد أن شركات التكنولوجيا “تريد استغلالنا والتحكم فينا في كل ثانية”، في إشارة إلى الاقتصاد الرقمي الجديد الذي يعتمد على جمع البيانات ومراقبة السلوك البشري بشكل دائم لتحقيق الأرباح.
وتأتي هذه الخلاصة في سياق عالمي يتزايد فيه الجدل حول النفوذ المتعاظم لشركات التكنولوجيا الكبرى مثل غوغل وميتا وأمازون ومايكروسوفت، خاصة مع التوسع السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي، وتحول البيانات الشخصية إلى مصدر أساسي للقوة الاقتصادية والسياسية.
ورغم الدعوات المتزايدة في أوروبا والولايات المتحدة لتنظيم الذكاء الاصطناعي وتشديد الرقابة القانونية على المنصات الرقمية، يرى يوك هوي أن النقاش بين “التنظيم” و”عدم التنظيم” أصبح “زائفا”، لأنه يقبل مسبقا بنفس النموذج التكنولوجي السائد.
وبدل الاكتفاء بالقوانين، دعا الفيلسوف إلى بناء بدائل تكنولوجية جديدة مرتبطة بالمجتمعات المحلية والثقافات المختلفة، فيما يسميه “التنوع التكنولوجي”، أي تطوير نماذج متعددة للتكنولوجيا بدل فرض نموذج عالمي واحد متمركز حول الشركات الأمريكية العملاقة. هنا وجب التذكير بأن الأمر لا يتعلق فقط بالشركات الأمريكية، بل هناك شركات أسيوية لا تختلف كثيرا عن نظيراتها الأمريكية.
وفي هذا السياق، دافع عن الحاجة إلى شبكات اجتماعية مختلفة وتقنيات تخدم المجتمعات المحلية، معتبرا أن التكنولوجيا الحالية تسير نحو خلق عالم أكثر تجانسا وأقل تنوعا ثقافيا وفكريا.
كما ربط الفيلسوف الأسيوي بين أزمة التكنولوجيا وصعود النزعات القومية والشعبوية والعنصرية في العالم، محذرا من العودة إلى أفكار التفوق الحضاري والحنين إلى الماضي الاستعماري الأوروبي، لأنها قد تعيد إنتاج الكوارث التاريخية التي عرفها القرن العشرون.
وقال إن العالم يعيش اليوم “لحظة حرجة” شبيهة بالمناخ الفكري والسياسي الذي سبق الحرب العالمية الثانية، مشيرا إلى أن التسلح والاستعدادات العسكرية المتزايدة تثير مخاوف حقيقية بشأن مستقبل النظام الدولي.
وأضاف: “إذا كنا لا نريد الحرب، فلماذا تستعد كل هذه الدول للحرب؟”، معتبرا أن أي حرب عالمية جديدة ستكون “كارثية على الإنسانية”.
ويستند يوك هوي في أطروحته إلى الجمع بين الفلسفات الأوروبية والصينية واليابانية، حيث يرى أن العالم يعيش اليوم في مرحلة “ما بعد أوروبا”، أي أن الحداثة الأوروبية أثرت على الجميع، لكن الحل لا يكمن في العودة إلى القومية والانغلاق، بل في تطوير نموذج عالمي جديد يقوم على التعايش والتنوع الثقافي والفكري والتكنولوجي.
كما دافع عن فكرة “الفكر الكوني”، الذي لا يقوم على السيطرة العالمية أو إقامة حكومة عالمية مركزية، بل على إيجاد أشكال جديدة للتعايش بين البشر والطبيعة والتكنولوجيا، عبر الربط بين التنوع البيولوجي والتنوع الفكري والتنوع التكنولوجي.
وتعكس أفكار يوك هوي اتجاها فكريا متناميا داخل الأوساط الأكاديمية الأوروبية والآسيوية ينتقد النموذج الرقمي السائد، خاصة بعد تصاعد المخاوف من الاحتكار الرقمي، والرقابة الخوارزمية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في توجيه الرأي العام والتأثير السياسي والاقتصادي على المجتمعات.