هناك فرق واضح بين مضامين البودكاست والملخص المنشور عنه، ما يبرز أن من حرره تدارك الطابع المنحاز للحوار.
نشر المعهد الملكي الإسباني إلكانو، أحد أبرز مراكز التفكير والدراسات الاستراتيجية في إسبانيا، ملخصا حول السياسة الخارجية المغربية، حاول أن يخفف من الطابع المنحاز الذي طبع مداخلات الباحثة الإسبانية إيريني فيرنانديز مولينا، المهتمة بقضايا المغرب، والتي قدمت مقاربة قريبة بشكل واضح من الطرح الانفصالي الذي تتبناه جبهة البوليساريو والجزائر، دون التوقف عند عدد من المعطيات الأساسية المرتبطة بتطور الملف خلال السنوات الأخيرة.
البودكاست، الذي نشر، يوم 8 الجاري، ضمن سلسلة “محادثات إلكانو” تحت عنوان “السياسة الخارجية للمغرب”، أجره الصحافيان بلانكا غونثاليث وفرناندو خيخون توريس مع الباحثة الإسبانية، وركز بالكامل على المغرب، دون تخصيص أي نقاش جدي لدور الجزائر في النزاع أو لوضعية مخيمات تندوف.
وعند الاستماع إلى الحوار، يظهر بوضوح اعتماد الباحثة على مفردات ومقاربات تعود إلى مرحلة الحرب الباردة، وتستند إلى تصورات تقليدية للنزاع، في وقت شهد فيه الملف تحولات دبلوماسية عميقة خلال السنوات الأخيرة، سواء داخل الأمم المتحدة أو على مستوى مواقف القوى الدولية الكبرى.
لكن اللافت أن المعهد الملكي الإسباني إلكانو اضطر، عمليا، إلى مرافقة البودكاست بنص تحليلي مكتوب أكثر توازنا، تضمن معطيات واستنتاجات تصحح بشكل غير مباشر عددا من الانطباعات والأحكام التي قدمتها الباحثة خلال الحوار عن بعد. من يطلع على البودكاست والملخص المكتوب يلحظ الفرق الواضح.
ويظهر من خلال النص المرافق أن المعهد الإسباني حاول إعادة تقديم الملف ضمن مقاربة أكثر واقعية وبراغماتية، خاصة في ما يتعلق بمكانة المغرب في السياسة الخارجية الإسبانية والدولية، وبالتحولات التي عرفها ملف الصحراء داخل مجلس الأمن والأوساط الدبلوماسية الغربية.
وأكد التقرير المرافق للبودكاست أن المغرب يعد “واحدا من أهم البلدان بالنسبة للسياسة الخارجية الإسبانية”، مستندا إلى مؤشر “إلكانو للحضور العالمي”، الذي يضع المغرب ضمن أهم الدول المرتبطة بالمصالح الاستراتيجية الإسبانية.
كما شدد التقرير على أن العلاقات المغربية الإسبانية تقوم على “الترابط الاقتصادي والأمني والهجرة والتعاون في مكافحة الإرهاب والطاقة”، وهي عناصر غابت بشكل كبير عن المقاربة الإيديولوجية التي ظهرت في مداخلات الباحثة.
ومن بين أبرز المؤشرات التي تكشف اختلافا واضحا بين مضمون الحوار والتقرير المكتوب، الطريقة التي قدم بها المعهد تطورات ملف الصحراء المغربية، إذ أقر النص بوجود “تحول في إدارة الملف على المستوى الدولي” بعد الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020.
وأشار التقرير إلى أن القرار الأخير 2797 لمجلس الأمن أعط “وزنا أكبر” لمقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية، في اعتراف ضمني بأن الدينامية الدولية الحالية تسير في اتجاه مختلف عن الخطاب التقليدي الذي ظل يركز حصريا على أطروحة “الاستفتاء”، وتقرير المصير. الباحثة لم تشر إلى أن الحكم الذاتي هو شكل من أشكال تقرير المصير.
كما اعترف النص بأن الولايات المتحدة دفعت داخل الأمم المتحدة نحو مقاربة أكثر قربا من الطرح المغربي، رغم تحفظات بعض الدول مثل روسيا والصين. ولكن بالعودة إلى تفاصيل القرار 2797 يظهر جليا أن روسيا والصين وباكستان امتنعوا عن التصويت، وهو معطى مهم لم تشر إليه الباحثة.
وفي المقابل، تجنبت الباحثة خلال الحوار الإشارة بشكل واضح إلى المأزق الذي تعيشه جبهة البوليساريو، أو إلى تراجع حضورها الدولي، كما لم تتحدث إطلاقا عن الوضع الإنساني والسياسي داخل مخيمات تندوف بالجزائر، رغم أن عددا كبيرا من التقارير الدولية والمنظمات الحقوقية يثير بشكل متكرر إشكالات مرتبطة بحرية التنقل والتجنيد والانتهاكات داخل المخيمات.
كما أن الحوار عن بعد ركز على ما سماه “الضغط المغربي” في ملف الهجرة والعلاقات مع أوروبا، بينما جاء التقرير المكتوب أكثر توازنا عندما تحدث عن “الترابط الاستراتيجي” بين المغرب والاتحاد الأوروبي، معتبرا أن الرباط أصبحت فاعلا أساسيا في قضايا الأمن والطاقة والهجرة والاستقرار الإقليمي.
وتحدث النص أيضا عن التحول الذي عرفته العلاقات المغربية الإسبانية بعد رسالة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الملك محمد السادس سنة 2022، والتي دعمت مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها “الحل الأكثر جدية وواقعية ومصداقية”.
ورغم أن الباحثة قدمت هذا التحول أساسا باعتباره نتيجة “ضغط دبلوماسي مغربي”، فإن التقرير المرافق ربطه كذلك بالسياق الجيوسياسي الدولي الجديد وبأهمية المغرب بالنسبة للاستقرار الإقليمي والمصالح الأوروبية.
كما أن التقرير اعترف بأن الرباط أصبحت تتعامل مع الاتحاد الأوروبي بعقلية “براغماتية وتفاوضية”، معتبرا أن قضية الصحراء تشكل “خطا أحمر” بالنسبة للسياسة الخارجية المغربية.
يؤكد الفرق الواضح بين محتوى البودكاست والنص المرافق له وجود إدراك داخل المؤسسة الإسبانية بأن المقاربات التقليدية القديمة للنزاع لم تعد قادرة على تفسير التحولات الحالية، خاصة بعد الاعتراف الأمريكي، وتزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وافتتاح عشرات القنصليات الأجنبية في مدينتي الداخلة والعيون.
كما يعكس هذا التباين استمرار وجود تيارات أكاديمية وإعلامية إسبانية ما تزال تقرأ الملف بمنطق إيديولوجي متأثر بخلفيات الحرب الباردة والأدبيات الانفصالية القديمة، في وقت تتجه فيه الدبلوماسية الدولية تدريجيا نحو مقاربة أكثر واقعية وبراغماتية ترتبط بموازين القوى والاستقرار الإقليمي والمصالح الاستراتيجية.