توفيق سليماني
يتغير العالم بوتيرة سريعة. عالم تحكمه الجيوسياسية بعد عودة الجغرافيا إلى الواجهة. لم يعد الاقتصاد وحده المحدد الرئيس للأحداث، بل أصبحت الجغرافيا فاعلاً مهماً في النظام العالمي قيد التشكل. وهو الأمر الذي يفرض على الدولة المغربية استغلال وتحريك كل الآليات الدبلوماسية والسياسية الممكنة. وهنا تلعب الدبلوماسية البرلمانية دوراً مهماً باعتبارها أداة استراتيجية تستطيع أن تتحول إلى عامل مفتاح في إيجاد الحلول للنزاعات أو تقليصها، وكذلك التقريب بين الدول والشعوب، وهو ما يسمح لها بالمساهمة في تعزيز السلام والديمقراطية ومواجهة التحديات العالمية الراهنة.
في العقود الماضية، قَدَّمَ المغرب نفسه، كما قُدِمَ من طرف الآخرين، تقليدياً، باعتباره جسراً بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، وكحليف معتدل وقريب من الغرب. غير أن سياسته الخارجية أصبحت، خلال العقد الأخير، أكثر تنوعاً وحزماً، مع سعيه إلى تقليص اعتماده على الاتحاد الأوروبي وإلى تعزيز علاقاته مع فاعلين دوليين آخرين، وفق تقرير صدر حديثاً للمعهد الملكي الإسباني “إلكانو”. ويقصد التقرير بالفاعلين الدوليين الآخرين كلاً من أمريكا اللاتينية وآسيا. دفعنا هذا الواقع الجديد وتحدياته الجيوسياسية الراهنة، في هذا التحليل، إلى رصد كيف تحولت الدبلوماسية البرلمانية المغربية إلى صلة وصل بين إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية، مع التركيز على نجاحات وتحديات الدبلوماسية المغربية في أمريكا اللاتينية.
الموقع الاستراتيجي والتموقع الجيوسياسي
يتمتع المغرب بموقع استراتيجي قلَّ نظيره في العالم، باعتباره بوابة الأفارقة والعرب إلى أوروبا، وباعتباره بوابة الأوروبيين إلى إفريقيا والعالم العربي؛ إلى جانب أنه نافذة الأفارقة والعرب للإطلالة على القارة الأمريكية اللاتينية. هذه النعمة الجغرافية جعلت المملكة أكثر البلدان الإفريقية والعربية قدرة على لعب دور الوسيط والمحاور والقنطرة وحلقة الوصل بين هذه العوالم في عالم معولم لم يعد يؤمن بالتحركات الأحادية، بل بالتكتلات الإقليمية.
ولم يعد سراً أن البرلمان المغربي أصبحت تربطه علاقات ثنائية وثيقة مع أغلب برلمانات أمريكا اللاتينية، من الأرجنتين مروراً بالشيلي والبرازيل وكولومبيا وجمهورية الدومينيكان والسلفادور ووصولاً إلى المكسيك. لم يعد الأمر يقف عند حد العلاقات الثنائية مع برلمانات ما يزيد عن 33 بلداً في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، بل تحولت الدبلوماسية البرلمانية المغربية إلى فاعل رئيس في مجموعة من التكتلات البرلمانية والهيئات التشريعية في أمريكا اللاتينية والكاريبي. وخير دليل على هذا التموقع البرلماني الحضور القوي للدبلوماسية المغربية في برلمان منطقة الأنديز (Parlamento Andino)، وبرلمان السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية (Parlasur)، وبرلمان أمريكا الوسطى (Parlamento Centroamericano)، والمنتدى البرلماني لرؤساء السلطات التشريعية في أمريكا الوسطى وحوض بحر الكاريبي، المعروف بـ “فوبريل” (Foprel).
ونفس الشيء يقال عن تحركات الدبلوماسية المغربية في إفريقيا، خاصة منذ عودة المغرب إلى الإتحاد الإفريقي سنة 2017. ولا يقتصر دور الدبلوماسية المغربية هنا على نسج علاقات استراتيجية مع مختلف البرلمانات الإفريقية، بل أصبحت تربطه علاقات متميزة مع مختلف البرلمانات الجهوية والإقليمية في إفريقيا، بل أكثر من ذلك أصبح البرلمان المغربي فاعلاً رئيساً فيها. وخير دليل على ذلك فوز المغرب برئاسة هيئتين برلمانيتين إفريقيتين في أقل من سنة. إذ انْتُخِب رئيس مجلس المستشارين المغربي، محمد ولد الرشيد، في أبريل 2026، رئيساً لجمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا بمدينة الرباط. وقبل ذلك، في نونبر 2025، انْتُخِب عضو مجلس المستشارين، عبد الإله حفظي، رئيساً لشبكة البرلمانيين الأفارقة لتقييم التنمية.
يرى الكاتب الأرجنتيني المتخصص في الدبلوماسية البرلمانية والأمن الدولي، غونزالو ساليمينا، في كتابه “الدبلوماسية البرلمانية: أداة استراتيجية للسلطة التنفيذية”، أن “الدبلوماسية البرلمانية، كأداة استراتيجية للسلطة التنفيذية، يمكنها تحسين صورة الدولة في الخارج من خلال إظهار الجدية والدفاع المنسق عن المصالح الوطنية”. ويتساءل الكاتب الأرجنتيني عن المساهمة التي يمكن أن تقدمها الدبلوماسية البرلمانية للسلطة التنفيذية في تعزيز الحضور الدولي للأمم ضمن السياق الحالي الذي يتسم بانعدام الأمن وتصاعد النزاعات، قبل أن يجيب قائلاً: “تُعدّ الدبلوماسية البرلمانية أداة استراتيجية يمكن أن تتحول إلى آلية أساسية لتخفيف التوترات وإيجاد تقارب بين الدول وغيرها من الفاعلين غير الحكوميين، بما يُسهم في تقليص حالة عدم اليقين”.
وضَرْبُ المثل في هذا التحليل بالأرجنتين ليس اعتباطياً، بل مقصود، بحكم أن نظرية غونزالو ساليمينا تركز على كيفية تطوير الدبلوماسية البرلمانية لتكون أكثر فاعلية في الدفاع عن الوحدة الترابية للأرجنتين ومصالحها العليا، خاصة في قضية “جزر فوكلاندا”، أي جزر المالوين، التي تطالب الأرجنتين باسترجاعها من بريطانيا. الخيط الناظم بين المغرب والأرجنتين هنا هو أن الدبلوماسية البرلمانية جعلت من الدفاع عن الوحدة الترابية والمصالح العليا للبلد أولوية الأولويات.
مساهمة الدبلوماسية المغربية في التلاقي بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية
تبذل الدبلوماسية البرلمانية المغربية جهوداً كبيرة من أجل ترسيخ التواصل بين البرلمانات العربية والإفريقية والأمريكو-لاتينية. ولتحقيق هذا الهدف، اختار مجلس المستشارين في أكثر من مناسبة توجيه الدعوة إلى التكتلات البرلمانية الأمريكو-لاتينية للمشاركة في منتديات وقمم تهم البرلمانات العربية والإفريقية والمتوسطية. لهذا كان لافتاً حضور مختلف برلمانات أمريكا اللاتينية في النسخة الأولى والثانية لمنتدى مراكش الاقتصادي البرلماني للمنطقة الأورومتوسطية والخليج.
فمثلاً، عرفت النسخة الثانية لهذا المنتدى، الذي نظمه مجلس المستشارين بتعاون مع برلمان البحر الأبيض المتوسط، يومي 11 و12 يوليوز 2024، بمدينة مراكش، حضور فابيانا لويس، رئيسة برلمان السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية؛ وسيلفيا غارسيا بولانكو، رئيسة برلمان أمريكا الوسطى؛ وكريستينا رييس، رئيسة برلمان الأنديز؛ ولويس ريدوندو، الرئيس المؤقت حينها لمنتدى رؤساء السلطات التشريعية في أمريكا الوسطى وحوض الكاريبي والمكسيك (فوبريل).
كما عرفت الدورة الثالثة من منتدى مراكش الاقتصادي البرلماني للمنطقة الأورومتوسطية والخليج بمراكش، في ماي 2025، مشاركة رؤساء من برلمانات أمريكا اللاتينية، وعلى رأسهم البيروفي غوستافو باتشيكو بيار، رئيس برلمان الأنديز، وكارلوس هيرنانديز، رئيس برلمان أمريكا الوسطى حينها. وفي حوار أجريته معه حينها، أكد لي كارلوس هيرنانديز الدور الكبير الذي تلعبه الدبلوماسية البرلمانية، خاصة مجلس المستشارين، في تعزيز التعاون والحوار بين المملكة المغربية وأمريكا اللاتينية، من جهة، وبين إفريقيا وأمريكا اللاتينية، من جهة أخرى.
بعد 20 شهراً، عاد مجلس المستشارين ليوجه الدعوة إلى الرؤساء الجدد للبرلمانات الجهوية لأمريكا اللاتينية لحضور أشغال مؤتمر جمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا، تحت شعار: “مساهمة المجالس العليا للبرلمانات في ترسيخ الديمقراطية والحفاظ على السلام في إفريقيا”، بمشاركة رئيسات ورؤساء وممثلي المجالس العليا بالبرلمانات الإفريقية، يومي 8 و9 أبريل 2026. وعرف المؤتمر مشاركة رودريغو غامارا، الرئيس الجديد لبرلمان السوق المشتركة لدول أمريكا الجنوبية، مرفوقاً بوفد برلماني هام؛ والرئيس الجديد للبرلمان الأنديني، رينيه دانييل كاماتشو كيسادا، مرفوقاً بالأمين العام للبرلمان ذاته، إدواردو تشيليكينغا ماثون؛ ورئيس برلمان أمريكا اللاتينية والكاريبي (بارلاتينو) والنائب الكوبي، أورلاندو رودريغيث. وكلهم اسْتُقبلوا من قبل محمد ولد الرشيد، وعقدوا لقاءات معه. يؤكد هذا الحضور المكثف للرؤساء الجدد بالمغرب أن العلاقات البرلمانية والسياسية والدبلوماسية مع هذه البرلمانات الإقليمية أصبحت مؤسساتية، ولا تتغير بتغير الحكومات ولا الرؤساء؛ وهذا معطى مهم بالنسبة للدبلوماسية المغربية في قارة يُروى عنها دوما أنها “لا تستقر على حال”. والمغرب استطاع أن يُمَأْسس العلاقة مع هذه الدول. مع ذلك يجب أن يتم العمل على خلق “حزمة مصالح” اقتصادية وتجارية مع هذه البلدان لكي تتحول إلى “اللحمة الحامية” في أوقات الأزمات الدورية.
وتعليقاً على الدور الذي تلعبه الدبلوماسية المغربية في مد الجسور بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية، أشاد رئيس برلمان أمريكا اللاتينية والكاريبي (بارلاتينو) والنائب الكوبي، رولاندو غونزاليث باتريسيو، بدور المغرب كحلقة وصل بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية، في حديث مع هذا الصحافي.
وأكد الكوبي رولاندو أن مشاركة الـ”بارلاتينو” في هذا المؤتمر القاري بالرباط جاء استجابة للأهمية الاستراتيجية التي تكتسيها العلاقة مع القارة الإفريقية، مشدداً على أن المنطقتين تتقاسمان “الدم والتاريخ”، وينبغي لهما أيضاً أن “تتقاسما المستقبل” من خلال تنسيق الجهود وتعزيز التعاون بينهما. واعتبر أن المشاركة في مؤتمر برلماني إفريقي بدعوة من مجلس المستشارين شكلت فرصة أساسية لتوطيد التعاون البرلماني، وتبادل التجارب، والإسهام، من خلال الدبلوماسية البرلمانية، في تعزيز السلام والديمقراطية ومواجهة التحديات العالمية الراهنة.
كما نوّه بمبادرة مجلس المستشارين المغربي بدعوة ممثلين من أمريكا اللاتينية إلى مؤتمر إفريقي، معتبراً إياها خطوة مهمة تعزز الروابط بين المنطقتين. وقال: “من الواجب شكر هذا الجسر الإضافي في العلاقات بين أمريكا اللاتينية والكاريبي وإفريقيا”، في إشارة إلى دور المغرب كمنصة للتقارب السياسي والمؤسساتي. وذكّر رولاندو أيضاً بإحداث المنتدى البرلماني “أفرولاك” سنة 2019، الذي يضم دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي، باعتباره آلية أساسية للتنسيق بين البرلمانات بهدف تحسين الأداء التشريعي لفائدة شعوب المنطقتين.
المغرب.. بيت الأمريكوـلاتينيين
وعلى غرار مشاركة برلمانيين من أمريكا اللاتينية في لقاءات إفريقية وعربية بمبادرة مغربية، يواصل المغرب استضافة مجموعة من اللقاءات والمنتديات البرلمانية لدول أمريكا اللاتينية. إذ احتضن البرلمان المغربي، يومي 27 و28 نونبر 2024 بمقر البرلمان بالرباط، الاجتماع الاستثنائي الـ30 لمنتدى رؤساء ورئيسات المؤسسات التشريعية بأمريكا الوسطى والكاريبي والمكسيك (فوبريل). وكان عنوان الندوة حينها “التعاون بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية لمواجهة تحديات الأمن والسلم”، حيث تم استعراض استراتيجيات ومبادرات برلمانية تعزز السلام والعيش المشترك. وهو اللقاء الذي اختتم بإعلان عن ارتقاء البرلمان المغربي من صفة “عضو ملاحظ دائم” لدى المنتدى، والتي حصل عليها سنة 2014، إلى صفة “شريك متقدم”.
كما نظم البرلمان المغربي بمجلسيه، مجلس النواب ومجلس المستشارين، بالتعاون مع مؤسسة “لقاءات المستقبل” ومجلس النواب ومجلس الشيوخ في جمهورية الشيلي، “مؤتمر المستقبل”، وذلك يومي 17 و18 دجنبر 2024 بمقر البرلمان المغربي بالرباط. وهو اللقاء الذي عرف مشاركة وزراء ونواب ومستشارين برلمانيين وباحثين من الشيلي.
كما أن مجلس المستشارين استضاف الجلسات العامة لبرلمان الأنديز، في أبريل 2025، حيث نوقش تقرير مجلس الإدارة، وتقرير اللجان الدائمة، ومناقشة والتصويت على عدة مشاريع. والتقى حينها أعضاء برلمان الأنديز مع محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين؛ ومع رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب؛ ومع ناصر بوريطة، وزير الخارجية المغربي، ومع خليهن ولد الرشيد، رئيس المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية. احتضان هذا النوع من المنتديات يجعل المغرب عاصمة للدبلوماسية البرلمانية العالمية، كما شدد على ذلك حينها، غوستافو باتشيكو، رئيس برلمان الأنديز. وتكمن أهمية اجتماع المجلس التنفيذي لبرلمان الأنديز بالرباط في كونه الأول من نوعه في العالم العربي وإفريقيا. لم يسبق أن عقد في إفريقيا وآسيا.
ولا يمكن فهم الدينامية الحالية للدبلوماسية المغربية في أمريكا اللاتينية دون التذكير بنجاح مجلس المستشارين في جمع وحشد دعم البرلمانات الأربعة الأكبر في أمريكا اللاتينية، للعمل معاً، والموافقة على إنشاء “المنتدى البرلماني الاقتصادي المغرب-أمريكا اللاتينية والكاريبي”. ذلك الاتفاق التاريخي، في دجنبر 2024 بدولة بنما، وقعه محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين؛ ورئيس برلمان أمريكا اللاتينية والكاريبي “برلاتينو”، رولاندو باتريسيو غونزاليز؛ ورئيس برلمان أمريكا الوسطى “بارلاسين”، كارلوس هيرنانديز كاستيو؛ ورئيسة برلمان الميركوسور “بارلاسور”، فابيانا مارتن؛ ورئيس البرلمان الأنديني “برلاندينو”، غوستافو باتشيكو. وساهم في توقيع هذا الاتفاق التفاهم والصداقة والتعاون القائم بين المملكة المغربية وبلدان أمريكا اللاتينية والكاريبي، والقائم على روح التشاور والاحترام المتبادل. علاوة على الموقع الجيو-استراتيجي ولمكانة المملكة المغربية في محيطها الجهوي والإقليمي، باعتبارها شريكاً أساسياً بالقارة الإفريقية وبوابة موثوقة ومتينة نحو بلدان إفريقيا والعالم العربي، بالنسبة لبلدان أمريكا اللاتينية والكاريبي.
من يدرك الطبيعة السياسة والدبلوماسية في أمريكا اللاتينية يدرك أنه ليس من السهل جمع هذه البرلمانات وأن تتفق على تعزيز التعاون مع المغرب تحت سقف واحد. التحركات المتشعبة والمكثفة للدبلوماسية البرلمانية في العقد الأخير بهذه القارة بدأت تعطي أكلها لتنضاف إلى قائمة النجاحات الكبيرة للمغرب في هذه المنطقة في الشهور الأخيرة، خاصة القرارات التاريخية لدول الإكوادور وبوليفيا والهندوراس القاضية بقطع علاقاتهم الدبلوماسية مع جبهة البوليساريو وفتح صفحة جديدة من الشراكة مع المغرب.
هذا وعززت مشاركة رئيس مجلس المستشارين، محمد ولد الرشيد، في أشغال الجمعية العامة الـ152 للاتحاد البرلماني الدولي بإسطنبول، في أبريل المنصرم، دور المغرب كحلقة وصل بين هذه العوالم. على مستوى اللقاءات الثنائية، كان محمد ولد الرشيد أجرى مباحثات مع مسؤولي وبرلمانات غانا، النيجر، كوت ديفوار، البحرين، المكسيك، جمهورية الدومينيكان، الإمارات العربية المتحدة، كما عقد لقاء مشتركاً مع مسؤولي هيئات برلمانية إقليمية من أمريكا اللاتينية والكاريبي والميركوسور. وركزت هذه اللقاءات على توطيد التعاون البرلماني، وتكثيف التشاور والتنسيق، وتبادل الزيارات والخبرات، إلى جانب تثمين المواقف الداعمة للوحدة الترابية للمملكة. كما عاد محمد ولد الرشيد، في إسطنبول، للتباحث مع رولاندو غونزاليس، رئيس برلمان أمريكا اللاتينية والكاريبي، ومع رودريغو غامارا، رئيس برلمان السوق المشتركة لدول أمريكا الجنوبية، ومع ريني دانييل كاماتشو، رئيس برلمان الأنديز. وكلهم عبروا عن مواقف إيجابية تجاه المغرب. كاماتشو وغامارا عبرا عن دعمهما للقرار الأممي الأخير 2797 الذي نص بشكل صريح على مركزية الحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي وقابل للتطبيق لحل نزاع الصحراء تحت السيادة المغربية.
في هذا الصدد، أكد لنا عبد الإله حفظي، عضو مجلس المستشارين ورئيس شبكة البرلمانيين الأفارقة لتقييم التنمية، أن مبادرة مجلس المستشارين بدعوة برلمانات أمريكا اللاتينية للمشاركة في مؤتمر جمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا، المنعقد في أبريل الماضي بمقر المجلس بالرباط، تعكس الدور المتنامي للمغرب في تعزيز جسور التواصل بين القارات.
فالمبادرة الأطلسية المغربية تمثل نقطة التقاء بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية. في هذا الإطار، أوضح حفظي أن مشاركة وفود من مختلف برلمانات أمريكا اللاتينية تندرج ضمن رؤية أوسع تجعل من المغرب منصة للتواصل بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية، مشيراً إلى أن هذا التوجه ينسجم مع المبادرة الملكية الأطلسية التي تهدف إلى تشجيع العلاقات الاقتصادية والسياسية بين دول القارتين، إلى جانب تعزيز انفتاح بلدان الساحل ورفع العزلة عنها.
وأضاف أن التعاون البرلماني يشكل إحدى الآليات الأساسية لتنزيل هذه التوجهات، خاصة من خلال بناء شراكات مع برلمانات أمريكا اللاتينية، بما يعزز التقارب المؤسساتي ويفتح آفاقاً جديدة للتنسيق والعمل المشترك. وأكد حفظي أن الدينامية الحالية تعكس تطوراً طبيعياً للعمل البرلماني الذي أصبح يقوم على التعاون متعدد الأطراف، مشدداً على أن مجلس المستشارين يضطلع بدور محوري في هذا المسار من خلال مبادراته وانفتاحه على محيطه الإقليمي والدولي.
وأبرز، كذلك، أن الجهود التي يبذلها المجلس تندرج ضمن استراتيجية أوسع تروم تقوية التواصل بين البرلمانات الإفريقية ونظيراتها في أمريكا اللاتينية، وكذا مع شركاء آخرين، بما يكرس موقع المغرب كفاعل أساسي في الدبلوماسية البرلمانية العابرة للقارات.
بدوره، أكد لنا البيروفي غوستافو باتشيكو بيار، الرئيس السابق لبرلمان الأنديز، أن حصيلة الدبلوماسية المغربية في السنوات الأخيرة “متميزة”. وأردف قائلا: “المملكة حاضرة في كل العالم. لقد ترسخت مكانة المغرب في أمريكا اللاتينية. المغرب اليوم بلد شقيق. وهذه نتيجة يجب تسليط الضوء عليها. المغرب هو بوابة إفريقيا، وفي نفس الوقت بوابة أوروبا، وهو أيضاً بوابة أمريكا اللاتينية”.
التحديات التي تواجه الدبلوماسية البرلمانية المغربية في أمريكا اللاتينية
يبقى التحدي الرئيس الذي يواجه الدبلوماسية البرلمانية في استدامة وتعزيز مشروع التلاقي والوصل بين إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية هو إيجاد خيط ناظم للتعاون بين الدبلوماسية البرلمانية والإعلامية والرسمية والحزبية والجمعوية من أجل خلق هذا الجسر أيضاً مع الرأي العام في أمريكا اللاتينية، لكي تكون له نفس الصورة عن المغرب التي لدى النخب البرلمانية والسياسية. يبدو حاليا، أن المغرب كسب عقول وقلوب النخب السياسية في أغلب دول أمريكا اللاتينية، لكن الرهان الأكبر هو الوصول والتواصل مع الرأي العام والفاعلين الحزبيين والجمعويين والإعلاميين والمثقفين.
وبخصوص هذا التحدي، كانت كريستينا رييس هيدالغو، الرئيسة الأسبق لبرلمان الأنديز، في حوار أجريناه معها، واضحة. المرشحة السابقة لمنصب رئيس جمهورية الإكوادور أكدت لنا “أن تصور المغرب كجسر بين إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية يحظى باعتراف من قبل برلمانيي دول الأنديز وأمريكا اللاتينية. غير أنه لا يزال هناك عمل يتعين القيام به لتعزيز هذه الرؤية وتحسيس باقي الجهات الفاعلة حول الإمكانات والفرص التي توفرها هذه العلاقة. لهذا، من الضروري مواصلة تعزيز الحوار والتعاون لترسيخ هذا التصور والاستفادة إلى حد كبير من الفرص التي توفرها هذه الروابط الاستراتيجية”.
كما ترى كريستينا رييس أن “الدبلوماسية البرلمانية تعد أداة حيوية لإقامة وتعزيز علاقاتنا مع المغرب وإفريقيا والعالم العربي”. وتابعت: “نشارك دائماً في مؤتمرات رئيسية، مثل المؤتمر البرلماني حول التعاون جنوب-جنوب والمنتدى البرلماني الدولي حول العدالة الاجتماعية في المغرب. وتساهم هذه المبادرات في تعزيز التعاون بين البرلمانات والتنمية المستدامة، فضلاً عن العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان”. وهنا يبرز البرلمان المغربي، من خلال استراتيجية احتضان مجموعة من التظاهرات والقمم والمؤتمرات الأمريكية اللاتينية والعربية والإفريقية، كحلقة وصل بين برلمانات وشعوب هذه المناطق. وأوضحت السياسية الإكوادورية أن “المغرب يمثل جسراً هاماً بين إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية، مما يسهل الحوار والتعاون”.
يدرك العديد من برلمانيي أمريكا اللاتينية أن المغرب يشكل جسراً بين إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية. البرلمانيون الذين تحدثنا معهم، من أزيد من 15 بلد لاتيني أمريكي، أكدوا أن المغرب وإفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية يتميزون بالتنوع الثقافي والروابط التاريخية والاهتمام بالتنمية المستدامة. ومن أجل الاستفادة من هذه الإمكانات أو المؤهلات، ينبغي تعزيز التبادل الثقافي والتعاون الاقتصادي، وتطوير المشاريع المشتركة في المجالات الحيوية مثل التعليم والتكنولوجيا والتجارة. “ستخلق هذه الإجراءات إطاراً متيناً وصلباً لخلق تعاون ذي منفعة متبادلة”، توضح كريستينا رييس.
وهو الأمر الذي أكده لنا أيضاً لويس غونزاليس، الرئيس الأسبق للجمعية الدومينيكانية للصداقة مع المغرب، حول ضرورة العمل مع المجتمع المدني في أمريكا اللاتينية. “بصراحة، يتطلب الأمر المزيد من العمل من أجل التعريف أكثر بالمغرب. لا يزال هناك جهل بالواقع المغربي. إن الغالبية العظمى من سكان مناطقنا لا يعرفون بشكل جيد المستوى الثقافي والتاريخي للمملكة المغربية. ولهذا السبب، نريد مواصلة تعزيز علاقات الصداقة والتبادل الثقافي والأكاديمي”، يبرز الدبلوماسي الدومينيكاني.
تكامل وتناغم بين الدبلوماسية البرلمانية و الدبلوماسية التقليدية
الدبلوماسية البرلمانية تتكامل وتتناغم مع الدبلوماسية التقليدية. أكد لنا مصدر دبلوماسي مغربي أن “الدبلوماسية التقليدية (الخارجية) والدبلوماسية البرلمانية لا تتنافسان في أمريكا اللاتينية، بل تتميزان بالتكامل والتناغم لأن الهدف واحد، وهو الدفاع عن المصالح العليا للمملكة، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية”.
مشكل التنافس بين الدبلوماسيتين غير مطروح في المغرب بحكم أن المؤسسة الملكية هي من تحدد الخطوط العريضة للدبلوماسية المغربية، بينما تعمل مختلف المؤسسات على تنزيلها وفق اختصاصات وصلاحيات كل مؤسسة. لكن في بعض الدول الإفريقية والأمريكية اللاتينية، لا تسير الأمور كما عندنا، بحيث نجد أحيانا اختلافات كبيرة بين الرئيس والمؤسسة التشريعية.
وفي حديث معنا، أكدت فابيانا مارتين، الرئيسة السابقة لبرلمان الميركوسور (بارلاسور)، أن “الدبلوماسية البرلمانية يمكن أن تساهم بشكل كبير في تطوير العلاقات الدبلوماسية الرسمية. ينبغي على الدبلوماسية البرلمانية أن تسير على هذا الطريق لخلق أداة ناعمة تكمل وتدعم الأخوة بين المناطق أو الجهات”.
وبخصوص العلاقات الثنائية بين المغرب وبرلمان السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية، شددت فابيانا على أن “المغرب يتمتع بعلاقة ممتازة، إن لم نقل الأفضل، مع برلمان الميركوسور، ونفس الأمر مع باقي البرلمانات الجهوية لأمريكا اللاتينية”. وأردفت: “يمكن التأكيد، باختصار، على أن العلاقة بين أمريكا اللاتينية والمغرب قوية جداً وأخوية بشكل كبير”.
وكنموذج للتكامل والتناغم بين الدبلوماسية البرلمانية والتقليدية المغربية، نجد المباحثات التي أجراها رئيس مجلس المستشارين، محمد ولد الرشيد، في أبريل 2026، بمقر المجلس بالرباط، مع وزير العلاقات الخارجية والعبادة بجمهورية كوستاريكا، أرنولدو أندريه تينوكو، في إطار زيارة عمل للمملكة المغربية. شكل ذلك اللقاء مناسبة طرح فيها محمد ولد الرشيد آخر مستجدات قضية الوحدة الترابية للمملكة، لاسيما القرار رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مجددا التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007، تحت السيادة المغربية، تظل الحل الوحيد الجدي وذي المصداقية من أجل التوصل إلى تسوية سياسية نهائية لهذا النزاع الإقليمي. هكذا؛ لم يكتف وزير خارجية كوستاريكا باللقاء مع نظيره المغربي، بل التقى رئيس مجلس المستشارين، وممثل مجلس النواب، وكذلك مسؤولين في الاتحاد العام لمقاولات المغرب، والمكتب الشريف للفوسفات، وميناء طنجة المتوسط.
وخير برهان على أن الدبلوماسية البرلمانية امتداد للدبلوماسية الرسمية وأنها تحظى بمكانة هامة هو تمثيل رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، للملك محمد السادس، في شهر ماي 2026 بسان خوسي، في حفل تنصيب رئيسة جمهورية كوستاريكا، لاورا فرنانديز.
كما أن محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين، مثل الملك محمد السادس، في حفل التدشين الرسمي لقصر المؤتمرات عمر بونغو أونديمباــ لمدينة الديمقراطية بالعاصمة الغابونية ليبروفيل، في ماي 2026. هذا التناغم والتكامل بين مختلف الدبلوماسيات نعمة لا يدركها إلا من يعرفون التقلبات السياسة في أمريكا اللاتينية، حيث تجد، كما يحدث حاليا في كولومبيا، رئيس البلاد في واد دبلوماسي والبرلمان في واد آخر. لكن الصبر الاستراتيجي ودبلوماسية الفعل والمبادرة بدل القول وردة الفعل، وحزمة المصالح، كلها عوامل ساهمت في جعل مواقف مجموعة من الدول والبرلمانات الجهوية والوطنية في أمريكا اللاتينية لا تغير مواقفها بتغير الحكومات والرؤساء.
ختاما، وجب التأكيد على أن الموقع الاستراتيجي والتموقع الجيوسياسي والدبلوماسي ووحدة الصف واستراتيجية التكامل والتناغم بين الدبلوماسيات الوطنية كلها عوامل جعلت الدبلوماسية البرلمانية تلعب دور حلقة الوصل والتلاقي والربط بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي.