أفرزت الانتخابات الجهوية في الأندلس، يوم أمس الأحد، مشهداً سياسياً معقداً ومفتوحاً على جميع الاحتمالات، بعدما اختار الناخب الأندلسي منح الصدارة لليمين المحافظ واليمين المتطرف، دون أن يتخلى بالكامل عن اليسار، الذي حافظ على حضور مهم بفضل صعود اليسار الأندلسي وتماسك جزء من قاعدته الانتخابية رغم استمرار تراجع الحزب الاشتراكي.
ووفق النتائج النهائية، حصل الحزب الشعبي اليميني بقيادة خوانما مورينو على 53 مقعداً، متراجعاً بخمسة مقاعد مقارنة بانتخابات 2022، وفشل في بلوغ الأغلبية المطلقة المحددة في 55 مقعداً، ما يجعله عملياً تحت رحمة حزب “فوكس” اليميني المتطرف الذي رفع تمثيله إلى 15 مقعداً بزيادة مقعد واحد.
أما الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، فواصل نزيفه السياسي في معقله التاريخي بالأندلس، واكتفى بـ28 مقعداً فقط، بخسارة مقعدين إضافيين، في واحدة من أسوأ نتائجه الانتخابية بالمنطقة، وهو ما دفع عدداً من الصحف الإسبانية إلى الحديث عن “ضربة جديدة” لمشروع رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز.
لكن الصورة لم تكن سوداء بالكامل بالنسبة لمعسكر اليسار، إذ نجح تحالف “الأندلس إلى الأمام” في تحقيق مفاجأة سياسية بحصوله على 8 مقاعد بعدما كان يمتلك مقعدين فقط، بينما حافظ تحالف “من أجل الأندلس” على 5 مقاعد، ما جعل اليسار الأندلسي يتحدث عن “تفاؤل حذر” وعن إمكانية إعادة بناء مشروع سياسي بديل داخل المنطقة بعيداً عن هيمنة الحزب الاشتراكي التقليدية.
صحيفة “إلباييس” ركزت على أن الحزب الشعبي “فقد الأغلبية المطلقة وسيعتمد على فوكس للحكم”، معتبرة أن خوانما مورينو دخل فعلياً في “المأزق” الذي كان يحذر منه طوال الحملة الانتخابية، بعدما ظل يؤكد أن التحالف مع فوكس “مستحيل”. لكن صناديق الاقتراع فرضت واقعاً مختلفاً، لأن أي حكومة مستقرة أصبحت تحتاج عملياً إلى دعم اليمين المتطرف.
أما صحيفة “إلموندو” فرأت أن مورينو حقق “انتصاراً غير كاف لتجنب فوكس”، معتبرة أن الحزب الشعبي فاز انتخابياً لكنه خسر سياسياً رهانه على الحكم منفرداً، في وقت تحدثت فيه الصحيفة نفسها عن “انهيار مشروع سانشيز” بعد النتائج الضعيفة للحزب الاشتراكي.
بدورها، اعتبرت صحيفة “لاراثون” المحافظة أن “الأندلس تمنح الأوكسجين لفوكس”، مؤكدة أن الحزب اليميني المتطرف خرج أكثر قوة ونفوذاً، خاصة بعدما أصبح رقماً حاسماً في تشكيل أي أغلبية حكومية داخل البرلمان الأندلسي.
ورغم هذا المشهد المعقد، فإن الانتخابات الأندلسية لم تغلق الباب أمام طموحات بيدرو سانشيز في الانتخابات التشريعية الإسبانية لسنة 2027، بل قد تدفعه إلى مزيد من التعبئة السياسية ومحاولة إعادة توحيد اليسار الإسباني. فبدل أن تُقبر حلمه بالاستمرار في الحكم، جعلت هذه الانتخابات المشهد السياسي الإسباني أكثر انفتاحاً على جميع الاحتمالات، خصوصاً مع استمرار صعود اليمين من جهة، وبروز يسار جهوي جديد من جهة أخرى.
ويبقى السؤال المطروح الآن داخل إسبانيا: ماذا سيفعل خوانما مورينو؟ هل سيقبل بالتحالف أو التفاهم مع “فوكس” رغم وعوده السابقة، أم سيغامر بحكومة أقلية قد تدخل الأندلس في حالة من عدم الاستقرار السياسي؟