أعادت الفيلسوفة المكسيكية الإسبانية، كاريصا بليث، أستاذة الفلسفة بجامعة أكسفورد البريطانية، فتح النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي والسلطة والأخلاق، من خلال حوار مطول أجرته معها صحيفة “إلباييس” الإسبانية بمناسبة صدور كتابها الجديد “النبوءة”، الذي يتناول العلاقة بين التوقعات الاحتمالية والذكاء الاصطناعي وكيف تحولت التنبؤات إلى وسيلة لإعادة تشكيل الواقع والتحكم في المجتمعات.
وتُعد كاريصا بليث واحدة من أبرز الأصوات الفكرية التي برزت خلال السنوات الأخيرة في مجال فلسفة التكنولوجيا، خاصة بعد النجاح الكبير الذي حققه كتابها السابق “الخصوصية قوة”، الصادر سنة 2020، والذي انتقدت فيه ما وصفته بـ”رأسمالية المراقبة” والانتهاك المستمر لخصوصية الأفراد من طرف الشركات والمنصات الرقمية.
وفي حوارها الجديد، ترى الفيلسوفة المكسيكية أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي فقط بتحليل البيانات أو التنبؤ بالسلوك البشري، بل يقدم هذه التوقعات وكأنها “حقائق مؤكدة”، وهو ما تعتبره خطرا فلسفيا وأخلاقيا عميقا.
وقالت بليث إن ثقافة جديدة بدأت تتشكل في العالم مع صعود الذكاء الاصطناعي، تقوم على “عقلية احتمالية” تجعل الناس يتعاملون مع التوقعات كأنها حقائق ثابتة، معتبرة أن هذا التحول يفتح الباب أمام أشكال جديدة من السيطرة والتوجيه غير المباشر للمجتمعات.
وترى الباحثة أن أخطر ما في التنبؤات الحديثة هو قدرتها على صناعة الواقع نفسه، موضحة أن الإنسان حين يسمع توقعا معينا ويتعامل معه كحقيقة، فإنه يبدأ تدريجيا في التصرف وفقه، مما يجعل التوقع يتحول إلى واقع مفروض. وبحسب تعبيرها، فإن “التنبؤات ليست دائما وصفا للعالم، بل قد تكون أوامر مقنعة في شكل معرفة”.
وتعتبر كاريصا بليث أن الذكاء الاصطناعي يدفع عملية “تصنيف البشر” إلى مستويات غير مسبوقة، حيث يتم اختزال الإنسان في أرقام ومعطيات وإحصائيات، وهو ما يؤدي، حسب رأيها، إلى “نزع الإنسانية عن الأفراد” وتحويلهم إلى مجرد فئات وقوالب جاهزة.
وفي هذا السياق، شرحت كيف أن الإحصائيات لم تكن عبر التاريخ أدوات محايدة، بل ارتبط ظهورها بمشاريع السيطرة الاجتماعية والاستعمار وضبط السكان، مشيرة إلى أن فكرة “الطبيعي” و”غير الطبيعي” في المجتمعات الحديثة جاءت جزئيا من استعمال الإحصاء لفرض معايير محددة على الناس.
كما انتقدت الفيلسوفة المكسيكية الثقة المفرطة في الأرقام والأنظمة الآلية، معتبرة أن المجتمعات الحديثة أصبحت تمنح مصداقية أكبر لأي خطاب يحمل أرقاما، حتى وإن كانت تلك الأرقام غير دقيقة أو مبنية على فرضيات ضعيفة.
وفي تقييمها للذكاء الاصطناعي، ذهبت بليث إلى حد وصفه بأنه “قلعة ضخمة من أوراق اللعب”، معتبرة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد أساسا على توقعات مبنية بدورها على بيانات وتوقعات سابقة، مما يخلق دائرة مغلقة من الاحتمالات غير اليقينية.
وحذرت من أن الإيمان المبالغ فيه بإمكانية التنبؤ بكل شيء يجعل المجتمعات أكثر عمى تجاه المخاطر الحقيقية التي يصنعها الذكاء الاصطناعي نفسه، خاصة المخاطر النظامية الكبرى التي لا يمكن، حسب قولها، قياسها أو التنبؤ بها بالأرقام.
ورغم انتقاداتها الحادة، أكدت بليث أنها لا تعارض استخدام التوقعات أو الذكاء الاصطناعي بشكل مطلق، بل تدعو إلى استعمال أكثر عقلانية ووعيا بهذه الأدوات، مع التركيز على بناء مجتمعات قوية وقادرة على مواجهة الأزمات بدل الاكتفاء بمحاولة التنبؤ بالمستقبل.
وضربت مثالا بجائحة مستقبلية محتملة، معتبرة أن الحكومات تنفق جهودا ضخمة على التوقعات، بينما كان من الأجدر الاستثمار في تحسين التهوية داخل المباني والاستعداد العملي لما هو معروف مسبقا بأنه قد يحدث.
كما وجهت انتقادات للفكر النفعي ولتيار “الإيثار الفعال”، الذي يبرر تراكم الثروات الضخمة بدعوى استخدامها لاحقا في الأعمال الخيرية، معتبرة أن هذا المنطق أصبح أداة فكرية تمنح المليارديرات تبريرا أخلاقيا لمراكمة النفوذ والثروة.
وتخلص الفيلسوفة المكسيكية إلى أن البشر لا يعلم الغيب، وأنه لا يوجد “خبراء في المستقبل”، مهما كانت شهرتهم العلمية أو الأكاديمية، محذرة من تحويل الذكاء الاصطناعي والتوقعات الرقمية إلى سلطة جديدة تتحكم في تصور البشر للعالم ولمصيرهم. “يمكن للواحد أن يكون خبيراً في شيء ما (تخصص)، لكن ذلك لا يجعله خبيراً في مستقبل ذلك الشيء. فالمستقبل لا أحد يعرفه، وليس مكتوباً مسبقاً”، انتهى كلام الفيلسوفة.