توفيق سليماني (الدار البيضاء)
“طيور الصيف”الكولومبية تحلق في سماء الدار البيضاء. افتتحت سفارة كولومبيا بالمغرب، أمس الأحد بمدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، دورة مخصصة للسينما الكولومبية المعاصرة، من خلال عرض فيلم “طيور الصيف”، وذلك في إطار مبادرة ثقافية نُظمت بتعاون مع معهد سرفانتيس بالدار البيضاء والمركز الأمريكي للفنون، بهدف تقريب الجمهور المغربي من الغنى والتنوع الثقافي والفني لكولومبيا عبر الفن السابع.

وشهد المسرح التابع للمركز الأمريكي للفنون بالدار البيضاء، على الساعة الخامسة مساءً، الافتتاح الرسمي لهذه الدورة، بحضور دبلوماسيين ومسؤولين ثقافيين ومشاركين مغاربة وأجانب تابعوا العرض الأول لهذا العمل السينمائي الذي أخرجته كريستينا غاييغو وسيرو غيرا، والذي يُعد من أبرز الأفلام الكولومبية خلال السنوات الأخيرة بالنظر إلى عمقه الاجتماعي وجمالياته البصرية وحمولته الأنثروبولوجية.

وترأس حفل الافتتاح سفير كولومبيا بالرباط، كارلوس أرتورو فوريرو سييرا، إلى جانب كريستينا كوندي، مديرة معهد سرفانتيس بالدار البيضاء، ومسؤولين عن المركز الأمريكي للفنون، في أمسية طبعها الحوار الثقافي بين المغرب وكولومبيا والرغبة المشتركة في تعزيز التبادل الفني بين البلدين.

ونُظمت العروض باللغة الإسبانية مع ترجمة نصية بالإنجليزية، وبولوج مجاني في حدود المقاعد المتوفرة، في صيغة تهدف إلى تقريب السينما الكولومبية المعاصرة من الجمهور المغربي وفتح فضاء للاكتشاف المتبادل بين المجتمعين المغربي والكولومبي. القاعة امتلأت مع انطلاق العرض.

وفي تصريحات خصّ بها صحيفة “مارس 30”، قبل عرض الفيلم، عبّر السفير الكولومبي عن سعادته بإطلاق هذه المبادرة المشتركة، مشيداً بروح التعاون التي سمحت بتنظيم هذا الموعد السينمائي.

وقال الدبلوماسي الكولومبي: “نحن سعداء جداً اليوم هنا في الدار البيضاء، بالمركز الأمريكي للفنون، في إطار عمل تشاركي مع معهد سرفانتيس والمركز الأمريكي للفنون ومن جانبنا أيضاً، من أجل تقديم دورة صغيرة للسينما الكولومبية”، موضحاً أن البرنامج يتضمن “ثلاثة أفلام سنعرضها خلال ثلاثة أسابيع”، وهي أعمال تندرج ضمن “السينما الجديدة التي ننتجها”.
وأوضح فوريرو سييرا أن اختيار فيلم “طيور الصيف” لافتتاح الدورة لم يكن اعتباطياً، بل يعود إلى الحمولة الثقافية والاجتماعية القوية التي يتضمنها الفيلم، والذي يركز على مجتمع الوايو الأصلي بمنطقة لا غواخيرا الكولومبية، وعلى التحولات العميقة التي أحدثها الاقتصاد غير المشروع وتجارة المخدرات داخل البنيات التقليدية لذلك المجتمع.
وأضاف: “سنحظى بفرصة للتعرف بشكل أقرب على التقاليد والثقافة والرؤية الكونية لسكان الوايو الأصليين، وكيف تؤثر النزاعات والمشاكل الاجتماعية على هذا النوع من المجتمعات، أحياناً بشكل غير إرادي أو بدافع الحاجة”.

ويعود الفيلم، الذي عُرض لأول مرة سنة 2018، إلى شبه جزيرة لا غواخيرا شمال كولومبيا، حيث تجد عائلة من قبائل الوايو نفسها متورطة في بدايات تجارة المخدرات خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ويروي العمل كيف يؤدي الطمع والمال السهل إلى تآكل منظومة الشرف والبنيات العائلية والتقاليد العريقة لمجتمع ارتبط تاريخياً بالصحراء وبقوانينه الثقافية الخاصة.
وتدور القصة حول راباييت أبوشايبي وزايدا، المنتميين إلى عشائر الوايو، حيث يتحول زواجهما إلى سلسلة من الأحداث المرتبطة بتهريب الماريغوانا نحو الولايات المتحدة الأمريكية. وما يبدأ كمحاولة لتأمين المال اللازم لدفع مهر تقليدي، يتحول تدريجياً إلى دوامة من العنف والانهيار الأخلاقي والصراعات بين العشائر.

وينقسم الفيلم إلى خمسة فصول ذات بنية قريبة من القصيدة الملحمية، ويمزج بين العناصر الإثنوغرافية والرمزية والاجتماعية لإبراز الصدام بين عالمين؛ عالم التقاليد الأصلية وعالم التأثيرات الخارجية المرتبطة بالمخدرات والمال والثقافة الغربية.

وتكمن إحدى الرسائل المركزية للفيلم في الكيفية التي يؤدي بها الطمع إلى تدمير مجتمع قائم على قيم الاحترام والعائلة والتوازن الاجتماعي. فالعمل لا يروي فقط بدايات تجارة المخدرات في كولومبيا، بل يصور أيضاً الانهيار التدريجي لثقافة أصلية وجدت نفسها محاصرة بين الحداثة والتجارة غير القانونية وفقدان القيم التقليدية.

ووصف السفير الكولومبي الفيلم بأنه “مثير جداً للاهتمام”، معرباً عن أمله في أن يشارك الجمهور المغربي بكثافة في العروض المقبلة ضمن هذه الدورة. وقال: “نريد أن يتمكن المغاربة من معرفة المزيد عن ثقافتنا وفنوننا”.
وخلال حديثه مع “مارس 30”، شدد فوريرو سييرا أيضاً على أوجه التشابه الثقافي بين المغرب وكولومبيا، خصوصاً في ما يتعلق بقيمة التقاليد والعائلة واحترام المجتمعات الأصلية.
وأوضح: “هناك الكثير من التقاليد داخل ثقافاتنا الأصلية التي تحظى بالاحترام. الدستور الكولومبي اعترف بحقوق الشعوب الأصلية، وبالتالي يتم احترام عاداتها ورؤيتها الكونية”.

كما دافع الدبلوماسي الكولومبي عن ضرورة تفكيك بعض الصور النمطية التي تُقدّم أمريكا اللاتينية والعالم العربي كفضاءين ثقافيين متباعدين.
وقال: “الفكرة هي أن يبدأ الناس في اكتشاف أوجه التشابه بين الثقافات، لأننا أحياناً نقول إن الشعوب العربية وشعوب أمريكا اللاتينية لا تشبه بعضها، وهذا غير صحيح، فهناك تشابهات كثيرة جداً بيننا”.
وفي السياق نفسه، ذكّر بالروابط اللغوية والتاريخية المتعددة المشتركة بين المنطقتين، مؤكداً أن “لغاتنا تتقاطع في نقاط كثيرة منذ سنوات طويلة”.

واستغل فوريرو سييرا المناسبة لتقديم صورة أوسع عن كولومبيا للجمهور المغربي، بعيداً عن المشاهد الصحراوية التي يظهرها فيلم “طيور الصيف”.
وقال: “سنشاهد هنا صحراء لا غواخيرا، لكن أذكّر بأن كولومبيا ليست مجرد صحراء، بل لدينا أيضاً شواطئ وغابات استوائية”، موضحاً أن المناخ الكولومبي “لا تحكمه الفصول، بل الارتفاعات”.
وأضاف: “بعد أجواء حارة جداً، يمكنك في كولومبيا أن تقود لساعتين فقط نحو مناطق أكثر اعتدالاً، وإذا صعدت أكثر نحو الجبال تجد مناخاً بارداً”.
وختم السفير الكولومبي بالتأكيد على أن هذا التنوع الثقافي والبشري والجغرافي يشكل أحد أبرز الرسائل التي ترغب كولومبيا في إيصالها إلى الجمهور المغربي عبر هذه الدورة السينمائية المنظمة بالدار البيضاء. وقال: “إنها ثروة ثقافية نريد أن نتقاسمها تدريجياً مع المغاربة”.

ويأتي افتتاح الدورة السينمائية الكولومبية بالدار البيضاء أيضاً في سياق إرادة مشتركة لتعزيز العلاقات الثنائية بين المغرب وكولومبيا عبر الثقافة، رغم وجود اختلافات سياسية بين الرباط وبوغوتا.
وذكّر السفير كارلوس أرتورو فوريرو سييرا، خلال حديثه مع “مارس 30”، بأن البلدين يستعدان قريباً للاحتفال بـ”خمسين سنة من العلاقات الدبلوماسية”، واصفاً المغرب بأنه “بلد صديق وشقيق نتقاسم معه أشياء كثيرة”.
واعترف الدبلوماسي بأن العلاقات الثنائية عرفت “فترات صعود وهبوط”، لكنه شدد على أنها تطورت دائماً “في إطار الاحترام”، خاصة احترام “السياسات الخاصة بكل بلد، وحقوق الإنسان، والمبادئ الأساسية للقانون الدولي”.
وفي المقابل، أكد أن البلدين يواصلان العمل على تعزيز التعاون الثقافي والأكاديمي والتجاري باعتباره جسوراً قادرة على بناء “علاقة أكثر عمقاً وأكثر فائدة مع الشعب المغربي”.

ومن المرتقب أن تتواصل الدورة السينمائية خلال الأسابيع المقبلة بالدار البيضاء، من خلال عروض جديدة للسينما الكولومبية المعاصرة، ضمن برنامج يهدف إلى ترسيخ الحوار الثقافي بين المغرب وكولومبيا عبر الفن والسينما.