شهدت مدينة الداخلة، يوم الأربعاء 29 أبريل 2026، انعقاد الدورة الثالثة للمؤتمر السياسي لائتلاف الحكم الذاتي في الصحراء (AUSACO)، المنظم تحت شعار: «بين الاعتراف الدولي بالسيادة السياسية والاقتصادية للمغرب على صحرائه والتبني التاريخي لقرار مجلس الأمن 2797: نحو حل نهائي لقضية الصحراء داخل الأمم المتحدة في الإطار الحصري للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية»، بمشاركة شخصيات سياسية وأكاديمية وخبراء دوليين من عدة دول.
وفي هذا السياق، قدم السوسيولوجي الإسباني والخبير في الشؤون المغاربية، رافائيل إسبارثا ماشين، مداخلة بعنوان: «من الماضي الاستعماري إلى الشريك الاستراتيجي: تقييم الموقف الإسباني من الصحراء المغربية»، تناول فيها التحول الذي عرفه الموقف الإسباني من قضية الصحراء، معتبرا أن دعم مدريد لمبادرة الحكم الذاتي المغربية لم يكن «صدفة أو خطوة مرتجلة»، بل نتيجة «تطور استراتيجي وتاريخي وسياسي».
وأوضح إسبارثا أن الموقف الإسباني مر بمراحل متعددة منذ اتفاقيات مدريد سنة 1975، مرورا بسنوات من الحذر الدبلوماسي، قبل أن يحدث «التحول الحاسم» سنة 2022 حين أعلنت إسبانيا رسميا اعتبار مبادرة الحكم الذاتي المغربية «الاقتراح الأكثر جدية وواقعية ومصداقية» لحل النزاع الإقليمي.
وأكد الخبير الإسباني أن هذا القرار لم يكن مجرد تعديل لغوي أو دبلوماسي، بل «إعادة تموقع استراتيجي كاملة» جرى تكريسها في الإعلان المشترك بين المغرب وإسبانيا بتاريخ 7 أبريل 2022، ثم تأكيدها لاحقا من طرف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز داخل البرلمان الإسباني.
وشدد إسبارثا على أن الرسالة التي بعثتها مدريد إلى المجتمع الدولي واضحة، مفادها أن إسبانيا لم تعد تكتفي بموقع «الحياد التقليدي»، بل اختارت «الواقعية السياسية»، عبر دعم السيادة المغربية على الصحراء وتبني حل سياسي عملي ومستدام تحت السيادة المغربية.
وأضاف أن هذا التوجه تعزز أكثر بعد دعم إسبانيا لقرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، ثم خلال الاجتماع رفيع المستوى المغربي الإسباني الثالث في السنة نفسها، معتبرا أن مدريد أصبحت ترى في مخطط الحكم الذاتي الحل الأكثر انسجاما مع التحولات الدولية الحالية.
وفي مداخلته، اعتبر السوسيولوجي الإسباني أن الموقف الجديد يمثل أيضا «تحملا للمسؤولية التاريخية» من طرف إسبانيا، في إشارة إلى الأخطاء المرتبطة بتقسيم «الإمبراطورية الشريفة» وعدم إعادة أقاليم الصحراء وسيدي إفني إلى المغرب سنة 1956 بعد نهاية نظام الحماية.
كما خصص المتدخل جزءا مهما من مداخلته للحديث عن طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية، مؤكدا أنها لم تعد مجرد علاقات دبلوماسية أو اقتصادية عادية، بل تحولت إلى «علاقة استراتيجية عميقة ومتجذرة إنسانيا وتاريخيا».
وأشار إلى أن المغرب أصبح بالنسبة لإسبانيا «عامل استقرار وشريكا استراتيجيا لا غنى عنه»، خصوصا في ظل التحديات المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والأمن الإقليمي.
وأوضح أن التعاون الأمني بين الرباط ومدريد أصبح نموذجا في المنطقة، مستحضرا لقاء وزير الداخلية المغربي، عبد الوافي لفتيت، ونظيره الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، في مدريد خلال فبراير 2025، والذي تم خلاله التأكيد على تعزيز التنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب والاستعداد الأمني المشترك لتنظيم كأس العالم 2030.
وتوقف المتحدث أيضا عند المعطيات الاقتصادية، مشيرا إلى أن المبادلات التجارية بين المغرب وإسبانيا تجاوزت سنة 2024 حوالي 22,5 مليار يورو، مع استمرار ارتفاع الصادرات الإسبانية نحو المغرب، معتبرا أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين أصبحت ذات طابع بنيوي واستراتيجي.
وفي الجانب الإنساني، أبرز إسبارثا أن الحضور المغربي داخل المجتمع الإسباني أصبح «حضورا هيكليا»، مذكرا بأن أكثر من 42 ألف مغربي حصلوا على الجنسية الإسبانية سنة 2024، فيما ظل المغرب من بين أبرز مصادر الهجرة نحو إسبانيا خلال 2025.
وأكد أن كل هذه المعطيات تجعل من اعتراف إسبانيا بمغربية الصحراء جزءا من «دينامية أوسع وغير قابلة للتراجع» تقوم على التعاون والاستقرار والمصالح المشتركة.
وفي ختام مداخلته، اعتبر السوسيولوجي الإسباني أن المغرب أصبح اليوم فاعلا إقليميا أساسيا في منطقة المتوسط والساحل الإفريقي، بفضل المشاريع الكبرى والاستثمارات التي أطلقها الملك محمد السادس، خاصة في الأقاليم الجنوبية، مؤكدا أن الموقف الإسباني الحالي تجاه الصحراء المغربية يعكس اقتناعا متزايدا بالدور المحوري للمغرب في ضمان الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة بأكملها.