19 يونيو 2026 / 22:35

بيت الصحافة

الفيلسوفة أديلا كورتينا: لا غنى عن الصحافة المهنية لأنها تبني الوعي والضمائر ولن يعوضها الذكاء الاصطناعي

مارس 30 - 8 مايو 2026

قالت الفيلسوفة الإسبانية، أديلا كورتينا، إن الصحافة المهنية ما زالت تمثل ضرورة لا غنى عنها في المجتمعات الديمقراطية، لأنها لا تكتفي بنقل الأخبار، بل تسهم في تكوين الوعي وبناء الضمائر، معتبرة أن هذه الوظيفة العميقة لا يستطيع الذكاء الاصطناعي امتلاكها أو تعويضها.

وعبرت كورتينا، أستاذة الأخلاق والفلسفة السياسية بجامعة فالنسيا، عن هذا الرأي، في حوار مع صحيفة “إلباييس” الإسبانية، بمناسبة مرور خمسين سنة على تأسيسها، حيث قدمت قراءة واسعة لتحولات إسبانيا منذ مرحلة الانتقال الديمقراطي إلى اليوم، وتوقفت عند أزمات الاستقطاب السياسي، صعود الخطابات المعادية للأجانب، تشتت الانتباه، الذكاء الاصطناعي، مستقبل الصحافة، وموقع الولايات المتحدة في النظام الدولي في عهد الرئيس دونالد ترامب.

واعتبرت كورتينا أن إسبانيا لم تعش فقط انتقالا سياسيا بعد نهاية مرحلة فرانكو، بل سبقه، في رأيها، انتقال أخلاقي داخل المجتمع. وقالت إن “الانتقال كان سياسيا، لكن قبل ذلك كنا قد عشنا انتقالا أخلاقيا”، موضحة أن التحولات السياسية لا تنجح إلا عندما تكون هناك صلابة في أخلاق المجتمع المدني وقناعات الناس وعاداتهم. وترى الفيلسوفة الإسبانية أن المجتمع الإسباني، رغم وجود نظام سلطوي، لم يكن مجتمعا موحدا أو مغلقا، بل كان يعرف تعددية داخلية قوية كانت تطالب بتغيير سياسي.

وتوقفت كورتينا عند الشعور المتزايد لدى الأجيال الجديدة بأن أبناء اليوم يعيشون أسوأ من آبائهم؛ إذ رفضت هذه الفكرة بشدة، معتبرة أنها تنشر الإحباط واليأس وسط الشباب. وقالت إن شباب اليوم يملكون فرصا لم تكن متاحة للأجيال السابقة، من الإنترنت إلى الذكاء الاصطناعي، ومن حرية السفر إلى إمكانية التعلم والتواصل مع أشخاص من بلدان كثيرة. وأضافت: “يجب أن نقول لهم: هيا إلى الأمام، استفيدوا من هذه الفرص التي تملكونها لكي تتطورا”.

وفي موضوع الهجرة، عادت كورتينا إلى مفهوم “الأبوروفوبيا”، أي كراهية الفقير أو احتقار الفقر، وهو المفهوم الذي اشتهرت به في أعمالها الفكرية. وأكدت أن المشكلة ليست في الأجنبي بحد ذاته، لأن المجتمعات لا تنزعج من اللاعبين الأجانب الذين يمارسون في الدوريات الكبرى أو السياح الأثرياء، بل من الفقراء. ولذلك وصفت شعار “الأولوية الوطنية”، الذي تبناه اليمين المتطرف بإسبانيا، بالهمجية، لكنها في الوقت نفسه انتقدت طريقة تدبير ملف تسوية أوضاع المهاجرين في إسبانيا، معتبرة أنه كان يجب التعامل معه بشكل منظم وهادئ منذ البداية، لا تركه إلى أن يتحول إلى ملف كبير يهم مئات الآلاف من الأشخاص دفعة واحدة.

وربطت كورتينا صعود اليمين المتطرف والخطابات المتشددة بانهيار ثقافة التوافق وتفشي خطاب بناء الجدران بين الأطراف السياسية والاجتماعية. وقالت إن المشكلة ليست فقط في اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف، بل في أن إسبانيا تفعل اليوم عكس ما فعلته في مرحلة الانتقال الديمقراطي، حين كان البحث عن الاتفاقات والتوافقات وما يمكن تقاسمه هو القاعدة. ودعت إلى هدم الجدران والعودة إلى منطق التوافق، معتبرة أن تحقيق ذلك ممكن حتى مع وبالفاعلين السياسيين الموجودين اليوم، لأن إسبانيا استطاعت قبل خمسين سنة أن تتجاوز آثار حرب أهلية قاسية. وذلك ليس اليوم بعسير.

وفي حديثها عن أزمة الانتباه أو التشتت الذهني، حذرت الفيلسوفة الإسبانية من خطورة التشتت الذي أصبح أسلوب حياة في المجتمعات الحديثة. وقالت إن هذا التشتت “ضار بالفكر”، لأن التفكير والتنظيم والتأمل يحتاج إلى تركيز الانتباه. واعتبرت أن الأمر يصبح “انتحاريا” عندما يتعلق بالتعليم، لأن الاقتصاد الحالي يقوم على خطف انتباه الناس وإبقائهم منشغلين بأشياء تافهة. وشددت على أن التفكير النقدي يحتاج إلى القدرة على الانتباه والمقارنة والتفاعل، مضيفة: “إذا لم نكن قادرين على الانتباه والرد، فنحن ضائعون”.

وفي السياسة الدولية، قالت كورتينا إن النظام الديمقراطي القائم قد تعرض للتصدع منذ مدة، وليس فقط بسبب الإدارة الأمريكية الحالية، بل أيضا بسبب دول كثيرة تغيّر تحالفاتها ومواقفها باستمرار. وحذرت حكومة بلادها من اللعب بالنار في علاقاتها الخارجية، معتبرة أن الدولة الذكية يجب أن تعرف جيدا مع من تتحالف وألا تغيّر موقعها يوما بعد آخر.

وعندما سُئلت عما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شريكا موثوقا، أجابت بوضوح: “لا، لا، طبعا ليس موثوقا”، مضيفة أنها تستغرب “قلة الذكاء” التي يتصرف بها، لأنه، في رأيها، “يتخلص من كل حلفائه”. وتحمل هذه العبارة موقفا رافضا لطريقة ترامب في إدارة العلاقات الدولية، إذ ترى كورتينا أن السياسة التي تفكك التحالفات وتضعف الثقة بين الشركاء لا تعكس قوة استراتيجية، بل سوء تقدير سياسي.

أما في ما يتعلق بالصحافة، فقد دافعت كورتينا بقوة عن دور الإعلام المهني في زمن التشتت والذكاء الاصطناعي. وقالت إن وسائل الإعلام تملك “سلطة كبيرة جدا لتكوين الوعي وبناء الضمائر”، مؤكدة أن المجتمعات تحتاج إلى صحفيين مهنيين من أجل توسيع الحرية والمعرفة. وأضافت: “الصحافة ضرورية، إنها تكوّن الضمائر، وهذا ما لن يملكه الذكاء الاصطناعي أبدا”. وتكشف هذه الجملة جوهر موقفها من الذكاء الاصطناعي، فهي لا تنكر قوته التقنية، لكنها تميز بين القدرة على إنتاج النصوص والمعلومات وبين امتلاك وعي أخلاقي ومسؤولية اجتماعية ومهنية.

وفي جانب شخصي لافت، كشفت كورتينا أنها لا تملك هاتفا محمولا. وفسرت قرارها بأنه يمنحها “إحساسا بالحرية”، مضيفة أنها عندما ترى الناس متعلقين بهواتفهم تشعر بوجود “عبودية وقلق”. ويأتي هذا الموقف منسجما مع نقدها لاقتصاد الانتباه، إذ ترى في التعلق الدائم بالهاتف شكلا من فقدان الحرية الداخلية والخضوع المستمر للإشعارات والتشتت.

ولم تخف أملها في أن تكون المجتمعات حرة ومنفتحة، قادرة على التعبير عن آرائها وبناء وعي تكون فيه العدالة والرحمة قيمتين أساسيتين. وتبدو هذه الخلاصة امتدادا لفلسفتها الأخلاقية، التي تجعل من الديمقراطية أكثر من نظام سياسي، وتربطها بالضمير، والعدالة، والمسؤولية، والقدرة على حماية الإنسان من التهميش والخوف والكراهية.

التصنيف : المغرب