أكد السوسيولوجي والباحث الإسباني المتخصص في شمال إفريقيا، رافائيل إسبارثا ماشين، الأربعاء المنصرم بمدينة الداخلة، جوهرة الصحراء المغربية، أن الموقف الحالي لإسبانيا من الصحراء المغربية يمثل تطورا تاريخيا واستراتيجيا قائما على «الواقعية والاستقرار والشرعية الدولية»، وذلك خلال مداخلته في الدورة الثالثة لمؤتمر السياسات الذي ينظمه التحالف من أجل الحكم الذاتي في الصحراء (AUSACO).
وفي مداخلة بعنوان «من الماضي الاستعماري إلى الشريك الاستراتيجي: تقييم الموقف الإسباني من الصحراء المغربية»، اعتبر إسبارثا ماشين، أن الدعم الإسباني لمبادرة الحكم الذاتي المغربية لم يكن قرارا مرتجلا، بل نتيجة مسار سياسي انطلق بعد اتفاقيات مدريد سنة 1975 وتوج بالموقف التاريخي سنة 2022.
وذكّر الباحث بأن الحكومة الإسبانية اعتبرت رسميا في ذلك العام المبادرة المغربية للحكم الذاتي «الأكثر جدية وواقعية ومصداقية» من أجل تسوية هذا النزاع الإقليمي، معتبرا أن ذلك القرار مثّل إعادة تموقع استراتيجي واضح ورسالة صريحة داعمة لحل عملي تحت السيادة المغربية.
وأوضح أن هذا التوجه جرى تأكيده لاحقا من خلال دعم إسبانيا للقرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بتاريخ 31 أكتوبر 2025، وكذلك خلال الاجتماع رفيع المستوى الثالث بين المغرب وإسبانيا المنعقد في السنة نفسها.
كما رأى إسبارثا ماشين أن تطور الموقف الإسباني يمكن تفسيره أيضا باعتباره فعلا يجسد تحمل المسؤولية التاريخية المرتبطة بالإرث الاستعماري، وتكيفا مع الواقع الجيوسياسي الجديد في المنطقة.
وفي الجزء الثاني من مداخلته، شدد الأكاديمي الإسباني على أن المغرب أصبح بالنسبة لإسبانيا أكثر بكثير من مجرد بلد جار، واصفا المملكة بأنها شريك استراتيجي وعنصر أساسي للاستقرار في الضفة الجنوبية الأوروبية.
وأشار إلى أن السياق الإقليمي الراهن، الذي تطبعه التوترات والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والتهديدات الإرهابية، عزز أهمية المملكة المغربية كحليف موثوق وقوي ومعروفة مواقفه بالنسبة لإسبانيا وأوروبا.
كما أبرز عمق العلاقات الاقتصادية الثنائية، مذكرا بأن المبادلات التجارية بين المغرب وإسبانيا تجاوزت 22.5 مليار يورو سنة 2024، مع استمرار المنحى التصاعدي.
وعلى المستوى الإنساني، أشار إلى أن الحضور المغربي في إسبانيا يتميز بطابع بنيوي واجتماعي ويومي، مبرزا أهمية الجالية المغربية المقيمة في البلد الجار وتزايد عدد المغاربة الحاصلين على الجنسية الإسبانية.
وفي المجال الأمني، نوه بالتعاون النموذجي بين الرباط ومدريد في مكافحة الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة، إلى جانب الاستعداد لتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030.
وخلال مداخلته بالداخلة، أكد رافائيل إسبارثا ماشين أيضا أن المغرب يعيش دينامية تحول عميقة يقودها الملك محمد السادس، خاصة في الأقاليم الجنوبية، بفضل استثمارات كبرى ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وأضاف أن المملكة رسخت مكانتها كمحرك للاستقرار الإقليمي، ورافعة للتنمية، ومنصة للإشعاع القاري، وهو ما يعزز وجاهة مخطط الحكم الذاتي المغربي باعتباره حلا واقعيا ودائما.
وخلص الباحث إلى أن الموقف الإسباني من الصحراء المغربية يستند إلى استراتيجية واعية تعترف ليس فقط بسيادة المغرب على أقاليمه الحنوبية، بل أيضا بالدور المحوري الذي يضطلع به كفاعل أساسي في السلم والاستقرار والتنمية في الفضاءات المتوسطية والأطلسية والساحلية.