حاورها توفيق سليماني
ترجمة: د. محمد الشاربي
تُعدّ إكرام شاهين من أبرز الدبلوماسيين المغاربة الذين يجمعون بين تحصيل جامعي متين في الدراسات الإسبانية ومسيرة مهنية حافلة في السلك الدبلوماسي، مما يُمكّنها من تقديم رؤية فريدة حول العلاقات الثقافية بين المغرب وإسبانيا.
تحظى إكرام شاهين، القنصل العام للمملكة المغربية بتاراغونا، باحترام كبير من الصحفيين والباحثين المتخصصين في الدراسات الإسبانية بالمغرب، وكذلك من الجالية المغربية المقيمة بإسبانيا. وقد ساهمت -وما تزال- في دعم مبادرات أكاديمية عديدة تهدف إلى تعزيز العلاقات بين البلدين، مثل مبادرة إنشاء كرسي جامعي متخصص في الدراسات حول المغرب في جامعة روفيرا إي فيرجيلي (تاراغونا)، الذي يسعى إلى دعم التعاون الجامعي والثقافي بين البلدين.
في هذا الحوار الحصري مع جريدة “مارس30″، تتحدث الدبلوماسية المغربية إكرام شاهين عن بداية ارتباطها باللغة الإسبانية، والوضع الراهن للغة سرفانتس في المغرب، وأيضا آفاق التعاون الثقافي بين المغرب وإسبانيا.
– بداية، كيف بدأ ارتباطك باللغة الإسبانية وما هي العوامل التي جعلتك تحبين هذه اللغة؟
– بدأ ارتباطي باللغة الإسبانية منذ الطفولة. فمنذ صغري، كنت أسافر مع والديّ إلى إسبانيا؛ وكنا نقضي عطلتنا هناك، وقد ولَّدَ هذا الاحتكاك المتكرر في نفسي انجذابًا طبيعيًا للغة والثقافة الإسبانية على حد سواء. أتذكر جيدًا رحلةً إلى برشلونة عندما كنت في الرابعة من عمري، برفقة والدي في إطار العمل. ما زلت أذكر أول كلمة تعلمتها بالإسبانية: الرقم 24، وهو رقم شقتنا في شارع لاس رامبلاس. كنتُ متحمسة جدًا لقرع جرس الباب ثم نطق ذلك الرقم بشكل صحيح ليفتحوا لنا.
مع مرور الوقت، تحوّل فضولي كطفلة إلى قرار واعٍ. اخترتُ إكمال دراستي الجامعية في إسبانيا، وتحديدًا في مدينة مالقة، حيث عشتُ عشر سنوات، كانت من أجمل السنوات في حياتي. كانت السنة الأولى في الجامعة صعبةً للغاية، إذ لم أكن قد أتقنتُ اللغة تمامًا بعد. ولكن بفضل الدعم والتفاعل اليومي مع رفقائي في السكن، تمكنتُ من إتقان الإسبانية بشكل سريع، عاما أنني لم أكن قد بدأتُ دراستها إلا قبل أشهر قليلة من بدء دراستي الجامعية.
ثم بعد ذلك، أصبحت عملية التعلم هذه، التي بدأت كتجربة عاطفية وعائلية، محورًا أساسيًا لمسيرتي الفكرية والمهنية.
– كيف تحللين الوضع الراهن للغة الإسبانية في المغرب، انطلاقًا من تجربتك الغنية كطالبة، وباحثة في الدراسات الإسبانية، ودبلوماسية؟
– على الرغم من أنني لا أنتمي بشكل مباشر إلى المجال الأكاديمي أو البحثي، إلا أن مسيرتي المهنية وعملي أتاحا لي متابعة تطور الدراسات الإسبانية في المغرب عن كثب. أعتقد أنها تمر حاليًا بمرحلة إيجابية، إذ تتمتع بأسس متينة، وهناك اهتمام متزايد باللغة والثقافة الإسبانية في المغرب.
ما تزال اللغة الإسبانية تحتل مكانة هامة في جامعاتنا، وهناك مؤسسات تُسهم بفعالية في تعزيزها. وفي هذا السياق، كان دور معهد الدراسات الإسبانية-البرتغالية في جامعة محمد الخامس (الرباط) بالغ الأهمية، حيث كان يدعم مبادرات أكاديمية وثقافية تساهم في تقوية الروابط مع العالم الناطق بالإسبانية.
أود أيضًا أن أُشير إلى مسألة إنشاء كرسي في جامعة روفيرا إي فيرجيلي (متخصص في الدراسات حول المغرب)، وهي مبادرة تشرفتُ بالمساهمة في دعمها، وتهدف إلى لعب دور فاعل في تعزيز العلاقات الأكاديمية والثقافية بين المغرب وإسبانيا. تُؤكد مثل هذه مشاريع على أن التعاون المؤسسي هو مفتاح مستقبل الدراسات الإسبانية.
باختصار، تتمتع الدراسات الإسبانية في المغرب بأسس متينة وإمكانات هائلة. والأهم الآن هو مواصلة بناء جسور التواصل وخلق فرص التعاون التي تعود بالنفع على الطرفين.
– كيف تنظرين إلى إسبانيا اليوم، من منظور ثقافي وفكري ودبلوماسي، ومن موقعك كدبلوماسية ومهتمة بالدراسات الإسبانية، في ظل سياق يتسم بتحولات سياسية واجتماعية وجيوستراتيجية؟
– إسبانيا بلد ديناميكي يتطور باستمرار، وقد نجحت في ترسيخ تنوعها الثقافي كأحد أهم نقاط قوتها. ومن منظور ثقافي، ما تزال إسبانيا قوة رائدة في أوروبا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط وأمريكا اللاتينية، إذ تتمتع بحياة ثقافية ثرية ومنفتحة في حوار دائم مع أمريكا اللاتينية وشمال إفريقيا.
في السياق الراهن، الذي يتسم بتغيرات سياسية واجتماعية وجيوستراتيجية، تضطلع إسبانيا بدور محوري في منطقة البحر الأبيض المتوسط. إسبانيا لها علاقات استراتيجية ومتعددة الأبعاد مع المغرب، ليس فقط في المجالين السياسي والاقتصادي، بل أيضًا في المجال التعليمي والثقافي والإنساني.
من خلال تجربتي الشخصية والمهنية، أرى أن إسبانيا تُدرك يوما بعد يوم أهمية الجوار الجنوبي وخاصة علاقتها مع بلدنا المغرب. أؤمن بأن التفاهم والاحترام المتبادلين، والتعاون الأكاديمي والثقافي، أدوات أساسية لمواجهة التحديات المشتركة معًا. وبعيدًا عن الأمور الظرفية، يجب أن تسود رؤية مستقبلية قائمة على الثقة والحوار المستمر بين ضفتي المتوسط.
– برأيك، هل هناك فعلا شعور بالإحباط بين المتخصصين والمهتمين باللغة والثقافة الإسبانية في المغرب فيما يتعلق بمستوى الدعم والاهتمام الذي يخصص إلى اللغة الإسبانية حاليًا في الجامعات والمؤسسات العمومية؟
– أعتقد أن هناك وعي بالتحديات التي تواجه اللغة الإسبانية في المغرب. يرغب بعض المتخصصين في مزيد من الدعم أو الاهتمام، لكننا نعلم أيضاً أن الإسبانية ما تزال حاضرة بقوة في الجامعات والمعاهد.
يكمن التحدي الحقيقي في مواصلة العمل المبني على التعاون وخلق فرص تُعزز دور اللغة الإسبانية وقيمتها الثقافية والتعليمية في البلاد.
– ما هي، برأيك، الأسباب التاريخية والسياسية والتعليمية والثقافية الرئيسية التي تُفسر الوضع الراهن للغة الإسبانية في المغرب، حيث فقدت وزنها مقارنةً باللغات الأجنبية الأخرى؟
– في رأيي، لا يمكن الحديث عن تراجع اللغة الإسبانية في المغرب. فعلى سبيل المثال، تُشير شبكة معاهد سرفانتس في بلدنا، وهي من أكبر الشبكات في العالم، إلى تزايد الاهتمام بتعلم الإسبانية.
من جهة أخرى، هناك أيضاً تزايد في عدد الطلاب المغاربة الذين يختارون إكمال دراساتهم العليا في الجامعات الإسبانية، مما يعكس اهتماماً حقيقياً ومستمراً باللغة الإسبانية.
أرى أن الوضع الراهن يعكس عملية تنوع لغوي وثقافي في المغرب. ما تزال اللغة الإسبانية تلعب دوراً هاماً، ويتعزز حضورها بفضل التعاون الأكاديمي والتبادل الثقافي، فضلاً عن اهتمام الطلاب بالتعرف على إسبانيا وعلى العالم الناطق بالإسبانية.
– نرى أن هناك تطور ملحوظ على مستوى العلاقات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والتجارية والأمنية والاستخباراتية بين المغرب وإسبانيا، لكن، في المقابل، هناك علاقات ثقافية وتعليمية وجامعية ضعيفة شيئا ما بين البلدين. كيف تفسرين هذه المفارقة؟
– أعتقد أنها ليست مفارقة بقدر ما هي انعكاس لواقع أولوياتنا. صحيح أن العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بين المغرب وإسبانيا قد شهدت تقدماً كبيرا وواضحاً، بينما تتطلب المجالات الثقافية والتعليمية والجامعية عملا تدريجياً ومستداما.
بحسب خبرتي، تُظهر مشاريع مثل الكرسي الجامعي حول المغرب في جامعة روفيرا إي فيرجيلي (تاراغونا) أن التعاون الأكاديمي والثقافي يشهد تطورا، وإن كان بوتيرة أبطأ أو بتغطية إعلامية أقل مقارنةً بمجالات التعاون الأخرى. والأهم هو إرساء أسس متينة تُمكّن هذه العلاقات الثقافية والتعليمية من مواصلة تعزيزها في المستقبل.
– أخيرا، في ظل السياق الدولي الحالي الذي يتسم بالتداخل الثقافي وعدم الاستقرار والتقلب، هل أنت متفائلة أم متشائمة بشأن مستقبل اللغة الإسبانية في المغرب؟ وما هي الحلول المقترحة لديك لتعزيز حضورها أو ترسيخه؟
– أنا متفائلة دائمًا؛ متفائلة بخصوص مستقبل اللغة الإسبانية في المغرب. يتزايد الاهتمام باللغة والثقافة الإسبانية باستمرار، وهناك الكثير من المبادرات التعاونية والأنشطة الثقافية لتقريب اللغة والثقافة من المجتمع. إن الحفاظ على هذه الفرص وتوسيعها يعتبر أمرًا أساسيًا لترسيخ حضور اللغة الإسبانية.
ختامًا، أود أن أتقدم بجزيل الشكر لجريدة “مارس30” ومديرها على الجهود المتواصلة من أجل تعزيز حضور اللغة الإسبانية في المغرب، وهو التزام يُلهم أجيالًا جديدة من الطلاب والمهنيين. إن مثل هذه المبادرات تُذكّرنا بأهمية الحوار الثقافي والأكاديمي، وتحفزنا على مواصلة تشجيع اللغة والثقافة الإسبانية في بلدنا.