20 يونيو 2026 / 00:12

بيت الصحافة

ميغيل آنخيل مانثانو، مستعرب وباحث إسباني: “كانت إسبانيا دائما لديها -وما تزال- علاقات متميزة مع الدول العربية”  

Mares30 - 23 أبريل 2026

حوار وترجمة: محمد الشاربي

 

ميغيل أنخيل مانثانو رودريغيث (باداخوس -بطليوس-، 1962)، حاصل على الإجازة في فقه اللغة السامية (الدراسات العربية والإسلامية) من جامعة كومبلوتنسي بمدريد عام 1986. وحاصل على درجة الدكتوراه من الجامعة نفسها عام 1990. وهو الآن أستاذ كرسي في تخصص الدراسات العربية والإسلامية بجامعة سالامانكا.

 

عضو في معهد الدراسات حول العصور الوسطى وعصر النهضة (IEMYRhd) ومدير مجموعة البحثية المرتبطة بالدراسات العربية والإسلامية (ESARIS) بنفس المعهد والجامعة. وباحث متعاون في “كرسي الأندلس والمغرب” في جامعة أدولفو إيبانيز في سانتياغو (التشيلي).

 

اشتغل على العديد من المشاريع البحثية المتعلقة بتاريخ وتأريخ المغرب العربي في أواخر العصور الوسطى (وخاصة دولة المرينيين في فاس)، وهو موضوع نشر حوله عدة أبحاث ومساهمات في أعمال جماعية، بالإضافة إلى مقالات علمية كثيرة.

 

نذكر على سبيل المثال، تتسيقه للمشروع الموسوم ب “الجغرافيا الثقافية للمغرب العربي والديناميات البشرية في شمال إفريقيا” (MAGNA) والمشروع الفرعي “الجغرافيا الثقافية للمغرب الإسلامي في العصور الوسطى والحديثة على الإنترنت (GEOMAGRED)” (2018-202).

 

من بين أحدث منشوراته: “مقاربة للجغرافيا الشاملة للأندلس: تقويم البلدان لأبي الفداء (732/1331)” (2021)؛ و”الأندلس والمغرب العربي. وجهات نظر عبر أطلسية (مجلد جماعي بالتنسيق مع د. ميلو، 2019)؛…

 

ومن بين مجالات عمله الأخرى في مسيرته الأكاديمية نجد تدريس اللغة العربية، وعلوم الحاسوب، والدراسات العربية.

 

في هذا الحوار الحصري مع جريدة “مارس30″، يناقش المستعرب والباحث الإسباني ميغيل آنخيل مانثانو عدة قضايا جوهرية: بداية ارتباطه باللغة العربية، الوضع الراهن للغة العربية في إسبانيا، صورة ما هو عربي وإسلامي في إسبانيا، إسهامات المسلمين في المجالات العلمية والفنية، الدولة المرينية، العلاقات بين إسبانيا والعالم العربي-الإسلامي، العلاقات الثقافية بين المغرب وإسبانيا، دور المستعربين الإسبان في المساهمة في بناء جسور التواصل بين شبه الجزيرة الإيبيرية والعالم العربي-الإسلامي، المغرب، إلخ.

 

– أنت أستاذ حاصل على درجة الدكتوراه في فقه اللغة (الدراسات العربية والإسلامية) من جامعة كومبلوتنسي بمدريد، وتعمل حاليا كأستاذ كرسي في شعبة الدراسات العربية والإسلامية بجامعة سالامانكا. حدثنا قليلاً عن بداية ارتباطك باللغة العربية.

– كانت بدايتي مع اللغة العربية محض صدفة. التحقتُ بشعبة فقه اللغة الإنجليزية في جامعة كومبلوتنسي بمدريد، وكنتُ أودّ اختيار اللغة اليونانية كلغة ثانية. إلا أنني لم أتمكن من مواصلة دراسة هذه اللغة في المرحلة ما قبل الجامعية (دورة التوجيه الجامعي، قديما)، حيث كنتُ قد درستها في البكالوريا. ثم نصحوني بدراسة اللغة العربية، وكان ذلك بمثابة اكتشافٍ جديد. في العام الموالي، لم أعد أدرس فقه اللغة الإنجليزية، بل التحقتُ بالسنة الثانية من فقه اللغة السامية. بذلتُ جهداً كبيراً لأصل إلى مستوى زملائي، وكانت النتيجة مُرضية في النهاية.

 

– هل ما زال هناك اهتمام بـ”الدراسات العربية والإسلامية” في إسبانيا؟

– لا يمرّ الآن تخصص الدراسات العربية والإسلامية بأوقات جيدة (لا تسير الأمور كما ينبغي)، وهذا ليس فقط في إسبانيا، بل في أوروبا عمومًا أيضا. في الواقع، نشهد تهميشًا وتراجعًا فيما يتعلق بالعلوم الإنسانية. والدراسات اللغوية والتاريخية، التي تُعدّ جزءًا منها، إلى جانب الدراسات العربية والإسلامية، ليست بمنأى عن هذه النظرة السلبية.

 

بالنسبة للدراسات العربية والإسلامية تحديدًا، لا يُساعد الوضع السياسي في إسبانيا وأوروبا على تطويرها. ويُشكّل صعود اليمين المتطرف، الذي يرى في الإسلام تجسيدًا لكل الشرور الكونية، عائقًا خطيرًا أمام الاهتمام بهذه الدراسات، حتى على المستويات الأكاديمية العليا.

 

– كيف هي صورة ما هو عربي وإسلامي في إسبانيا؟

– حاليًا، تتسم صورة الثقافة العربية والإسلامية في إسبانيا بشيء من التناقض. فمن جهة، لا شك في وجود إعجاب بالإرث الثقافي الذي ورثناه من الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية على مدى تسعمائة عام. يُبدي عامة الناس إعجابهم بالمعالم الأثرية كقصر الحمراء، وجامع قرطبة، وقصر الجعفرية، بالإضافة إلى الكلمات والأسماء العربية المُقترضة في لغتنا، وغيرها. لكن من جهة أخرى، يبقى هناك نوع من الحذر والتوجس تجاه تراث ثقافي غير مألوف، يُنظر إليه كتهديد للأسباب التي ذكرتها في الجواب السابق.

 

كما يوجد أيضا من يُكنّون احترامًا كبيرًا للإرث العظيم الذي ورثناه عن العرب، ويرى آثارهم وبصماتهم في جميع الجوانب الثقافية. لكن هذه النظرة تمثل الأقلية فقط وغالبًا ما تكون مُشوّهة.

 

– كيف ترى وضع اللغة العربية في إسبانيا اليوم؟

– أرى أن الوضع جيد جدًا، لأن أساليب التدريس قد تغيرت جذريًا. عندما كنت طالبًا مثلا، كانت الطريقة التقليدية التي تتمثل في قراءة النص وترجمته وتقديم شرح نحوي هي الأكثر شيوعًا؛ بل أستطيع القول إنها كانت الطريقة الوحيدة. أما الآن، على الأقل في المستويات التمهيدية، يسود النهج التواصلي، مع الحرص على تقديم شروح نحوية، لا سيما في شعب فقه اللغة.

 

علاوة على ذلك، لا يقتصر الاهتمام على اللغة الفصحى فحسب، بل يشمل أيضاً اللهجات المختلفة. في إسبانيا، ولأسباب يعرفها الجميع، تُعدّ اللهجة المغربية الأكثر اهتماما.

 

– في نفس السياق، نشرتَ عدة كتب عن اللغة العربية، بالتعاون مع فيكتوريا أغيلار سيباستيان وخيسوس ثانون، مثل “على طول: مدخل إلى اللغة العربية” و”هيا لنتكلم العربية: دفتر للقراءة والكتابة”. حدثنا قليلاً عن أهمية هذا النوع من الكتب لتعلم اللغة العربية.

– صُممت هذه الكتب أو الدفاتر الداعمة وفقاً للمعايير التي ذكرتها آنفاً. هناك طرق عديدة لتعليم القراءة والكتابة باللغة العربية منذ البداية. لكن، وفقًا لمنهجنا، لم يقتصر الأمر على بدء الطالب بتعلم الإشارات والأصوات، التي كانت جديدة عليه تمامًا، بطريقة منفصلة أو معزولة. بل كان الهدف ضمان تعلمه في آنٍ واحد أولى كلماته وعباراته العربية، وتكرارها بصوت عالٍ، وكتابتها، وقراءتها؛ ويتعلم كذلك الأصوات التي لم يكن قادرًا على كتابتها بعد، ولكنها شائعة الاستخدام عند التحية والوداع،…

 

بالإضافة إلى ذلك، تتمثل أهمية هذه المحتويات الديداكتيكية، وخاصةً كتاب “على طول!”، في أنها مصحوبة بتسجيلات صوتية عديدة، مما يسمح للطالب بالاستماع إليها مرارًا وتكرارًا. كانت هذه شكوى شائعة بين من يخطون خطواتهم الأولى في تعلم اللغة العربية: فهم يفهمون الدروس والأمثلة جيدًا، ولكن بمجرد عودتهم إلى المنزل، ينسون كيفية كتابة أو نطق ما تعلموه. وكما ذكرت، من خلال مثل هذه الكتب، على سبيل المثال كتاب “على طول!”، تُحل هذه المشكلة.

 

من مزايا منهجنا الأخرى أن الطلاب يتعرفون على طريقة كتابة اللغة العربية بأسرع وقت ممكن: بدون حركات قصيرة. إذا استخدمتَ كتاب “على طول!”، ستلاحظ أن هناك استخدام قليل لهذه الحركات: فالكلمات، عند استخدامها لأول مرة، تظهر ببعض الحركات، ولكن إذا تكررت لاحقًا، ستكون غير مشكولة (بدون حركات) أو تتناوب بين التشكيل وعدم التشكيل. هذه الصعوبة، التي من الضروري التأكيد عليها، تُساعد الطلاب على التغلب على خوفهم من قراءة النصوص العربية بدون حركات (أو تشكيل). وهذا يُمثل تغييرًا جذريًا مقارنةً بالطريقة التي درست بها قديما: فحتى في السنوات الأخيرة من دراستي الجامعية، كنا لا نزال نشعر بالرهبة من النصوص غير المشكولة.

 

– كيف ترى الحقبة المرينية بفاس؟

– ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال في بضعة أسطر. باختصار شديد، يُمكنني القول إن الدولة المرينية – من وجهة نظري ووجهة نظر أساتذة مغاربة آخرين متخصصين في هذا المجال- أرست أسس دولة المغرب. لا تعتبر الدولة المرينية وريثةً للخلافة الموحدية فحسب، التي حلت محلها سياسيًا وعسكريًا، بل تبنت أيضًا إيديولوجية رسمية قائمة على المذهب المالكي، وأنشأت المدارس القرآنية، واستقطبت علماء الدين الذين رسّخوا التراث العربي الإسلامي وأضفوا رونقًا على العلوم الدينية.

 

إضافةً إلى ذلك، سعت الدولة المرينية إلى تبني التصوف، كشكل من أشكال الروحانية التي سترتبط في نهاية المطاف ارتباطًا وثيقًا بقلب المغرب. وكانت الدولة المرينية آخر سلطنة حاولت توحيد الأندلس والمغرب الكبير تحت سلطة سياسية واحدة (كما فعل الموحدون). وقد منحها ذلك نفوذًا وهيمنة – إن جاز التعبير – هدد بشكل كبير التقدم المسيحي في شبه الجزيرة الإيبيرية. وبالتالي، لا شك أن الدولة المرينية تُعدّ مرحلة تاريخية حاسمة في تاريخ المغرب الكبير خلال العصور الوسطى.

 

– كيف تنظر إلى إسهامات مسلمي الأندلس في المجالات العلمية والفنية؟

– كانت هذه الإسهامات، بلا شك، عديدة وذات مستوى رفيع للغاية. للإجابة على سؤال كهذا، لا بد من ذكر العديد من الأعمال المنجزة من طرف مستعربين إسبان كلاسيكيين التي أبرزت إسهامات المسلمين القيمة في مجالات مختلفة: الرياضيات والفلك؛ إدارة مياه الري والزراعة؛ الطب وعلم النبات والصيدلة؛ وحتى فن الطبخ. وبنفس القدر من الأهمية نذكر أيضا: الحفاظ على العلوم الكلاسيكية ونقل النصوص العلمية. تُرجمت هذه النصوص من اليونانية إلى العربية، ومنها إلى اللاتينية، ثم إلى اللغات الرومانسية. وبفضل هذه الإسهامات، تم تحقيق أو بلوغ عصر النهضة الأوروبية.

 

– في عام 2022، نشرتَ، بالتعاون مع الأستاذة هيلينا دي فيليبي، كتابًا بعنوان “ماجنا: الجغرافيا الثقافية والديناميات البشرية للمغرب العربي”. حدثنا قليلًا عن هذا الكتاب.

– هذا الكتاب الجماعي هو ثمرة مشروع بحثي منسق يحمل عنوانًا مطابقًا تقريبًا (“الجغرافيا الثقافية للمغرب العربي والديناميات البشرية في شمال إفريقيا -MAGNA-“). وقد شمل مشروعين فرعيين، الأول أشرفتُ عليه وتناول دراسة الأراضي وأسماء الأماكن، والثاني أشرفت عليه الأستاذة هيلينا دي فيليبي (جامعة ألكالا دي هيناريس)، والذي درس الجماعات البشرية وأنماط الهجرة.

 

بالإضافة إلى تطوير بوابة محتوى — مُنظمة حول أسماء الأماكن والأسماء الإثنية المغاربية، والتي استمر العمل عليها في مشروع MAGNA II (https://proyectomagna.org/؛ الذي لا يزال قيد التطوير، ولكنه متاح مجانًا) — يجمع الكتاب مساهمات من متخصصين وطنيين ودوليين حول جوانب مختلفة متعلقة بالمشروع: التمثيلات التاريخية للمغرب العربي، وأسماء الأماكن واللغويات الأمازيغية، وقضايا تتعلق بأنماط الاستيطان والجماعات البشرية، فضلًا عن الموارد الطبيعية والبيئة المادية من منظور تاريخي.

 

– كيف تحلل العلاقات الحالية بين إسبانيا والعالم العربي-الإسلامي؟

– شخصيًا، أراها إيجابية. كانت إسبانيا دائما لديها علاقات متميزة مع الدول العربية، وما تزال تسير على هذا المنوال. حتى في أوقات الصراعات الداخلية بين بعض الدول العربية، كانت إسبانيا تحافظ على علاقات طيبة مع كلا الطرفين. وأعتقد أنه يحدث نفس الشيء من جانب العالم العربي والإسلامي.

 

– ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المستعربون الإسبان من أجل بناء جسور التواصل بين شبه الجزيرة الإيبيرية والعالم العربي-الإسلامي؟

– دورنا، مثل دور الباحثين العرب المتخصصين في الدراسات الإسبانية، يتجلى في ممارسة الدبلوماسية الثقافية. بصفتنا خبراء في الشأن المتعلق بالعالم العربي الإسلامي، نفهم تقاليده الثقافية ونستطيع شرحها بشكل أفضل، وننقل قيمه وتاريخه الذي كنا جزءًا منه. وهذا أمر مهم وضروري في هذه الأوقات، كما ذكرت سابقًا.

 

– كم مرة زرت المغرب؟ كيف ترى هذا البلد؟

– لم أعد أتذكر عدد المرات التي زرت فيها المغرب. كانت زيارات على مراحل. عندما كنت طالبا وحتى تسعينيات القرن الماضي، كنت أزوره كثيرًا. ثم انقطعت عنه لفترة طويلة حتى عام 2013، عندما حضرت مهرجانًا ثقافيًا أمازيغيًا في فاس، ثم انقطعت عنه لفترة طويلة أخرى. لكن في العامين الماضيين، سافرت إلى المحمدية، وأكادير، ثم إلى الرباط، المدينة التي لطالما أحببتها، كمكان للعيش أيضا، والتي لم أزرها منذ ما يقارب أربعين عامًا.

 

التغيير الذي طرأ على البلد منذ رحلاتي الأولى هائل بكل ما تحمله الكلمة من معنى: سواء على مستوى البنية التحتية، والمواصلات، والموارد التقنية، والمؤسسات، والمساحات الحضرية. إنه لأمرٌ مُثيرٌ للإعجاب حقاً.

 

– ما هي الرسالة التي تودّ توجيهها للقارئ الإسباني والعربي؟

– لدي رسالة بسيطة للغاية، قد تبدو مبتذلة، ولكنها حقيقة: لم تكن -ولن تكون أبداًـ الخمسة عشر كيلومتراً التي تفصل بيننا عبر مضيق جبل طارق، عائقاً أمام الحفاظ على الروابط الثقافية والتاريخية التي جمعتنا والتي يجب أن تستمر في جمعنا.

 

التصنيف : اسبانيا المغرب حوارات