في تحليل جديد يعكس تحولات عميقة في مقاربة المجتمع الدولي لملف الصحراء المغربية، تبرز الباحثة الصحراوية، صفية أباحاج، أن هذا النزاع لم يعد يُقرأ اليوم ضمن نفس القوالب الكلاسيكية التي حكمته لعقود، بل دخل مرحلة جديدة تعيد تشكيل أسس فهمه وتدبيره على المستوى الدولي.
ترى أباحاج في مقال تحليلي نشرته اليوم الثلاثاء في الصحيفة المغربية الناطقة باللغة الإسبانية “Mares30” أن ملف الصحراء لم يعد مجرد قضية قانونية تقليدية مرتبطة حصراً بمبدأ تقرير المصير، بل أصبح يعكس تطوراً أوسع في القانون الدولي نفسه، حيث تتداخل الاعتبارات القانونية مع رهانات الاستقرار الإقليمي والأمن الجماعي وإمكانية تطبيق الحلول على أرض الواقع.
وتؤكد الباحثة أن ما يحدث اليوم لا يتعلق فقط بتزايد عدد الدول الداعمة للموقف المغربي، بل بتحول نوعي في طريقة قراءة هذا الملف، حيث بدأت العديد من الدول تتجاوز المقاربات الإيديولوجية القديمة، لتعتمد منطقاً قائماً على مسؤولية الدولة واستقرار المنطقة وقابلية الحلول للتنفيذ، وهو ما يظهر بوضوح في اللغة الدبلوماسية الجديدة وفي القرارات المتخذة مؤخراً.
وفي هذا السياق، تعتبر أباحاج أن قرار مالي سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” ودعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية يمثل نقطة تحول لافتة، إذ يعكس انتقال بعض الدول الإفريقية من منطق الإرث الدبلوماسي القديم إلى دعم حلول تضمن الاستمرارية والاستقرار. وتضيف أن توصيف باماكو للمقترح المغربي باعتباره «الأساس الجدي والموثوق» لحل النزاع يندرج ضمن رؤية سياسية واستراتيجية، خاصة في منطقة الساحل التي تواجه تحديات أمنية عابرة للحدود.
وتذهب الباحثة أبعد من ذلك، معتبرة أن مثل هذه المواقف لا تقتصر على بعدها السياسي، بل تساهم أيضاً في إعادة تشكيل الإطار القانوني الدولي للنزاع، إذ إن ممارسات الدول وقراراتها المتكررة تلعب دوراً محورياً في بلورة الاتجاهات القانونية الجديدة، وليس فقط النصوص والمبادئ المجردة.
كما تشير إلى أن موقف كينيا، التي جددت دعمها لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، يحمل دلالات استراتيجية مهمة، بالنظر إلى وزنها السياسي والاقتصادي في شرق إفريقيا، ما يؤكد أن التحول الدولي نحو المقترح المغربي لم يعد مقتصراً على فضاءات معينة، بل يمتد إلى فاعلين مؤثرين في مناطق مختلفة من القارة.
ومن زاوية العلاقات الدولية، ترى أباحاج أن هذا التحول يعكس أيضاً تغييراً في طبيعة قراءة النزاع، حيث لم يعد يُنظر إليه كقضية سيادة فقط، بل أصبح مرتبطاً بمفاهيم أوسع مثل الربط الإقليمي، والتعاون الاقتصادي، وبناء منظومات الأمن الإفريقي، وهو ما يخدم المقاربة المغربية القائمة على الاستثمار والتعاون جنوب-جنوب.
أما على المستوى العربي، فتبرز الباحثة أهمية تجديد مصر دعمها للوحدة الترابية للمغرب ولمبادرة الحكم الذاتي، معتبرة أن هذا الموقف يعزز التوجه نحو حلول واقعية قائمة على التوافق السياسي بدل الطروحات القصوى، خاصة بالنظر إلى الثقل الجيوسياسي والدبلوماسي للقاهرة في المنطقة.
وتؤكد أن مجلس الأمن يسير في الاتجاه نفسه، من خلال تأكيده المتكرر على ضرورة التوصل إلى حل «سياسي وواقعي وعملي ودائم»، كما جاء في القرار 2797 لسنة 2025، وهو ما يعكس تحولاً واضحاً في طبيعة المقاربة الدولية للنزاع، من حلول نظرية إلى حلول قابلة للتطبيق.
وفي هذا الإطار، تشير أباحاج إلى أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية اكتسبت زخماً متزايداً لأنها تقدم صيغة توفق بين احترام السيادة الوطنية وتوفير حكم ذاتي محلي، ضمن حل تفاوضي يضمن الاستقرار ويجنب المنطقة سيناريوهات الفراغ وعدم اليقين.
كما تخصص الباحثة حيزاً مهماً لدور موريتانيا، التي رغم تمسكها الرسمي بالحياد، تُظهر ممارساتها تقارباً متزايداً مع المغرب، سواء من حيث التعاون الأمني المرتبط باستقرار منطقة الكركرات، أو من خلال تعميق العلاقات الاقتصادية، أو عبر مشاريع استراتيجية كخط أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، الذي يعكس اعترافاً عملياً بالدور المحوري للمغرب في المنطقة.
وتخلص أباحاج إلى أن ملف الصحراء المغربية يعكس اليوم تحوّلاً أعمق في القانون الدولي، يتمثل في الانتقال من قانون مجرد إلى قانون سياقي يأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي والاقتصادي والأمني، معتبرة أن ما نشهده ليس مجرد تطور مرحلي، بل إعادة تشكيل تدريجية لتوافق دولي جديد.
وتشدد في ختام تحليلها على أن القرارات الصادرة عن دول مثل مالي وكينيا ومصر، إلى جانب التقارب الإقليمي مع موريتانيا، ليست أحداثاً معزولة، بل تعكس دينامية متكاملة تسير في اتجاه واحد: بناء توافق دولي جديد يجعل من مبادرة الحكم الذاتي الإطار الأكثر جدية وواقعية لأي حل مستقبلي للنزاع.
وتؤكد أن القانون الدولي لم يعد يُصاغ فقط في النصوص، بل يتشكل أيضاً عبر الممارسات والتحالفات والقرارات، وهي كلها اليوم، بحسب تعبيرها، تشير إلى اتجاه واضح نحو تجاوز منطق النزاع والدفع نحو تسوية ممكنة.