الكثيرون يتمنون لو أنه صمت نهائياً واختفى كلياً، أو على الأقل توارى عن الأنظار والميكروفونات وصالونات السياسة والاقتصاد؛ لكن هل يرضى من ساهم بشكل كبير في صناعة الديمقراطية الإسبانية أن تُغيّبه وتُسكته الديمقراطية نفسها تحت ذريعة المصلحة العليا؟ لقد صمت طويلاً، غير أن هناك من حاول استغلال هذا الصمت لوضعه في قفص الاتهام والإدانة، لذلك قرر أن يرفع صوته كما فعل عندما أجهض انقلاب 23 فبراير 1981. هذه المرة، اختار الملك السابق لإسبانيا فرنسا ليوجه رسالة واضحة إلى من يهمهم الأمر في بلده. وتشعر أن الرجل منزعج وغاضب ممن حاولوا طمس تاريخه والتشويش عليه.
هكذا عاد الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول إلى الواجهة، بعد أن تسلّم، يوم أمس السبت، جائزة خاصة عن كتاب مذكراته «المصالحة» داخل الجمعية الوطنية الفرنسية، حيث ألقى خطاباً اتسم بالاعتراف المؤسساتي وبنظرة تأملية مباشرة في مساره الشخصي، وفقاً لما أوردته صحيفة «إلباييس».
وخلال هذا الحدث الذي احتضنته باريس، عبّر رئيس الدولة الإسباني السابق، الذي بدا عليه الإرهاق والانزعاج من محيطه، عن امتنانه لهذا التكريم، مستغلاً المناسبة لتوجيه رسالة إلى المقربين والبعيدين منه والدفاع عن دوره في مرحلة الانتقال الديمقراطي في إسبانيا، مؤكداً التزامه بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتقدم البلاد. غير أنه أطلق أيضاً واحدة من أبرز عبارات السنة قائلاً: «لا كرامة لنبي في وطنه. ستكون هناك دائماً أحكام»، في إشارة إلى الجدل الذي طبع السنوات الأخيرة من حياته. في الكتاب، كشف خوان كارلوس الأول أنه تعرض للتخلي من طرف محيطه، ولم يُخفِ استياءه من الصحافة الإسبانية.
ويأتي هذا التكريم في سياق معقد يحيط بصورة خوان كارلوس الأول، الذي لا يزال يقيم في أبوظبي منذ مغادرته إسبانيا، وسط تراجع سمعته المرتبط بتحقيقات مالية وقضايا مثيرة للجدل. وخلال كلمته، أقر الملك بارتكابه أخطاء شخصية، مشيراً إلى أن كتابه يتضمن إنجازاته التاريخية وكذلك «نقاط ضعفه وأخطاءه» التي لا يشعر بالفخر بها، لكنه يعتبرها جزءاً لا يتجزأ من مساره الحياتي.
وقد مُنحت هذه الجائزة بالإجماع من طرف لجنة تحكيم مستقلة تضم مؤرخين وصحافيين وكتّاباً، ما أثار أيضاً نقاشاً في فرنسا وإسبانيا بسبب الطابع المثير للجدل لهذا التكريم داخل مؤسسة محورية في الجمهورية الفرنسية. غير أن الجهة المنظمة شددت على أن الأمر يتعلق باعتراف أدبي بحت، يركز على العمل وليس على البعد السياسي للشخصية.
وشهد الحدث حضور ابنتيه، إلينا وكريستينا، إلى جانب شخصيات سياسية فرنسية، من بينها رؤساء حكومات سابقون.
ويُنظر إلى هذا الظهور العلني، الذي يحمل دلالات رمزية قوية، على أنه خطوة جديدة في مسار إعادة تأهيل صورة الملك السابق، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى عودته إلى إسبانيا، وإن كانت مشروطة باستعادة إقامته الضريبية. رئيس الحزب الشعبي، نونييث فايخو، كان قد طالب مؤخرا بعودة الملك خوان كارلوس إلى إسبانيا.
ومن خلال هذه الرسالة التي أطلقها من قلب المؤسسة الفرنسية، يسعى خوان كارلوس الأول ليس فقط إلى الدفاع عن إرثه التاريخي، بل أيضاً إلى الإسهام في النقاش الدائر حول دوره في إسبانيا المعاصرة، في سياق لا تزال فيه شخصيته تثير في آن واحد التقدير والجدل.