أكد رئيس مجلس الشيوخ في جمهورية بوروندي، جيرفي نديراكوبيكا، في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر جمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا، المنظم اليوم الأربعاء وغدا الخميس بمقر المجلس بالرباط، أن ترسيخ الديمقراطية في إفريقيا لا يمكن أن يتحقق إلا عبر بناء مؤسسات قوية ومتوازنة، مشدداً على أن الغرف العليا في البرلمانات تمثل إحدى الركائز الأساسية لضمان الاستقرار السياسي والحفاظ على السلم داخل القارة، وذلك خلال كلمته في مؤتمر جمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا المنعقد بالرباط.
وفي استهلال كلمته، عبّر المسؤول البوروندي عن “عميق احترامه لصاحب الجلالة الملك محمد السادس”، موجهاً شكره للمملكة المغربية ولمجلس المستشارين على حفاوة الاستقبال، معتبراً أن المغرب يجسد نموذجاً لبلد عريق في تقاليد الضيافة والانفتاح الإنساني، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، عمق البعد الحضاري للمملكة.
وفي صلب مداخلته، قدّم رئيس مجلس الشيوخ البوروندي طرحاً واضحاً حول مفهوم الديمقراطية في السياق الإفريقي، حيث اعتبر أن الديمقراطية ليست مجرد آليات انتخابية، بل هي منظومة متكاملة تقوم على “دولة القانون، وحماية الحقوق، وبناء مؤسسات قادرة على ضمان التوازن بين السلطات”. واستدل في هذا السياق بدور مجلس الشيوخ في بلاده، مؤكداً أنه “يلعب دوراً أساسياً في إعادة قراءة القوانين وضمان توافقها مع الدستور”، وهو ما يساهم في “منع الانحرافات المؤسساتية وتعزيز جودة التشريع كقاعدة لأي ديمقراطية صلبة”.
وأضاف أن التجربة البوروندية تُظهر أن الغرف العليا يمكن أن تتحول إلى آلية استراتيجية لضبط الحياة السياسية، ليس فقط من خلال التشريع، بل أيضاً عبر مراقبة المؤسسات العمومية وتعزيز الشفافية، مبرزاً أن هذا الدور الرقابي يساهم بشكل مباشر في الوقاية من الأزمات وتقليص احتمالات النزاع.
وفي بعد آخر من مداخلته، شدد المتحدث على أن الديمقراطية في إفريقيا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسألة الوحدة الوطنية، مشيراً إلى أن مجلس الشيوخ في بوروندي يعتمد مقاربة تمثيلية متوازنة لمختلف مكونات المجتمع، مستلهماً روح اتفاق أروشا للسلام والمصالحة، الذي أسس لمرحلة جديدة قائمة على الحوار وتقاسم السلطة، وهو ما اعتبره نموذجاً عملياً لكيفية توظيف المؤسسات في خدمة الاستقرار.
كما ربط رئيس مجلس الشيوخ البوروندي بين الديمقراطية والسلم، مؤكداً أن “لا يمكن الحديث عن سلام دائم دون مؤسسات شرعية وقوية”، في إشارة إلى أن الهشاشة المؤسساتية تُعد من أبرز أسباب النزاعات في القارة. وفي هذا السياق، اعتبر أن الدبلوماسية البرلمانية تمثل امتداداً طبيعياً لهذا الدور، من خلال تعزيز الحوار بين الدول الإفريقية وتبادل التجارب والبحث عن حلول سلمية للأزمات.
وفي استدلال مباشر على هذا التوجه، أشار إلى انسجام هذا الطرح مع أولويات الاتحاد الإفريقي لسنة 2026، تحت رئاسة بوروندي، حيث تم التأكيد على ضرورة “ترسيخ القيم الديمقراطية، وتعزيز دولة القانون، وتفعيل آليات السلم والأمن، والعمل على إسكات السلاح في القارة”، وهو ما يعكس، بحسب قوله، إدراكاً متزايداً لدى القيادات الإفريقية بأن الديمقراطية شرط أساسي للاستقرار والتنمية.
واختتم المسؤول البوروندي كلمته بدعوة صريحة إلى تعزيز الوحدة والتضامن بين الدول الإفريقية، معتبراً أن التحديات التي تواجه القارة، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية، لا يمكن تجاوزها إلا عبر مؤسسات قوية وتعاون برلماني فعال، مؤكداً أن “إفريقيا لن تتمكن من كتابة تاريخها بكرامة إلا من خلال ترسيخ الديمقراطية وضمان الاستقرار المؤسساتي”.
ويأتي هذا الموقف ليعزز النقاش الدائر داخل المؤتمر حول الدور المحوري للغرف العليا في الأنظمة السياسية الإفريقية، ليس فقط كهيئات تشريعية، بل كفضاءات للتوازن والحوار والوساطة، في مرحلة تعرف تحولات عميقة على مستوى القارة.