حوار وترجمة: محمد الشاربي
مارابياس أغيار أغيلار، حاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة لا لاغونا (جزر الكناري، إسبانيا). تعتبر أطروحتها للدكتوراه (1995) أول أطروحة تُناقش في الدراسات العربية والإسلامية في جامعة لا لاغونا.
أستاذة كرسي في تخصص الدراسات العربية والإسلامية في جامعة لا لاغونا. منسقة المجموعة البحثية اللاتينية-العربية: نصوص وسياقات المعرفة اليونانية واللاتينية والعربية. كما تشغل منصب مديرة قسم فقه اللغة في معهد الدراسات الكنارية.
باحثة متخصصة في دراسة التاريخ الفكري من القرن الثالث عشر إلى القرن السابع عشر الميلادي من خلال النصوص العربية المرتبطة بعهد المماليك (القاهرة) والمرينيين والسعديين (المغرب الأقصى).
لقد ترجمت العديد من النصوص من العربية إلى الإسبانية لابن الخطيب (1313-1374)، وأبو الحسن البسطي القلصادي (1412-1486)، وأحمد بن قاسم الحجري (1570-1642) لفهم الظروف الشخصية والفكرية لهؤلاء الشخصيات العظيمة الثلاثة.
حصلت مارابياس أغيار أغيلار على العديد من الجوائز المرموقة، منها: جائزة ابن الأبار للبحوث (2002)، وحاصلة على المركز الثاني في الجائزة الدولية الرابعة والأربعين لتاريخ الطب من مؤسسة “أورياش 1838” (2013)، وجائزة عبد العزيز سعود البابطين الدولية للبحوث (2014)، وجائزة “الثامن من مارس” من المعهد الجامعي الدراسات النسائية تقديرا للباحثات في جامعة لا لاغونا (2015)، وغيرها من الجوائز.
في هذا الحوار الحصري مع جريدة “مارس 30″، تناقش المستعربة والباحثة الإسبانية مارابياس أغيار أغيلار، عدة قضايا هامة: بداية ارتباطها باللغة العربية، وصورة ما هو عربي وإسلامي في جزر الكناري، وإسهامات المسلمين في المجال العلمي، والعلاقات الحالية بين إسبانيا والعالم العربي والإسلامي، والأدب العربي الأندلسي، والعلاقات الثقافية بين المغرب وإسبانيا، والاستعراب في جزر الكناري، كما تتحدث أيضا عن انطباعاتها حول المغرب، إلخ.
– أنت حاصلة على درجة الدكتوراه في فقه اللغة العربية من جامعة لا لاغونا (تينيريفي، إسبانيا)، وتشتغلين كأستاذة للغة العربية في نفس الجامعة. حدثينا قليلاً عن بداية ارتباطك باللغة العربية.
– كانت بداياتي مع اللغة العربية في جامعة لا لاغونا، واحدة من الجامعات الحكومية في جزر الكناري، إلى جانب جامعة لاس بالماس دي غران كناريا. بدأت دراستي الجامعية عام 1984، ودرست على يد الأستاذة ماريا أركاس كامبوي (حاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة غرناطة عام 1982، وأستاذة كرسي متقاعدة منذ 2018) والأستاذ رافاييل مونيوث خيمينيث (1932-1999، حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة كومبلوتنسي بمدريد عام 1971، وأستاذ متقاعد عام 1998). تعلمتُ من خلالهم قواعد اللغة العربية وأسس الأدب العربي الكلاسيكي والأندلسي والفكر العربي الإسلامي، إلى جانب مواد أخرى.
لكن حتى قبل الولوج إلى الجامعة، كنتُ معجبة بكل ما هو عربي بفضل أستاذ التاريخ الذي كان يدرسنا في “معهد الشاعر فيانا” في سانتا كروز دي تينيريفي. يؤسفني بشدة أنني لم أعد أتذكر اسمه، لأنه بفضله اكتشفتُ الأندلس. كان لدروسه أثرٌ بالغٌ في نفسي.
– موضوع أطروحتك للدكتوراه، تحت إشراف الدكتور رافاييل مونيوث خيمينيث، كان حول رسالة من القرن الرابع عشر تتحدث عن استخدامات الربع الجيبي (المجيب)، وهي أداة عربية الأصل لها تطبيقات متنوعة في علم الفلك والمسح (الحساب). كيف تنظرين إلى إسهامات المسلمين في هذا المجال؟
– كانت إسهامات المجتمعات العربية الإسلامية في العصور ما قبل الحديثة في العلوم لا تعد ولا تُحصى وذات أهمية بالغة للبشرية. أتيحت لي فرصة التعمق في تاريخ العلوم العربية الإسلامية خلال دراستي في الجامعة الحرة في بروكسل. وكان مرشدي ومعلمي هناك حسام الخادم (1939-2023)، مصري الأصل وتلميذ عباس محمود العقاد (1889-1964). شغل منصب أستاذ في الجامعة الحرة في بروكسل، ومدير معهد فقه اللغة والتاريخ الشرقي فيها، ورئيس قسم الخرائط في المكتبة الملكية البلجيكية. وهو من فتح لي الباب لاكتشاف هذا العالم الفكري الثري.
تشمل حركة ترجمة الأعمال العلمية إلى العربية خلال العصور الوسطى الإسلامية معظم المجالات العلمية القديمة. فقد تُرجمت مجموعة من النصوص في الرياضيات والفلك والطب، وغيرها من العلوم، إلى العربية بين القرنين الثامن والتاسع الميلاديين. كُتبت هذه النصوص باللغات السنسكريتية والسريانية والفارسية واليونانية، وكانت أغلب هذه الترجمات من اليونانية إلى العربية. كانت هذه الترجمات ثمرة مشروع مؤسساتي واسع، ممول من قبل السلطة السياسية في بغداد آنذاك.
فعلى سبيل المثال، تُرجم كتاب “الجغرافيا” وكتاب “المجسطي” لكلاوديو بطليموس (الإسكندرية، القرن الثاني الميلادي) من اليونانية إلى العربية ضمن حركة الترجمة هذه التي رعاها الخليفة المأمون في بغداد. وصلت أعماله، التي تُرجمت وتم تفسيرها في مناسبات عديدة، إلى بيزنطة، ومنها إلى فلورنسا وبيزا وبقية أنحاء أوروبا الغربية ابتداءً من القرن الرابع عشر الميلادي. يُعد هذان العملان من أهم الأعمال العلمية، إذ ظل محتواهما متداولًا في أوروبا حتى القرن السادس عشر الميلادي، إلى حين تطور علم الخرائط على يد ميركاتور (1512-1594) وأورتيليوس (1527-1598)، ونظريات كوبرنيكوس الفلكية (1473-1543).
– كيف هي صورة ما هو عربي وإسلامي في جزر الكناري؟
– للأسف، يسود في جزر الكناري جهلٌ كبيرٌ بكل ما هو عربي وإسلامي. صحيحٌ أن جزر الكناري قريبة جغرافيًا من المغرب، إلا أن المغرب بعيدٌ جدًا في أذهان الكناريين.
من جهةٍ أخرى، يقيم في جزر الكناري أكثر من ثمانين ألف مسلم ومسلمة من جنسياتٍ مختلفة: أكثر من خمسين ألفًا منهم يحملون الجنسية الإسبانية، ونحو تسعة عشر ألفًا يحملون الجنسية المغربية. لكن الكناريين يجهلون ذلك. غالبًا ما تطغى الأحكام المسبقة على المعرفة الموضوعية.
– بصفتك مستعربة وباحثة إسبانية، ما الذي تقترحينه للقضاء نسبيا على بعض الصور النمطية والأحكام المسبقة التي يحملها بعض الإسبان عن العرب والإسلام؟
– بشكلٍ عام، تتأثر النظرة إلى ما هو عربي والإسلامية في إسبانيا بالإيديولوجيا. يجب استعادة ذاكرة الأندلس، وكذلك ذاكرة العلاقات الأطلسية بين مملكة أراغون ومملكة قشتالة وجزر الكناري والمغرب، لأنها تُشكّل جزءًا من ماضينا التاريخي.
يتوجب علينا كمستعربين مواصلة البحث واستعادة الوثائق التي تساعد في رسم صورة أكثر دقة ووضوحاً للأحداث اللغوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية المختلفة التي وقعت في شبه الجزيرة الإيبيرية منذ القرن الثامن، وكذلك في كل ما يتعلق بتاريخ المحيط الأطلسي؛ أشير هنا بشكل خاص إلى الواجهة الأطلسية المغربية.
لا سبيل للقضاء على الصور النمطية والأحكام المسبقة إلا بالمعرفة. يجب أن تسود المعرفة على الآراء والمعلومات المضللة والمغرضة.
– فيما يخص مجال الترجمة، لقد قمت بترجمة نصوص عديدة من العربية إلى الإسبانية لابن الخطيب (1313-1374)، علي بن محمد بن علي القرشي البسطي أبو الحسن، الشهير بالقلصادي (1412-1486)، وأحمد بن قاسم الحجري (1570-1642). حدثينا قليلاً عن هذه التجربة والبصمة الكبيرة التي تركها هؤلاء المفكرون الأندلسيون الثلاثة العظام.
– في الواقع، كان ابن الخطيب وأبو الحسن البسطي القلصادي وأحمد بن قاسم الحجري ثلاثة من كبار المفكرين الأندلسيين، ولكن لا بد لنا أيضًا من التذكير بارتباطهم الوثيق بتاريخ المغرب خلال العصر المريني (1244-1465)، بالنسبة لابن الخطيب والقلصادي، وخلال العصر السعدي (1549-1659)، بالنسبة للحجري. وقد كتب كل منهم بأسلوبه الخاص، مع أنهم جميعًا استخدموا اللغة العربية. وتركوا بصمة مشاعرهم وتجاربهم في أعمالهم بطرق مختلفة.
كان ابن الخطيب شاعرًا وكاتبًا ومؤرخًا وسياسيًا، وشغل منصب وزير لدى الملكين النصريين يوسف الأول ومحمد الخامس ملك غرناطة، وكان مُلِمًّا إلمامًا تامًا باللغة العربية. وقد كتب بأسلوبه الدقيق والمعقد أكثر من ستين عملًا: دواوين شعرية ونصوص صوفية ورسائل طبية. انتهت حياته المضطربة للغاية بشكل مأساوي. يُعرف بلقبين: “ذو القبرين” و”ذو الميتتين”، في إشارة إلى العذاب الذي عاناه حتى بعد موته (بعد تعذيبه وخنقه في زنزانته بفاس عام 1374). دُفن، ثم نُبش قبره، ثم أُحرق، ثم أُعيد دفنه.
كان القلصادي عالم رياضيات بارزًا من مدينة بسطة (غرناطة)، وهو المكان الذي ولد فيه عام 1412. لديه حوالي عشرات المؤلفات في الحساب والجبر. كما حُفظت “رحلته” التعليمية عبر بلاد الإسلام، وهي مثالٌ رائعٌ للكتابة الموضوعية، إذ تُفصّل أسماء أساتذته، والنصوص التي درسها، والمدن التي تلقى فيها تعليمه. في رحلته، يُقدّم القلصادي عالمه الفكري كجزء من الرصيد المعرفي خلال عصره وسياقه الاجتماعي والثقافي، ولكنه يُمثّل أيضًا خيارًا وموقفًا، إذ اختار القلصادي كيفية إدارة ذاكرته وكيفية سرد الجانب “العام” من رحلة حياته: دراسته للعلوم الإسلامية التقليدية (النحو، والفقه، والرياضيات، وغيرها). تُجسّد شخصيته نموذج المسلم التقيّ الذي يجمع بين العلم والروحانية.
أما الحجري، فكان موريسكيًا، وُلِد باسم مسيحي “دييغو بيخارانو” في هورناتشوس حوالي عام 1570. وطُرد من إسبانيا. وفي عام 1590، كان الحجري في خدمة رئيس أساقفة غرناطة، بيدرو دي كاسترو إي كينونيس، مؤسس دير ساكرومونتي، الذي كان له دور في “كتب ساكرومونتي الرصاصية”. وقد حُفظت مراسلاته مع سلطان المغرب، وكذلك مع إربينيوس وجوليوس. في كتابه “ناصر الدين على القوم الكافرين”، يروي الحجري تفاصيل حياته خلال رحلاته إلى مراكش (حيث أمضى سنوات عديدة في بلاط مولاي أحمد المنصور)، وفرنسا، وهولندا. وقد قادته رحلة حياته إلى البحث عن مكان له (وإيجاده) في المجتمع الإسلامي.
.
لطالما أثار هؤلاء المؤلفون الثلاثة اهتمامي لأسلوبهم وقدرتهم على التعبير والكتابة. فقد قام ابن الخطيب والحجري بذلك بوضوح وبلاغة؛ أما القلصادي، فنحن نعرفه من خلال ما لم يرويه لنا بشكل صريح، أي من خلال ما هو ضمني في أعماله. فالعالم الذي يصوّره في كتابه “الرحلة” عالمٌ خالٍ من الصراعات و الخطر والتهديد، ولا وجود فيه لـ”الآخر”، بل هوية واضحة ومحددة. يُحافظ سردُه على “أنا” متنقل، يزور محطاتٍ على خريطة المعرفة في العالم العربي الإسلامي خلال القرن الخامس عشر، مُسلطًا الضوء على النخبة الفكرية في بسطة، وتلمسان، ووهران، وتونس، والإسكندرية، والقاهرة، وغرناطة. يُقدّم نفسه كشخصٍ في طور تكوينه، مُتّبعًا مسارًا آمنا ومُوحّدًا يجوب جزءًا من “دار الإسلام”، دون أي إشارةٍ إلى اهتمامه بالمدن غير الإسلامية.
– كيف ترين العلاقات الحالية بين إسبانيا والعالم العربي الإسلامي؟
– لفهم العلاقات الحالية بين إسبانيا والعالم العربي الإسلامي، لا بدّ من العودة إلى الوراء، إذ كانت العلاقات الثقافية بين الأندلس والشرق الإسلامي (مصر، والعراق، والشام، وبلاد فارس) وثيقةً ومتواصلة. انتقلت المعرفة، باللغة العربية، بين هذه المناطق الجغرافية الشاسعة. كان تدفق المعرفة من الشرق إلى الأندلس، ومن الأندلس إلى الشرق، كثيفًا وممتدًا على مدى قرون. يجب أخذ هذا الإرث الثقافي والأدبي والعلمي الواسع بعين الاعتبار لفهم أن إسبانيا والعالم العربي الإسلامي يجمعهما تاريخ مشترك عظيم.
تبذل كل من السياسة والجامعات جهودًا حثيثة للحفاظ على هذه العلاقات في أفضل حالاتها. أُقدّر عاليًا التزام وجهود الجامعات الإسبانية (أقسام الدراسات العربية والإسلامية والمجلات العلمية التي تنشرها)، ومؤسسات أخرى مختلفة (تحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة، وزارة الخارجية، معهد سرفانتس، ومؤسسة الثقافات الثلاث للبحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى مؤسسات أخرى في المغرب، مثل الأكاديمية الملكية، وجامعة محمد الخامس بالرباط، وجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، والمركز الدولي لدراسات التراث، وغيرها)، وأيضا جهود المستعربين الذين يضطلعون بدور محوري في إسبانيا من أجل حماية وتطوير العلاقات بين إسبانيا والعالم العربي الإسلامي.
– كيف تنظرين إلى الأدب العربي الأندلسي؟
– اكتشفتُ الأدب العربي الأندلسي بفضل ماريا خيسوس روبييرا ماتا (1942-2009) وميكيل دي إيبالزا (1938-2008)، وكلاهما أستاذان كبيران في الدراسات العربية والإسلامية بجامعة أليكانتي. بفضل رؤيتهما الثاقبة والراقية للثقافة الأندلسية، استطعتُ إدراك عظمة هذا الأدب، المفعم بالصور البديعة التي تُعبّر عن عالم جمالي مُعقّد ومتعدد الثقافات، نجح في دمج التقاليد الشرقية والغربية.
يتحدث الشعر الأندلسي عن الحب والطبيعة. فالجمال والرغبة والحدائق والمناظر الطبيعية عناصر متكررة في هذا الشعر. كما يبرز موضوع الحنين في هذا الشعر، واستحضار اللحظات السعيدة في الماضي، التي لن نستطيع أبدا تذوقها مرة أخرى بنفس الطريقة. إنه شعر راقٍ للغاية، مُفعم بحس جمالي رفيع.
يُشكّل الأدب العربي الأندلسي عالماً عاطفياً يُمكننا بلا شك تصنيفه كتراث عالمي. كان بمثابة جسر ثقافي بين العالم العربي الإسلامي وأوروبا في العصور الوسطى.
– ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المستعربون الإسبان في بناء جسور التواصل بين شبه الجزيرة الإيبيرية والعالم العربي الإسلامي؟
– للاستعراب الإسباني تاريخ عريق. فقد استمر الاهتمام الأكاديمي بالشؤون العربية الإسلامية لقرون. وعلى الرغم من رفض الإسلام الذي كان سائداً في إسبانيا، فقد اهتم العديد من الشخصيات بالحفاظ على الإرث المكتوب حيث أدركوا أهميته وقيمته العظيمة.
هنا نستحضر على سبيل المثال كلمات بينيتو أرياس مونتانو (1527-1598) عن الكتب المكتوبة باللغة العربية: “كل ما عُرف ودُرِس في أوروبا كان مصدره الكتب العربية. ومن الجيد أن تحتوي مكتبة جلالة الملك على نسخ من الكتب بهذه اللغة، حتى وإن لم تكن مفهومة أو مستخدمة بين الدارسين اليوم”. ويمكن استحضار كذلك الأمر الملكي للملكة خوانا، الصادر عام 1511، والذي ينص على أنه “مع سريان الضمانات القانونية، يجب فحص [الكتب العربية] من قبل خبراء لاختيارها على النحو الأمثل”.
يواصل المستعربون الإسبان التأكيد على الأهمية البالغة للنصوص العربية بالنسبة للذاكرة والتاريخ من خلال تحريرها وترجمتها ودراستها. وقد كان هذا العمل البحثي الكبير، ولا يزال، وسيظل عنصرًا أساسيًا للتفاهم المتبادل.
– كيف تنظرين إلى حاضر ومستقبل الاستعراب في جزر الكناري؟
– في جزر الكناري، يتم تدريس اللغة العربية والآداب والثقافة العربية فقط في جامعتين حكوميتين: جامعة لا لاغونا وجامعة لاس بالماس دي غران كناريا. يوجد عدد قليل جدًا من الأساتذة الذين يُدرِّسون هذه المواد؛ ففي جامعة لا لاغونا، لا توجد سوى أستاذتين. ومع ذلك، فإننا نحافظ على مستوى عالٍ من النشاط البحثي.
لم يعرف المجتمع الكناري كيفية الاستفادة من خبرتنا الأكاديمية الواسعة، المعترف بها على الصعيدين الوطني والدولي. ولم تفعل حكومة جزر الكناري ذلك أيضًا. لا أعرف السبب وراء ذلك.
مع ذلك، أنظر إلى مستقبل الاستعراب في جزر الكناري بتفاؤل. لعلّ طلابنا في يوم من الأيام لن يُضطروا إلى الانتقال إلى إحدى الجامعات في شبه الجزيرة الإيبيرية لتحقيق حلمهم بدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية (الإجازة).
– ماذا يُمثّل سيرخيو كاستيانو تيكسييرا بالنسبة لك؟
– في عام 2014، نشرتُ أنا وفرناندو دي أغريدا وخوسي أنطونيو غونزاليس ماريرو كتابًا عن حياة ومسيرة سيرخيو كاستيانو تيكسييرا الأكاديمية، الذي ولد عام 1922 في لاس بالماس دي غران كناريا، وهو أول مستعرب من جزر الكناري. أُتيح نشر هذه الدراسة بفضل كارمن رويث برابو-بياسانتي، الأستاذة المتقاعدة من جامعة مدريد المستقلة ومؤسسة دار نشر “كانتارابيا” عام 1985، بهدف تعزيز الروابط بين العالم العربي والعالم الهسباني. وتم نشر ذلك العمل في هذه المؤسسة (“كانتارابيا”).
تتمتع شخصية سيرخيو كاستيانو تيكسييرا بأهمية كبيرة في تاريخ الاستعراب بجزر الكناري على وجه الخصوص، ولكن أيضًا في تاريخ الاستعراب الإسباني بشكل عام. كانت حياته قصيرة، إذ توفي بمرض السل عام 1949 عن عمر يناهز السابعة والعشرين، لكنه ترك بصمةً واضحة، كونه تلميذًا مُفضّلًا لأحد أعظم المستعربين الإسبان: السيد إميليو غارسيا غوميز. شغل منصب أستاذ مساعد للغة العربية وآدابها في كلية الفلسفة والآداب بالجامعة المركزية، التي تُعرف اليوم بجامعة كومبلوتنسي بمدريد. كانت أطروحته للدكتوراه، التي لم يُكملها، تهدف إلى تقديم ترجمة وشرح للمجلد الثالث من كتاب “المقتبس في تأريخ رجال الأندلس” للمؤرخ القرطبي ابن حيان (987-1075).
بالنسبة لي، يجسد سيرخيو كاستيانو تيكسييرا بشكل واضح الجهد الكبير الذي يبذله سكان جزر الكناري للالتحاق ببرامج دراسية جامعية غير متوفرة في إقليمنا المستقل، مثلا فيما يتعلق بالدراسات العربية والإسلامية. وقد تجلى شغف سيرخيو كاستيانو بدراسة اللغة العربية خلال سنوات دراسته في معهد بيريز غالدوس في لاس بالماس دي غران كناريا. في المساء، كان يتعلم اللغة العربية في متجر “تيخيدوس خوري” للأقمشة في شارع تريانا، والذي تملكه عائلة خوري ذات الأصول السورية. وكان أستاذه آنذاك السيد إلياس خوري. وبجهد كبير، استطاع دراسة الإجازة في اللغة العربية من مدريد.
يُعد سيرخيو كاستيانو تيكسييرا شخصية بارزة في تاريخ غران كناريا الفكري. فقد كان رئيس تحرير مجلة “SPES” الشهرية، التي ساهم فيها زملاؤه من معهد بيريز غالدوس، بمن فيهم شخصيات مرموقة مثل بيدرو ليثكانو، وكارمن لافوريت، وفيكتور دي لا نويز، وماريا دولوريس دي لا في بونييا.
– كيف تحللين العلاقات الثقافية بين المغرب وإسبانيا (وخاصة بين المغرب وجزر الكناري)؟
– للعلاقات الثقافية بين المغرب وإسبانيا تاريخ عريق. فقد عقد البلدان لقاءات وطورا مبادرات متنوعة أسهمت في تعزيز التقارب الحقيقي والفعّال. ولكن لا يزال أمامنا الكثير من الأشياء ينبغي القيام بها في هذا المجال. ومن الضروري، على وجه الخصوص، انضمام الأجيال الجديدة ومشاركتها الفعّالة في تطوير العلاقات الثقافية الإسبانية-المغربية. يجب أن نفهم كيف ينظر الشباب الإسباني والمغربي إلى التقارب والصداقة والتعاون بين بلدينا.
من المهم ترسيخ أسس أقوى لتعليم اللغة العربية في إسبانيا. وفيما يخص اللغة الإسبانية، ينبغي مواصلة العمل المتميز الذي يقوم به معهد سرفانتس العريق. تشهد فروعه في المغرب على الاهتمام والتقدير الكبيرين اللذين يكنّهما المغرب للغة الإسبانية.
من الضروري خلق بيئات وفرص تُسهّل التبادل الثقافي في جزر الكناري. أتساءل إن كان أي من سكان جزر الكناري قد قرأ لكاتب مغربي أو يعرف أحد الفنانين المغاربة أو يقرأ الصحف المغربية. حسب تجربتي، الإجابة هي “لا”. وينطبق الأمر نفسه على المغرب. ما هي الصورة التي يحملها الناس هناك عن جزر الكناري؟ هل هم على دراية بالأدب الكناري أو بأي فنانين أو نحاتين كناريين؟
المغرب جارنا. إنه بلد لا يزال غير مكتشف إلى حد كبير من قبل سكان جزر الكناري، باستثناء الزيارات السياحية إلى مراكش.
– كم مرة زرت المغرب؟ كيف ترين المغرب؟
– لم أعد أتذكر عدد المرات التي سافرت فيها إلى المغرب. أزور المغرب كثيرا. فهو بلدٌ يأسرني. كانت أول زيارة لي في مارس 2002 للمشاركة في مؤتمر دولي كبير حول تاريخ وثقافة الأندلس. منذ اللحظة الأولى التي وصلت فيها إلى مطار الدار البيضاء، شعرتُ وكأنني في وطني.
لقد تغير المغرب كثيرًا منذ ذلك الحين، لكن شعبه لا يزال مضيافا وكريما، ولديه طاقة رائعة تملأ كل ركن من أركان البلاد. لقد حالفني الحظ بالتعرف على بعض المثقفين المغاربة العظماء، ونسج صداقات متينة ما زالت قائمة حتى اليوم. هناك مناظر طبيعية خلابة، وأجواء روحانية آسرة، كل ذلك يشجع على الاستمتاع بجمال الحاضر. المغرب بلد عظيم ذو تاريخ عريق. المغرب جزء لا يتجزأ من تجربتي الحيوية العميقة.
– أخيرًا، ما هي الرسالة التي تودين توجيهها للقارئ الإسباني والعربي؟
– نتقاسم أشياء كثيرة، في الماضي والحاضر. فلنواصل تعميق معرفتنا ببعضنا البعض لنبني مستقبلًا مشتركًا خاليًا من الأحكام المسبقة والصور النمطية.