20 يونيو 2026 / 00:11

بيت الصحافة

تحذيرات ترامب للصين

مارس 30 - 3 أبريل 2026

نشرت الباحثة الإسبانية إيفا بوريغيرو، أستاذة العلوم السياسية في جامعة كومبلوتنسي بمدريد، تحليلا عميقا في صحيفة “إلباييس” تبسط فيه الكيفية التي تتحرك بها واشنطن في مواجهة بكين، انطلاقا من تصور يقوم على فتح جبهات ضغط متعددة ضد الصين، ليس فقط في آسيا، بل أيضا في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، وحتى في محيط النفوذ الصيني المباشر. وترى الكاتبة أن الولايات المتحدة فتحت ثلاثة مسارات متوازية ضد بكين: التنافس على الموارد الطاقية والمعدنية، وإضعاف المواقع الاستراتيجية للصين، ثم تقويض شبكة حلفائها وشركائها.

وتبدأ بوريغيرو من شعار قديم بصيغة محدثة: “أمريكا للأمريكيين”، لتوضح أن إدارة دونالد ترامب أعادت إحياء منطق عقيدة مونرو ولكن بصيغة جديدة وأكثر صراحة. ففي بنما، تشير الباحثة إلى أن الصين عززت خلال العقود الأخيرة حضورها في أمريكا اللاتينية عبر البنى التحتية والأسواق في إطار مبادرة الحزام والطريق. وبعد وقت قصير من تسلم ترامب السلطة، بدأ أول تحرك أمريكي لانتزاع السيطرة من الشركات الصينية على قناة بنما، وهي الشريان الذي يربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ. وتذكر أن الضغط الأمريكي أعطى ثمره في نهاية يناير، حين قضت المحكمة العليا البنمية بعدم دستورية عقد الامتياز الممنوح سنة 1997 لفرع تابع لمجموعة “سي كاي هاتشيسون” متعددة الجنسيات، ومقرها هونغ كونغ، لتشغيل مينائي بالبوا وكريستوبال. وتربط الكاتبة هذا التطور بمنطق أوسع، إذ ترى أن ترامب أعاد تفعيل عقيدة مونرو وحدثها، لأن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية تنص على أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع وجود قوى أجنبية في نصف الغربي للكرة الأرضية، باستثناء الدول الحليفة، وبالأخص ليس في ما تعتبره مجالها الخلفي المباشر.

لكن الباحثة لا تقدم هذا التوجه بوصفه مسارا سهلا أو مضمونا، إذ تستحضر تحذير مركز بروكينغز من أن النفوذ الاقتصادي الصيني في أمريكا الجنوبية تجاوز نظيره الأمريكي. كما تشير إلى أن آخر وثيقة أصدرها الحزب الشيوعي الصيني بشأن المنطقة، والمنشورة سنة 2025، طلبت من بلدان أمريكا اللاتينية دعم “إعادة التوحيد الوطني”، وهو التعبير الذي تستخدمه بكين بشأن تايوان، والانخراط في النظام الدولي الجديد الذي تصفه الصين بأنه “مستقبل مشترك للبشرية”. وتلفت بوريغيرو إلى المفارقة التي يبرزها مركز بروكينغز: فكلما ركزت واشنطن على النصف الغربي للمعمورة، فإنها تخاطر بتحويل الموارد التي تحتاجها في الساحة الأهم بالنسبة لها فعلا، أي منطقة الهندي والهادئ.

وفي الأرجنتين، تواصل الكاتبة بناء هذا المنطق نفسه. فهي تشير إلى أن البلدين وقعا في فبراير 2025 اتفاقا بقيمة 130 مليار دولار، يضمن للولايات المتحدة أولوية الوصول إلى الليثيوم وغيره من الموارد المعدنية الأرجنتينية. ومن وجهة نظرها، فإن التحدي هنا موجه مباشرة إلى بكين، لأن الصين تسيطر على أكثر من 60 في المائة من القدرة العالمية على معالجة الليثيوم، كما أنها المستثمر الرئيسي في “مثلث الليثيوم” الذي يضم الأرجنتين والشيلي وبوليفيا. وفي هذا السياق، تعتبر بوريغيرو أن الإنقاذ المالي الذي دبره ترامب للرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي قبل أشهر من الانتخابات كان جزءا من العملية نفسها، أي من ترتيب أوسع لتقليص موقع الصين في منطقة بالغة الحساسية من ناحية المعادن الاستراتيجية.

أما في فنزويلا، فترى الباحثة أن سقوط نيكولاس مادورو يفتح الطريق أمام استغلال أمريكي للاحتياطيات النفطية الفنزويلية الضخمة، بما يضر مباشرة بالمصالح الصينية، لأن بكين كانت تتلقى ثلاثة أرباع الصادرات النفطية الفنزويلية. لكنها لا تكتفي بالإشارة إلى هذا الاعتماد الطاقي، بل تضيف أن العلاقات بين الصين وفنزويلا كانت قد ارتقت إلى ما يسميه معهد “تشاتام هاوس” “شراكة استراتيجية لكل الفصول”، بما يعكس درجة عالية من الانسجام الدبلوماسي بين الطرفين. وهنا، يصبح التغيير في كراكاس، وفق القراءة التي تقدمها، جزءا من مسار أوسع لتفكيك الشراكات الوثيقة التي نسجتها بكين مع عدد من الأنظمة.

وفي كوبا والبيرو، تشير بوريغيرو إلى استمرار مناخ الضغط والتحذير الأمريكي. ففي كوبا، تخيم من جديد ظلال التدخل، بينما يتركز الاهتمام في البيرو على الميناء العملاق في تشانكاي، القريب من ليما، الذي يربط ساحل أمريكا اللاتينية المطل على المحيط الهادئ بمدينة شنغهاي، ويخضع لسيطرة شركة “كوسكو” الصينية المملوكة للدولة. وتوضح أن كلا الملفين، كوبا وميناء تشانكاي، أصبحا ضمن نطاق الانتباه والتحذير من جانب ترامب، بما يعني أن واشنطن لا تنظر فقط إلى الاستثمارات أو الاتفاقيات، بل أيضا إلى البنى الاستراتيجية الكبرى التي قد تمنح الصين موطئ قدم طويل الأمد في منطقة أمريكا اللاتينية.

ثم تنتقل الباحثة إلى إيران، وتقدم الفكرة بصيغة حاسمة: النظام الإيراني يجب أن يكون مواتيا ومواليا لمصالح الولايات المتحدة، أو لا يكون. وهنا تربط بين إيران وفنزويلا من حيث طبيعة العلاقة مع الصين، مشيرة إلى أن بكين أقامت مع طهران “شراكة استراتيجية شاملة”. وتذكر أن هذه الشراكة تُوجت سنة 2021 باتفاق يمتد 25 عاما، يتضمن استثمارات تصل إلى 400 مليار دولار في الطاقة والبنى التحتية، مقابل حصول الصين على النفط الإيراني بأسعار مخفضة. وتضيف أن إيران تصدر بالفعل أكثر من 80 في المائة من نفطها الخام إلى الصين. وبذلك، يصبح أي تحول في إيران أو أي ضغط على هذا النظام جزءا من المعركة نفسها الهادفة إلى تقليص تدفق الطاقة إلى بكين وإضعاف صلاتها بأحد شركائها الأساسيين.

وفي ما يخص روسيا، تعرض بوريغيرو ما تعتبره رهانا استراتيجيا آخر لترامب. فهي تقول إن محاولته التقرب من فلاديمير بوتين من أجل إنهاء الحرب في أوكرانيا، لو نجحت، لكانت ستسهل فتح ثغرة داخل المحور الروسي-الصيني، الذي تصفه بأنه تشكل على أساس “صداقة بلا حدود” تنطوي على خطورة كبيرة. وتوضح أن النية هنا هي قلب منطق كيسنجر: فإذا كانت واشنطن في 1972 قد قربت الصين منها لإضعاف الاتحاد السوفياتي، فإن الحركة المعاكسة اليوم كانت ستسعى إلى مد الجسور مع موسكو لعزل بكين. ومن خلال هذا العرض، تقدم الباحثة فكرة أن إدارة ترامب لا تفكر فقط بمنطق المواجهة المباشرة مع الصين، بل أيضا بإعادة هندسة علاقات القوى الكبرى بما يخدم هدف تطويقها.

وتصل الكاتبة بعد ذلك إلى باكستان تحت عنوان دال: “يمكننا أيضا أن نقترب من حديقتك الخلفية”. وتشرح أنه طوال سنة 2025، قامت واشنطن بانعطافة دبلوماسية غير متوقعة نحو إسلام آباد. وقد بدأ ذلك، بحسب التحليل، بدعوة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى مأدبة غداء في البيت الأبيض، ثم تجسد في زيارات متتالية على مستوى عال، من بينها زيارة رئيس الوزراء شهباز شريف، الذي سبق له أن وصف العلاقة مع الصين بأنها “أعلى من جبال الهيمالايا وأعمق من المحيطات”. وتؤكد بوريغيرو أن حصيلة هذا الانفتاح الأمريكي تمثلت في توقيع معاهدات لاستخراج المعادن الحيوية المتوافرة بكثرة في بلوشستان، بما يسمح لواشنطن بتعزيز سلاسل التوريد الخاصة بها وإضعاف الاحتكار الصيني. وبهذا المثال، تبين الباحثة أن الولايات المتحدة لا تتحرك فقط في المناطق البعيدة عن الصين، بل تسعى أيضا إلى الاقتراب من دوائر نفوذها الحساسة ومراجعة توازنات قائمة كانت تبدو مستقرة.

وتؤكد بوريغيرو أن واشنطن تطبق حسابا قائما على ثلاثة محاور مترابطة: أولا، منازعة الصين على الموارد الطاقية والمعدنية؛ ثانيا، تقويض مواقعها الاستراتيجية؛ وثالثا، إضعاف شبكة حلفائها. وهذا التلخيص لا يأتي بوصفه استنتاجا عابرا، بل باعتباره الخيط الذي يجمع كل الحالات التي عرضتها الباحثة من بنما إلى الأرجنتين وفنزويلا، ومن إيران إلى روسيا وباكستان.

غير أن التحليل لا ينتهي عند حدود التحرك الأمريكي، بل يتوقف أيضا عند طريقة تموضع الصين. ففي فقرة “تأقلم بكين”، تشير الباحثة إلى أنه باستثناء حالة بنما، حيث حذر شي جين بينغ هذا البلد من كلفة مرتفعة إذا لم يتراجع، فإن المناورات الأمريكية لم تستفز ردا صينيا ذا دلالة كبيرة. وفي الوقت نفسه، تلفت الانتباه إلى أن “مصنع العالم” يواصل النمو من دون توقف. وتورد في هذا السياق أن الفائض التجاري الصيني ارتفع في 2025 بنسبة 20 في المائة ليصل إلى 1,2 تريليون دولار، وهو رقم قياسي تاريخي. كما تستند إلى توقعات منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، التي تعزز هذا الاتجاه، إذ تتوقع أنه بحلول 2030 ستمثل الصين 45 في المائة من القيمة المضافة في التصنيع العالمي، مقابل 11 في المائة للولايات المتحدة و3 في المائة لألمانيا. وتبرز الباحثة دلالة المسار التاريخي نفسه: ففي سنة 2000، كانت الصين بالكاد تبلغ 6 في المائة، بينما كانت الولايات المتحدة تقترب من 25 في المائة، وألمانيا من 8 في المائة.

انطلاقا من هذا التحليل، يتضح أن واشنطن، في ظل ترامب، تتحرك على نطاق واسع لمحاصرة الصين عبر الجغرافيا السياسية والموارد والتحالفات، لكن بكين، رغم هذا الضغط، ما زالت تحافظ على صعود اقتصادي وصناعي كبير يجعل نتائج هذه الاستراتيجية مفتوحة على المدى البعيد. فالمواجهة، كما ترسمها إيفا بوريغيرو، لا تدور في ملف واحد ولا في منطقة واحدة، بل في شبكة مترابطة من الساحات والموارد والشركاء وموازين القوى الدولية. 

التصنيف : تحت المجهر دبلوماسيا وجيوسياسا