20 يونيو 2026 / 00:14

بيت الصحافة

الأمريكي جيمس ك. غالبرِي: إيران.. أمّ كل الهزائم

مارس 30 - 3 أبريل 2026

في تحليل مطوّل نشرته صحيفة إلباييس الإسبانية، قدّم الاقتصادي والأكاديمي الأمريكي جيمس ك. غالبرِي قراءة نقدية حادة للحرب التي شنتها الولايات المتحدة على إيران، معتبراً أنها قد تتحول إلى “أمّ الهزائم” التي تنهي فعلياً النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، في تناقض صارخ مع الاستراتيجية الرسمية التي أعلنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أشهر قليلة فقط.

ويستند صاحب المقال إلى وثيقة استراتيجية الأمن القومي التي نشرتها الإدارة الأمريكية في نونبر 2025، والتي وصفها بأنها وثيقة “مهمة ومختلفة” عن سابقاتها منذ نهاية الحرب الباردة، حيث أكدت على توجه جديد يقوم على تقليص التدخلات الخارجية والابتعاد عن الحروب الطويلة، خاصة في الشرق الأوسط، مع التركيز على المصالح الوطنية الأمريكية المباشرة، في ظل تراجع الاعتماد على نفط الخليج بفضل ارتفاع الإنتاج الأمريكي.

وبحسب التحليل، فإن هذه الاستراتيجية شددت على أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى الانخراط المكثف في المنطقة كما في السابق، باستثناء ضمان تدفق الطاقة وحماية بعض المصالح الحيوية، مع الدعوة إلى تجنب ما وصفته بـ”حروب بناء الدول” التي استنزفت الموارد الأمريكية لعقود. كما اعتبرت استراتيجية الأمن القومي أن الشرق الأوسط لم يعد يشكل نفس مصدر التهديد الدائم الذي كان عليه في السابق، بل أصبح فضاءً قابلاً للتعاون والاستثمار.

غير أن هذا التوجه، يبين جيمس ك. غالبرِي، انهار بالكامل بعد الهجوم الأمريكي على إيران في 28 فبراير المنصرم، في خطوة اعتبرها انقلاباً مباشراً على الخط الاستراتيجي المعلن، وعودة مفاجئة إلى منطق التدخل العسكري الواسع في المنطقة. ويرى الكاتب الأمريكي أن هذا القرار يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة صناعة القرار في واشنطن، وحول مدى قدرة الإدارة الأمريكية على الالتزام برؤيتها الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، يبرز التحليل خصوصية الحالة الإيرانية، حيث يشدد على أن إيران ليست خصماً تقليدياً، بل دولة كبيرة من حيث المساحة والسكان، وتملك قدرات عسكرية متطورة تشمل الصواريخ والطائرات بدون طيار، إلى جانب تعبئة داخلية قوية ذات بعد وطني وديني، ما يجعل أي مواجهة معها مفتوحة على سيناريوهات معقدة وطويلة الأمد، بخلاف الحروب السابقة في العراق.

ويؤكد التحليل أن التطورات الميدانية تشير إلى نتائج عكسية للخطوة الأمريكية، حيث أدى التصعيد إلى إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة المرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها، ما انعكس مباشرة على إمدادات النفط العالمية، مهدداً بحدوث نقص حاد في الوقود والأسمدة، مع تداعيات محتملة على الأمن الغذائي الدولي. كما أشار التحليل إلى تعرض قواعد أمريكية في منطقة الخليج لأضرار جزئية أو خروجها عن الخدمة، في مؤشر على صعوبة الحفاظ على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

ويرى جيمس ك. غالبرِي أن الوضع الحالي يكشف عن عجز الولايات المتحدة عن فرض تفوقها العسكري كما في السابق، معتبراً أن واشنطن قد تكون بصدد فقدان موقعها في الخليج بشكل نهائي، حتى وإن لم يكن ذلك واضحاً بعد للرأي العام الأمريكي أو لصناع القرار.

وفي محاولة لتفسير هذا التناقض بين الاستراتيجية المعلنة والواقع الميداني، يطرح الكاتب المتخصص في الاقتصاد ثلاث فرضيات رئيسية؛ أولها أن النظام السياسي الأمريكي لم يعد قادراً على التخطيط وتنفيذ سياسات متماسكة؛ وثانيها احتمال وجود ما يشبه “انقلاباً صامتاً” داخل مؤسسات الحكم يجعل القرار الفعلي بيد أطراف أخرى، بينما يظل الرئيس واجهة فقط، أما الفرضية الثالثة فتذهب إلى أن هذه الحرب قد تكون، بشكل متناقض، طريقاً غير مباشر نحو تحقيق الهدف الأصلي، أي الانسحاب من الشرق الأوسط، لكن تحت ضغط الهزيمة وليس عبر قرار استراتيجي منظم.

ويخلص المقال إلى أن النتيجة المحتملة لهذا المسار هي اضطرار الولايات المتحدة إلى الاعتراف بحدود قوتها والتخلي عن دور “دركي العالم”، مع القبول بنظام دولي أكثر تعددية، غير أن الكاتب يؤكد أن هذا التحول، حتى لو كان حتمياً، كان يمكن أن يتم دون الدخول في حرب مكلفة قد تؤدي إلى خسائر استراتيجية واقتصادية كبيرة جدا.

التصنيف : تحت المجهر