نشر الصحافي المخضرم الإسباني ونائب مدير صحيفة “لابانغوارديا”، إنريك جوليانا، تحليلا حول التحولات الجيوسياسية التي تحيط بإسبانيا، مع تركيز خاص على ما يسميه “اللعبة الثلاثية المعقدة” بين الجزائر وإسبانيا والمغرب، في سياق دولي يتسم باضطرابات الطاقة وإعادة تشكيل التحالفات.
يرى جوليانا أن الجزائر وجدت نفسها في موقع استراتيجي مريح نسبياً بفعل الظرف الدولي، خاصة بعد تراجع الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي والأضرار التي لحقت بقدرات قطر التصديرية بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ما أعاد رفع قيمة الغاز الجزائري في السوق الأوروبية. هذا المعطى يمنح الجزائر ورقة قوة مهمة، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى استثمارات خارجية لتطوير قدراتها الإنتاجية، وهو ما يفسر، بحسب التحليل، انفتاحها الحذر على إسبانيا رغم التوترات السابقة بسبب دعم الحكومة الإسبانية إلى الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في الصحراء.
ويشير الكاتب إلى أن الجزائر كان بإمكانها الإبقاء على تجميد علاقاتها مع إسبانيا، لكنها اختارت عكس ذلك لاعتبارات اقتصادية واضحة، إذ تسعى إلى جذب استثمارات، سواء من الولايات المتحدة عبر شركات كبرى مثل “إكسون موبيل”، أو من أوروبا، خصوصاً إيطاليا عبر شركة “إيني”. هذا الانفتاح لا يعني تغييراً جذرياً في تموضع الجزائر الدولي، التي تحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها الوثيقة مع روسيا، بل يعكس براغماتية اقتصادية فرضها الظرف الدولي.
لكن النقطة الأكثر حساسية في تحليل جوليانا تتعلق بالمغرب، حيث يؤكد أن تحسين الجزائر لعلاقاتها مع إسبانيا لا يخلو من حسابات سياسية، إذ يمنحها ذلك هامشاً أكبر لممارسة الضغط على المغرب. فالعلاقة الطاقية بين الجزائر وإسبانيا تتحول هنا إلى أداة ضمن توازنات إقليمية أوسع، تتجاوز البعد الاقتصادي إلى توظيف سياسي في سياق التنافس الجزائري-المغربي.
ويصف الكاتب هذا الوضع بـ“اللعبة الثلاثية المعقدة”، حيث تحاول الجزائر الاستفادة من حاجة إسبانيا للغاز لتعزيز موقعها التفاوضي، ليس فقط مع مدريد، بل أيضاً في مواجهة الرباط. فكل تقارب جزائري-إسباني يمكن أن يُقرأ، وفق هذا المنظور، كرسالة غير مباشرة للمغرب في إطار صراع النفوذ الإقليمي.
في المقابل، يبرز التحليل أن إسبانيا تجد نفسها في موقع حساس، إذ تعتمد بشكل كبير على الغاز الجزائري، ما يجعلها مضطرة لإدارة توازن دقيق بين الحفاظ على علاقاتها مع الجزائر وعدم الإضرار في الوقت ذاته بشراكتها الاستراتيجية مع المغرب، التي تعززت في السنوات الأخيرة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية.
كما يضع جوليانا هذه الدينامية ضمن سياق دولي أوسع، حيث تحاول إسبانيا تقديم نفسها كفاعل مستقل نسبياً في الأزمة المرتبطة بإيران، وهو ما جلب لها “إشادات دولية” متعددة، لكنها، بحسب الكاتب، إشادات “ليست بريئة دائماً” وتحمل في طياتها حسابات ومصالح متشابكة.
في المحصلة، يقدّم المقال قراءة مفادها أن الجزائر لا تستخدم فقط ورقة الغاز لتعزيز اقتصادها، بل أيضاً كأداة ضمن صراع جيوسياسي مع المغرب، في حين تجد إسبانيا نفسها في قلب هذا التوازن الحساس، مطالبة بإدارة علاقاتها مع طرفين متنافسين في بيئة دولية تزداد تعقيداً.
يشار إلى أنه قبل يومين قام وزير الخارجية الإسباني، خوسي مانويل ألباريس، بزيارة رسمية إلى الجزائر، حيث التقى الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، ووزير الخارجية، أحمد عطاف، ووزير الطاقة والمعادن، محمد عرقاب. وكان النقاش هيمن عليه الغاز والاقتصاد.