توفيق سليماني*
في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على مستوى الأمن الغذائي والتغيرات المناخية والسيادة الغذائية، تبرز الفلاحة كأحد أهم مجالات التنافس والتعاون الدولي، ولم يعد هذا القطاع مقتصراً على الإنتاج والتسويق، بل أصبح أداة استراتيجية في خدمة السياسة الخارجية للدول. في هذا الإطار، يقدّم المعرض الدولي للفلاحة بالمغرب (SIAM) نموذجاً واضحاً لتحول الفعل الفلاحي إلى رافعة دبلوماسية، تجمع بين الاقتصاد، والتعاون التقني، وبناء الشراكات الدولية.
من منصة وطنية إلى واجهة دولية (2006–2026)
منذ تأسيسه سنة 2006 بمدينة مكناس، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، جاء المعرض الدولي للفلاحة بالمغرب كإطار لتثمين المؤهلات الفلاحية الوطنية وإبراز قدراتها. غير أن مساره، كما تعكسه المعطيات المتوفرة والمتراكمة، يكشف عن تحول تدريجي من معرض مهني داخلي إلى منصة دولية متعددة الأبعاد.
في بداياته، كان الهدف الأساسي هو تسليط الضوء على القطاع الفلاحي المغربي وتطويره، من خلال جمع الفاعلين المهنيين، وتبادل الخبرات، وتشجيع الاستثمار، أي توحيد الصفوف وتعزيز التعاون بين مختلف الفاعلين المهنيين والمزارعين والفلاحين بالمملكة. وقد نجح المعرض في وقت قياسي في تحقيق هذا الهدف، حيث استقطب منذ دورته الأولى أكثر من 500 ألف زائر من مختلف المدن المغربية، وهو رقم يعكس الاهتمام الكبير بهذا القطاع الحيوي داخل المغرب. فالإنسان المغربي مرتبط بالأرض ارتباطاً وثيقاً، والمعرض خلق “علامة فلاحية” مغربية بامتياز.

لكن التحول النوعي بدأ مع التوسع التدريجي في المشاركة الدولية، حيث أصبح المعرض يستقطب عشرات الدول ومئات العارضين من مختلف أنحاء العالم. هذا التطور الكمي والنوعي بلغ ذروته بحلول سنة 2025، أي بعد عقدين تقريباً، حين تجاوز عدد الزوار مليون زائر، مما جعل المعرض مركزاً إقليمياً ودولياً رئيسياً يعكس أهمية الفلاحة المغربية وموقعها المتقدم على الصعيد الإفريقي والإقليمي.
كما يعكس تنوع أقطاب المعرض (قطب الجهات، القطب الدولي، قطب الآلات الفلاحية، قطب المؤتمرات،…) رؤية متكاملة تقوم على تنظيم الفضاء الفلاحي بشكل يستجيب لمختلف الفاعلين: من الفلاحين الصغار والكبار إلى المستثمرين، ومن الباحثين إلى صناع القرار. هذا التقسيم ليس تقنياً فقط، بل يعكس أيضاً تحول المعرض إلى فضاء مركب يجمع بين العرض، والتفكير، والتفاوض والتموقع.
وتبرز دينامية النمو بشكل أوضح عند تتبع أرقام المشاركة: من 850 عارضاً في 2012، إلى أكثر من 1060 عارضاً في 2013، ثم 1200 عارض من 60 دولة في 2016، وصولاً إلى 1400 عارض من 70 دولة في 2018، و1500 عارض من 72 دولة في 2019. كما أنه في النسخة الأخيرة 2025 تم تسجيل 1.1 مليون زائر، و1500 عارض، ومشاركة أزيد من 70 دولة، ومشاركة أزيد من 500 تعاونية، ومشاركة 45 وفداً أجنبياً، ومشاركة أزيد من 200 مربٍ للمواشي، علاوة على تنظيم أزيد من 55 محاضرة وجلسة. وقد غطى فعاليات هذا المعرض السنة الماضية 850 صحافياً مغربياً وأجنبياً. هذه الأرقام لا تعكس فقط توسع المعرض، بل تؤكد تحوله إلى نقطة جذب دولية للفلاحة المتوسطية والأطلسية والإفريقية.
كما أن إدراج تقليد “ضيف الشرف” منذ السنوات الأولى شكل آلية ذكية لإضفاء بعد دبلوماسي على المعرض، حيث تم اختيار دول مختلفة تعكس تنوع الشراكات المغربية: من ألمانيا وفرنسا، إلى كندا وبلجيكا، ثم الإتحاد الأوروبي، وقطر، والإمارات، وإيطاليا، وهولندا، وسويسرا، وصولاً إلى المملكة المتحدة، إسبانيا، وفرنسا مجدداً. هذا التنوع يعكس انفتاح المغرب على فضاءات جغرافية مختلفة: أوروبا، أمريكا الشمالية، والعالم العربي.

ويبقى التحدي، في هذا المضمار، هو الانفتاح على دول أمريكا اللاتينية، حيث الكتلة السكانية تتجاوز 600 مليون نسمة في أكثر من 23 بلد. علماً أن هذه المنطقة تضم اقتصادات فلاحية قوية ومتقدمة مثل البرازيل والمكسيك والأرجنتين وتشيلي. المهنيون المغاربة يمكنهم الاستفادة من تجارب هذه الدول والعكس صحيح، كما أن المصدرين والمستثمرين الفلاحيين المغاربة يمكنهم التموقع في هذه القارة، حيث يمكن أن يحدث نوع من التكامل بخصوص الصادرات. تربية المواشي وتصدير اللحوم يمكن أن يكون مجالاً للتعاون التقني وتبادل المعارف والخبرات. حضور دول من أمريكا اللاتينية كضيوف شرف في النسخ القادمة سيمنح القطاع الفلاحي المغربي فرصة الانفتاح على أسواق هذه البلدان وجلب المستثمرين والخبراء. وعليه، فإن المعرض الدولي للفلاحة لم يجمع بين المهنيين المغاربة فحسب، بل انفتاح المغرب على العالم وجلب العالم الفلاحي إلى المغرب.
وبخصوص انتقال المعرض من منصة وطنية إلى واجهة دولية، يرى الخبير في الاستراتيجيات والتواصل الفلاحي والقروي، ميلود الأخضر، في تصريح لصحيفة “مارس 30″، أن هذا التحول المهم راجع، أولاً، إلى استراتيجية المخطط الأخضر التي أعطى صاحب الجلالة محمد السادس انطلاقتها سنة 2008. وتابع أن هذا المخطط انتهى في سنة 2020، وبالتالي فهذه الاستراتيجية عرفت إعادة هيكلة القطاع الفلاحي بصفة عامة، وانطلاقاً من إعادة الهيكلة أُنشئت تنظيمات بين مهنية. وبفضل “كل هذه المبادرات أصبح القطاع الفلاحي بالمغرب منظماً في كل مجالات سلاسل الإنتاج، النباتية و الحيوانية”.
وأردف الخبير ميلود الأخضر أنه بعد 2020 جاء مخطط الجيل الأخضر 2020 و2030، والذي أعطى انطلاقته صاحب الجلالة أيضاً في مدينة أكادير، والذي وضع في صلب اهتماماته العنصر البشري والاستثمارات. “كل هذا أعطى للمغرب إشعاعاً على المستوى الدولي، ما جعل المغرب قطب جذب لكل الاستثمارات الوطنية والدولية”، يوضح المتحدث. وأضاف أن المغرب أصبح رائداً في الاستثمارات الفلاحية، خاصة المعرض الدولي للفلاحة الذي “يجسد مدى نجاعة استراتيجية وزارة الفلاحة ومخطط المغرب الأخضر والجيل الأخضر 2020 و2030، وهذا ما جعل الدول تقبل على المغرب من كل أنحاء العالم”.
من جهة، يؤكد رياض وحتيتا، الخبير والمستشار الزراعي المغربي، أن هذا التحول للمعرض من منصة وطنية إلى واجهة دولية، يعكس تطور ودينامية القطاع الفلاحي المغربي، مبيناً أن هذا التحول ليس وليد الصدفة ولا الأمس، بل نتيجة رؤية استراتيجية واضحة، والتي اعتمدتها الوزارة المعنية تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، والتي كانت أعلنت فيها انفتاحاً تدريجياً سنوياً على شركاء دوليين.

وأبرز رياض أن هناك عوامل مهمة ساهمت في هذا الإشعاع من قبيل تشجيع الاستثمار في المجال الفلاحي وربط الفلاحة أيضاً بسلاسل القيمة العالمية من خلال تبادل التجارب وتبادل الأفكار بين الفاعلين الفلاحيين المغاربة ونظرائهم الدوليين. “هذا المعرض تحول إلى فضاء لتبادل الخبرات ويتم كذلك بعقد شراكات دولية ووطنية، مثلاً، إذا استحضرنا السنوات القليلة الماضية، كانت اسبانيا ضيف شرف وعقدت شراكات في الفلاحة الذكية، ونفس الشيء مع فرنسا”، يستدرك وحتيتا.
بناءً على هذه المعطيات، يمكن القول إن المعرض الدولي للفلاحة بالمغرب لم يعد مجرد حدث سنوي، بل تحول إلى بنية مؤسساتية متكاملة تراكم عبر الزمن خبرة تنظيمية، وشبكة علاقات دولية، وقدرة على التأثير في النقاشات الفلاحية العالمية.
المعرض كأداة للدبلوماسية الفلاحية والقوة الناعمة
تكشف المعطيات المتوفرة أن المعرض الدولي للفلاحة لم يعد مجرد فضاء لعرض المنتجات، بل أصبح أداة مركزية في خدمة الدبلوماسية الفلاحية المغربية، والتي تتماهى بدورها مع الدبلوماسية الرسمية المغربية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
في هذا السياق، يندرج المعرض ضمن دينامية أوسع تشهدها الدبلوماسية المغربية، حيث يتم توظيف القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الفلاحة، لتعزيز العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف. ويستضيف المعرض في كل دورة عشرات الدول، ليس فقط للمشاركة، بل أيضاً لعقد لقاءات، وتوقيع اتفاقيات، وتعزيز الشراكات.
التحول الأهم يتمثل في كون المعرض أصبح منصة لإعلان السياسات الكبرى، وعقد اتفاقيات الشراكة، خاصة في مجالات الممارسات المستدامة، والتكيف مع التغير المناخي، وتعزيز المرونة الفلاحية. وهذا ما يحوله إلى فضاء للتفاوض غيرالمباشر، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الأهداف السياسية.
وجود “القطب الدولي” داخل المعرض يعكس هذا التوجه بشكل واضح، إذ يضم المقاولات الأجنبية، والمنظمات الدولية، والهيئات غير الحكومية، مما يجعله فضاءً للتفاعل بين مختلف الفاعلين الدوليين. هذا القطب يجسد انفتاح المغرب على التعاون الدولي، وسعيه إلى تثمين علاقاته التجارية والفلاحية.

كما أن تنظيم ندوات ولقاءات رفيعة المستوى (كما في دورة 2019 التي شهدت تنظيم 35 ندوة وأكثر من 300 لقاء، وصولاً إلى الدورة الأخيرة التي عرفت تنظيم 55 ندوة) يعزز من الطابع الدبلوماسي للمعرض، حيث لا يقتصر الأمر على العرض، بل يمتد إلى إنتاج المعرفة وتبادلها، وربما صناعة القرار.
في هذا الإطار، يمكن فهم المعرض كأداة من أدوات القوة الناعمة، حيث يقدم المغرب نفسه كفاعل مسؤول في قضايا كبرى مثل الأمن الغذائي، والتنمية المستدامة، والتغير المناخي. ومن خلال هذا الحضور، يعزز صورته كشريك موثوق، وقوة فلاحية إقليمية. وانتخاب المغرب، يوم 13 مارس 2026 بروما، نائباً لرئيس هيئة تدابير الصحة النباتية التابعة للاتفاقية الدولية لوقاية النباتات بمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، هو خير دليل على الدور الفعال للدبلوماسية الفلاحية.
كما أن الفلاحة، بحكم ارتباطها المباشر بالغذاء والعيش اليومي، تمنح هذا النوع من الدبلوماسية بعداً إنسانياً، يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية، ويعزز من قبول المغرب كشريك في مختلف المناطق، خاصة في إفريقيا والعالم العربي. فالمغرب اليوم لا يضمن فقط الأمن القومي الغذائي لمواطنيه، ولجزء من القارة الأوروبية، بل أصبح يسهم في الحفاظ على الأمن الغذائي لإفريقيا.
كما أن القطاع الفلاحي يسهم في احتواء الهجرة غير النظامية داخل القارة الإفريقية. الآلاف من المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء الذين يصلون إلى المغرب يقررون الاستقرار في المملكة، وجزء منهم يشتغل في القطاع الفلاحي. أحياناً يتجاوز عدد المهاجرين الأفارقة الذين يشتغلون في بعض الضيعات الفلاحية بأكادير عدد المغاربة. مصادر زراعية من مدينة أكادير كشفت للجريدة أنه في “كانزا”، أي أسبوعين من العمل، تم تسجيل في إحدى الضيعات تشغيل نحو 1200 عامل، نحو 700 منهم من إفريقيا جنوب الصحراء. هذا الرقم ليس مستقراً، طبعاً، بل هو مرتبط بفترات الذروة في مواسم الجني، ولكنه مهم، ويبرز أن المغرب سيكون بحاجة إلى اليد العاملة من إفريقيا جنوب الصحراء. وتابعت المصادر ذاتها أن رب العمل دفع للعمال في تلك المناسبة 70 مليون سنتيم، نحو 40 مليون ذهب إلى جيوب شباب وشابات من إفريقيا جنوب الصحراء. وهذه المعطيات تؤكد الانخراط الفعلي للمغرب في إدماج هؤلاء المهاجرين في النسيج الاقتصادي الوطني، عامة، والفلاحي، خاصة. مصادر أخرى كشفت للصحيفة أن قطاع “زراعة النعناع” يعاني من قلة اليد العاملة المغربية، بل أحياناً لا يرغب الشباب المغربي بالعمل بـ 200 درهم في اليوم، ما يفسح المجال لإدماج المهاجرين الأفارقة في هذا القطاع على سبيل المثال.
ولرصد كيف تحول القطاع الفلاحي بالمغرب إلى أداة دبلوماسية مهمة، تواصلنا مع ميلود الأخضر، الخبير المغربي في الاستراتيجيات والتواصل الفلاحي والقروي، الذي أكد قائلاً: “فعلاً، المعرض الدولي للفلاحة هو أداة دبلوماسية فعالة، إذ نرى مثلاً، الآن، أن القطب الدولي للمعرض مملوء عن آخره. فالدول الأوروبية وغير الأوروبية أصبح لها موعد سنوي مع المغرب وتأخذ بعين الاعتبار حضورها في هذا الملتقى الدولي”.
وتابع ميلود الأخضر قائلاً: “فهذه الدول تريد الاستفادة من التجربة المغربية وتقاسم تجاربها مع المغرب ومع باقي الدول المشاركة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المغرب في البحث العلمي أصبح كذلك لديه إشعاع وطني ودولي، والمعرض الدولي للفلاحة بمكناس هو مناسبة لتقاسم نتائج البحث على مستوى كل الدول سواء الأوروبية أو الإفريقية وغيرها، كما أنها فرصة للمغرب ليقدم نتائج بحثه في الابتكار والإبداع في مجال الفلاحة”.
بدوره، أكد رياض وحتيتا، الخبير الفلاحي، في تصريح لصحيفة “مارس 30” أن المعرض الدولي للفلاحة أصبح “يشكل قوة ناعمة حقيقية للمغرب”. وتابع أن الفلاحة اليوم لم تعد قطاعاً إنتاجياً فقط بل أصبحت مجالاً للتأثير وبناء العلاقات الدولية، خاصة أنها عماد الأمن الغذائي والسيادة الغذائية. وأشار كذلك إلى أن “المعرض يوفر منصة غير رسمية مع الدبلوماسية الاقتصادية، حيث تلتقي الحكومات والوزراء والمستثمرون والفاعلون والفلاحون في فضاء واحد، مما يعزز صورة المغرب كفاعل إقليمي رائد في المجال الفلاحي، كما يقوي حضوره في قضايا الأمن الغذائي والتعاون جنوب-جنوب”.
البرتغال ضيف شرف 2026.. تكريس لمسار التعاون الفلاحي

تأتي الدورة الثامنة عشرة للمعرض الدولي للفلاحة بالمغرب (20–26 أبريل 2026) في سياق خاص، يتميز بالتركيز على “استدامة الإنتاج الحيواني والسيادة الغذائية”، وهو شعار يعكس التحولات الكبرى التي يعرفها القطاع الفلاحي عالمياً.
اختيار البرتغال كضيف شرف لهذه الدورة لا يأتي بشكل اعتباطي، بل يعكس مساراً من التعاون الثنائي المتنامي بين البلدين في المجال الفلاحي. فالعلاقات المغربية البرتغالية في هذا القطاع تعرف تطوراً ملحوظاً، مدعوماً بعدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم.
من أبرز هذه المحطات، توقيع مذكرة تفاهم سنة 2013 على هامش الدورة الثامنة للمعرض، والتي هدفت إلى تعزيز التعاون في الصناعات الغذائية، وتنمية المجال القروي، وتثمين المنتجات المحلية. كما شملت مجالات الابتكار، والبحث، وحماية المحاصيل، وتطوير الإنتاج النباتي والحيواني. يعني أن التعاون الفلاحي مع البرتغال طُبخ على نار هادئة وكان متيناً منذ سنة 2013 لنصل إلى استضافة هذا البلد هذه السنة كضيف شرف.
وقد تم تعزيز هذا الإطار سنة 2014 من خلال توقيع بروتوكول تعاون يركز على تبادل المعلومات والتجارب، وتحسين جودة المنتجات، والتعاون في مجالات الصحة الحيوانية والنباتية، ودعم الصادرات.
كما أن مشاركة المغرب كضيف شرف في معرض “Portugal Agro” سنة 2016 تعكس الطابع المتبادل لهذا التعاون، وتؤكد وجود إرادة مشتركة لتطوير العلاقات الفلاحية على أساس المصالح المتبادلة.
في هذا السياق، يشكل حضور البرتغال في دورة 2026 فرصة لتعميق هذا التعاون، خاصة في مجالات الابتكار الزراعي، وتطوير سلاسل الإنتاج، والتكيف مع التغيرات المناخية.
كما أن هذه الدورة، التي تركز على الرقمنة، والميكنة الذكية، والاستدامة، تعكس توجه المغرب نحو تحديث القطاع الفلاحي، وجعله أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية، مع الحفاظ على دوره كفاعل إقليمي ودولي.

وبخصوص مشاركة البرتغال كضيف شرف، يرى رياض وحتيتا أن اختيار البرتغال يعكس عمق العلاقات بين البلدين، خاصة في المجال الفلاحي والبحري. وأردف أن البرتغال، مثلاً، لديها تجربة مهمة في تدبير الموارد المائية والفلاحة المستدامة وتثمين المنتجات وتدبير الثروة الحيوانية، والتي جاءت كشعار خلال هذه النسخة. هذه الخصائص التي تميز القطاع الفلاحي البرتغالي تتقاطع مع التحديات التي يواجهها المغرب، لذلك “فمشاركة البرتغال في المعرض كضيف شرف ستفتح آفاقاً جديدة للتعاون وتبادل الخبرات، خاصة في ظل التغيرات المناخية والضغط على الموارد الطبيعية، كما تعكس توجه المعرض نحو تنويع الشركاء وتعزيز تواجده باستضافة عارضين أجانب”، يختم رياض.
من جهته، يرى ميلود الأخضر أن مشاركة البرتغال كضيف شرف تجسد عمل المغرب على تعزيز الشراكات جنوب-جنوب، وتقاسم خبراته مع الدول الأوروبية والإفريقية، في إطار تعاون قائم على التضامن والتنمية المشتركة. كما يعزز هذا التوجه مكانة المغرب كشريك موثوق في القضايا الدولية، خاصة تلك المرتبطة بالأمن الغذائي، والاستدامة البيئية، ومواجهة التغيرات المناخية.
ختاما، ومن خلال تتبع مسار المعرض الدولي للفلاحة بالمغرب، يتضح أنه لم يعد مجرد تظاهرة فلاحية، بل أصبح أداة استراتيجية في خدمة الدبلوماسية المغربية. فقد نجح في التحول من منصة وطنية إلى فضاء دولي يجمع بين العرض، والتفاوض، وبناء الشراكات.
كما أن توظيف الفلاحة كأداة للقوة الناعمة يعكس وعياً متزايداً بأهمية هذا القطاع في العلاقات الدولية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والتغير المناخي.

وفي هذا الإطار، تمثل دورة 2026، بشراكتها مع البرتغال، محطة جديدة في مسار تعزيز الدبلوماسية الفلاحية المغربية، وتأكيد موقع المغرب كفاعل أساسي في هذا المجال على المستويين الإقليمي والدولي.
———————————
(*) صحافي وباحث متخصص في العلاقات المغربية-الإيبيرية-الأمريكو-لاتينية